|
رسالة روتردام ـ علا الشافعي في دورته السادسة والتي أقيمت فعالياتها في الفترة من30 مايو وحتي الرابع من يونيو, وتستمر العروض حتي18 من نفس الشهر في مدن مختلفة بهولندا طرح مهرجان الفيلم العربي بروتردام العديد من الإشكاليات والتساؤلات عن علاقتنا نحن العرب بعضنا ببعض, وعلاقتنا بالآخر الذي يجهلنا ولا يعرف الكثير عن ثقافتنا, ويتساءل حول أفكار ومعان كبيرة تربينا عليها ثم اكتشفنا هوانها أو اختلافها علي الأقل.. والتساؤلات تتعلق بذلك الوطن الذي نحياه, أو نحلم به ونتمناه, أو نفتش عنه بداخلنا. أفلام من المغرب والعراق واليمن والسعودية والجزائر وتونس ومصر.. مع اختلاف التفاصيل إلا أن الهم واحد, والوجع يتشابه, التساؤلات والإشكاليات تتقارب في نهايتها لتجعلنا علي الأقل نفكر في ضرورة وجود صياغة أكبر. لعوالمنا المتباعدة علي الرغم من التقدم الهائل الذي نشهده. فإذا كان فيلم عمارة يعقوبيان للمخرج مروان وحيد حامد الذي مثل مصر في المسابقة الرسمية, يبحث داخل وطن يموج بالتحولات وأرهقته التناقضات ويعاني من انهيار داخلي كبير, فإن أحلام الفيلم العراقي للمخرج محمد الدراجي يتساءل عن عراق ما بعد الاحتلال.. والذي يبدو أنه تحول بأكمله إلي مستشفي للأمراض النفسية يختلط فيه الفرح بالدموع والقتل والخوف من المجهول. واليمني يوم جديد في صنعاء القديمة للمخرج بدر بن حرسي يتكلم عن عادات وتقاليد عقيمة رسخت في مجتمع مغلق علي نفسه يرفض التطور مما يجعلها تقف عائقا أمام استكمال قصة حب شديدة النبل.. وهو الأمر الذي لا يختلف كثيرا عما جاء في الفيلم السعودي ظلال الصمت للمخرج عبدالله الحسين والذي طرح تساؤلات حول الوطن المقهور من خلال بلد افتراضي لم يذكر له أسم خوفا من الرقابة وحدود المسموح والممنوع, وامرأة معذبة ومقهورة محاصرة بجسد لا تلبي رغباته مما يؤدي بها إلي إدمان زهرة الخشخاش ثم دخولها إلي مستشفي الأمراض النفسية استسلاما لمجتمع يعشق التواطؤ.. فالجميع يعلم أن الزوج مثلي ويعشق جنسه ولكن عليها أن تكون زوجة.. ولا تعلن تمردها وذلك في الفيلم التونسي زهرة الخشخاش للتونسية سلمي بكار وشخصيات تعاني التخبط والارتباك تستسلم لحياة تحت سقف حجرة ضيقة ترمز لمجتمع شديد الانغلاق في الفيلم السوري تحت السقف للمخرج نضال الدبس ووطن مرهون بحالة انتظار كاملة.. وأصبح شعبه لا يعرف شيئا سوي الانتظار, فقد يكون الغد أفضل وذلك في فيلم انتظار للفلسطيني رشيد مشهراوي, والحال لا يختلف كثيرا في فيلم فلسطيني تسجيلي للمخرج والفنان محمد بكري والذي علق آمالا علي السلام.. وكان يحلم بغد أفضل وها هو يتحول إلي إرهابي.. كما يرغب الإعلام الإسرائيلي.. فيذهب إلي قبر صديق عمره إميل حبيبي ليروي له ما يحدث ويمزج بين الخاص والعام.. بشكل عالي الفنية وبرؤية سياسية تتساءل عن الارتباك الذي يعانيه الوطن المحتل, وشخوصه المقهورين أيا كانت مكانتهم داخل المجتمع الإسرائيلي. ووطن آخر أكله الإرهاب وظل الخوف مسيطرا علي أهله في الفيلم الجزائري دوار النساء للمخرج الكبير محمد شويخ. وفيلم تسجيلي مصري مكان اسمه الوطن لتامرعزت يتساءل مع أنماط وشرائح مختلفة من الشباب عن معني وطن هان في عيون أبنائه وأصبحوا جميعا يبحثون عن الهجرة. إذن إنه الوطن المحرك لكل الأشياء والعوالم السينمائية سواء التسجيلية أم الروائية الطويلة والقصيرة وكذلك الحال بالنسبة للقائمين علي المهرجان ومنظميه محمد أبو الليل رئيسا, ود. خالد شوكات مدير المهرجان, وانتشال التميمي المدير الفني للمهرجان عملوا علي إنجاح الفكرة واستمرارها لخاطر أوطانهم وثقافاتهم التي تتعرض للإهانات والتجريح ويتم وصمها بما ليس فيها حيث يؤكد شوكات أن المحرك الأساسي في إقامة المهرجان هو الرغبة في الحوار بين العرب وأوروبا والسينما هي لغة حوار عالمية تفهمها كل الشعوب ولذلك ستكون مقدمة لحوار هاديء وعقلاني مقنع, صحيح أن الأمر يحتاج منا إلي مثابرة في محاولة لتغيير الصورة السلبية عن العرب الذين استكانوا لما يحدث لهم.. وهذا ما نعمل عليه بعيدا عن الصراخ والتشنجات. دورة غنية لم يقتصر الأمر في الدورة السادسة من مهرجان روتردام علي المسابقة التي أقيمت فقط للأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والتسجيلية بل كان هناك أيضا أربعة برامج خاصة هي أفلام من أجل السلام وتكريم سينمائيين عرب كالمخرج التونسي الناصر خمير الذي اعتذر عن الحضور في اللحظات الأخيرة لمرضه, والفنان المصري مهندس الديكور المميز صلاح مرعي إلي جانب قافلة السينما العربية ـ الأوروبية والتي تندرج ضمن مشروع مشترك يقوم علي تعاون خمس مؤسسات سينمائية تنتمي إلي خمسة بلدان عربية وأوروبية هي مصر ولبنان والأردن وفرنسا وهولندا, وتهدف إلي تعزيز الحوار والتعاون الثقافي ومن خلال هذه القافلة سيتعرف الجمهور الهولندي ليس في روتردام فