|
بشير حسن الشباب في مأزق, حائر, يأخذه شيوخ الفضائيات تارة, والروشنة بمفرداتها تارة أخري, يستجيب للوعود الوردية بمستقبل كبير تارة, ثم تتحطم أحلامه علي صخرة الواقع تارة أخري, يرغب في احترام والديه.. لكنه يضيق ذرعا بفرض الالتزام عليه في ظل مجتمع مفتوح كثرت مغرياته المحرمة وتقلصت فضائله ومثاليته, حائر بين الالتزام بالحجاب والعفة.. ومتعة الاختلاط والسهر والعواطف الملتهبة, الشباب يبحث عن من يأخذ بيده إلي بر الأمان, خاصة.. إذا تغيب دور الأسرة, والسينما لم تفطن لهذه الحيرة, وغابت عن هموم الشباب إلا قليلا, ثم جاء فيلم أوقات فراغ ليدق ناقوس الخطر, وينذر من يهمه الأمر.. بضياع محقق للشباب إذا استمرت حيرته وغابت قدوته, نماذج مختلفة قدمها الفيلم, كلها دون العشرين عاما, لكنها بسلوكياتها وحيرتها بين الالتزام والضياع.. كانت مرآة تعكس واقعا مريرا يعيشه الشباب ليس في مصر فقط ولكن في كل الأقطار العربية! مغامرة سينمائية, تستحق التوقف أمامها والتصفيق لها والاحتفاء بها حتي يدرك القائمون علي هذه الصناعة أن الفن الجيد يعيش في وجدان الناس ولا ينتهي بإسدال تتر نهاية الفيلم. مؤلف لم يتخط التاسعة عشر, وممثلون يواجهون الكاميرا لأول مرة ومخرج.. اختار أن يبدأ مشواره الفني بشباب دون العشرين بعد سنوات طويلة قضاها كمساعد لكبار المخرجين, ومنتج انفصل عن حبيبته السينما منذ أكثر من عشرين عاما بعد عشرات الأفلام الجادة واختار أن يعود بشباب, ينافس بهم كبار النجوم, ليس علي شباك التذاكر, ولكن.. علي فن جيد يجمع بين المتعة والاستفادة, متعة ليست حسية, واستفادة تخلو من الوعظ, فيلم أوقات فراغ تأليف عمرو جمال ومحمود مقبل, وبطولة راندا البحيري وأحمد حاتم وصفا تاج الدين وكريم قاسم وعمرو عابد وأحمد حداد وإخراج محمد مصطفي ومنتجه هو حسين القلا الذي تصالح مع السينما بهذا الفيلم. الوجه الوحيد الذي يتعرف إليه جمهور السينما في أوقات فراغ هو راندا البحيري, ورغم ذلك أعيد صياغتها فنيا فانصهرت مع زملائها في فرن السينما الجادة, أبطال أوقات فراغ منهم المهندس ومنهم المحاسب ومنهم من يواصل دراسته في معهد السينما, لكنهم تدربوا في ستديو الممثل علي يد أحمد كمال ومحمد عبدالهادي, التجربة للوجه الجديد أحمد حاتم مثيرة, وممتعة, ومخيفة في الوقت نفسه, ومسئولية كبيرة وضعها علي كاهله المخرج محمد مصطفي والمنتج حسين القلا, وأحمد يحلم بسينما جادة, تعبر عن أبناء جيله وتطرح مشاكلهم حتي لو صارت هذه السينما موازية للخط السينمائي السائد حاليا, أحلام أحمد حاتم هي نفسها أحلام صفا تاج الدين وكريم قاسم وعمرو عابد, حتي أن راندا البحيري أكدت أن شعورها بأنها تمثل لأول مرة ظل يلازمها طوال فترة التصوير, أما المؤلف عمرو جمال فلم يكن يتوقع أن ما يكتبه من الممكن أن يحتفي به المنتج, أو يهتم به مخرج, فقد نقل تفاصيل حياة أبناء جيله, الثري والفقير الحائر بين الدنيا والدين, تجارب عاشها المؤلف فكتبها بتلقائية وعهد بها إلي المنتج حسين القلا ليحولها إلي حالة سينمائية, استدعت لذاكرته فيلم سهر الليالي الذي اكتسح الموسم السينمائي الصيفي وفاز بالعديد من الجوائز. المخرج محمد مصطفي طلب من أبطال فيلمه ألا يمثلوا إذا وقفوا أمام الكاميرا, فجاء الأداء تلقائيا خاليا من التصنع, مصطفي بذل جهدا في السيناريو, وأعاد صياغة الكثير من مشاهده, لكن الفكرة والنماذج التي كتبها المؤلفان أجبرته علي الجلوس فترات طويلة أمام السيناريو, والمخرج بذلك يعطي للمؤلفين حقهما, بل إنه طالب بالاحتفاء بهما, أما الممثلون, فتوقع لهم محمد مصطفي مستقبلا كبيرا, بشرط أن تتلقفهم أياد أمينة, تتعامل مع السينما علي أنها رسالة, لا تجارة, ومع الوجوه الجديدة علي أنها أمانة, لا سلعة تدر ربحا. المشهد الأخير جاء المشهد الأخير من فيلم أوقات فراغ يلخص وبإيجاز موضوع الفيلم, ثلاثة شباب يتوقف بهم قارب ساقية الملاهي في أعلي نقطة, يصرخون, وينادون عن منقذ لهم يدير الساقية حتي يستقر بهم القارب علي الأرض, لكن.. لا أحد يسمعهم, الشباب المعلق في الهواء.. يرغب في الاستقرار ليكن سويا, لكن.. لا إجابة, لا اهتمام, فالكل ملهي علي طريقته, ثلاثة نماذج من الشباب قدمها الفيلم, الأول يعيش مع والديه لكن الأب الطبيب مشغول بعيادته, والأم مشغولة بالبيزنس, أما الشاب فعاش مع أصدقائه, يسهر حتي الصباح, ويغط في الكيف والملذات ولا يجد من يحاسب ويقوم, والنموذج الثاني.. لشاب انفصل والداه, ويعيش مع والدته وشقيقته بعد زواج والده من أخري, يدرس الشاب في كلية الهندسة تحت ضغط والده, رغم أنه يهوي الإعلام ويحلم بأن يكون صحفيا, والنموذج الثالث.. لشاب يعاني من قمع والده بعد أن فشل الابن في أن يجعل من الأب صديقا, كذب مرة عليه, فتعامل مع الأب علي أنه الكاذب دائما, الشاب الأول من أسرة ثرية.. يستخدم سيارته في نزواته, والثاني من أسرة متوسطة.. يضعف أمام نزوات صديقه الثري, والثالث من أسرة فقيرة.. يجد في صديقيه الملاذ عندما يطرده والده من المنزل, أما النموذج الرابع فكان الناقوس الذي دق جرس الخطر, فمع وفاته تحت عجلات سيارة سريعة.. ذهل أصدقاؤه الثلاثة, وأصروا علي الالتزام, بكوا, وجلسوا كثيرا في المساجد أمام الشيوخ, لكنهم سرعان ما عادوا للغط في الكيف والملذات. والذين شاهدوا الفيلم وجدوا أنفسهم أمام قضية الممثل أحمد الفيشاوي ومهندسة الديكور هند الحناوي, فالنموذج الأول الذي ساقه الفيلم.. كان لهذا الشاب الذي أوقع صديقته في حبه ومارس معها الرذيلة ولم يعبأ بحملها منه وحبها له فتركها وبعد أن اعترفت لأسرتها أجبر الشاب علي عقد قرانه عليها ثم تركها فأجهضت نفسها وطلقت منه وتزوجت من آخر, وكان للداعية عمرو خالد وجود أيضا في الفيلم, ويبدو أن فريق العمل فـ أوقات فراغ أراد أن يربط بين قضية ذلك الشاب وصديقته مثلما تم الربط بين قضية أحمد الفيشاوي وعمرو خالد, ليس هذا فقط, فقد لوح الفيلم بما تلوح به بعض الصحف علي ألسنة علماء الأزهر, الذين أكدوا أن عمرو خالد داعية عصري لا يتعمق في الدين, والدليل علي ذلك أن دراويشه من الشباب والمراهقين متذبذبون بين الالتزام والحرية غير المسئولة, فإذا كان أحمد الفيشاوي من دراويش عمرو خالد وفعل فعلته مع هند الحناوي, فإن الفتاة في الفيلم كانت من دراويش عمرو خالد وارتدت الحجاب لكنها سرعان ما خلعته لتعود إلي ماكانت عليه, ليس هذا فقط.. لكنها دخنت السجائر في كافتيريا الجامعة, حتي الشباب الثلاثة الذين قدمهم الفيلم.. جلسوا يستمعون لأحد دروس عمرو خالد, عندما قرروا الالتزام لكنهم سرعان ما عادوا إلي ملذاتهم. عودة بعد الغياب المخرج محمد مصطفي أكد أن التجربة فرضت عليه مجموعة من الشباب, اختارهم من ستديو الممثل وورشة محمد عبدالهادي, وقال المخرج إن الشباب الذين اختارهم قادرون علي توصيل رسالته للجمهور المستهدف, وهم الشباب دون العشرين, ولو اختار ممثلين أعمارهم في الثلاثين.. لن يوصلوا الرسالة وسيأتي أداؤهم باردا لا مصداقية فيه. وأشار محمد مصطفي إلي أن تأخره عن الإخراج لم يكن بقرار منه, فقد عجز عن العثور علي سيناريو جيد يقدمه للجمهور بشكل جيد, ولذلك رفض عشرات السيناريوهات وفضل أن يعمل مساعدا لمخرجين كبار استفاد من تجاربهم, أما المنتج حسين القلا صاحب المغامرة, فأكد أن التجربة جديدة, ومستعد لتكرارها لكنه سينتظر رد فعل الجمهور لأنه في أحيان كثيرة يعتقد صناع الفيلم أنه سيحقق نجاحا وستصل رسالته لكنهم يفاجأون بغير ذلك, وقال القلا إن الرقابة أجازت الفيلم وأبدت إعجابها به, وأشار إلي أنه منذ تقديمه فيلم أرض الأحلام للفنانة فاتن حمامة, لم يجد ما يشجعه علي الإنتاج, فقط.. كان منتجا منفذا لفيلمي أرض الخوف وسهر الليالي ويضيف.. لم أجد السيناريو الذي يحفزني علي المغامرة والعودة, وعندما عرض علي عمرو جمال سيناريو أوقات فراغ.. كان عمره17 عاما, وجدتني أمام فكرة جديدة, ولم أتعمد في هذا الفيلم تقديم وجوه جديدة, لكن التجربة فرضت هذه الوجوه التي أتوقع لها مستقبلا كبيرا, وقال حسين القلا إن أوقات فراغ هو أول فيلم يعبر عن الشباب ويستخدم مفرداته, والرهان بهذا الفيلم علي الشباب في سن المراهقة وما بعدها*
|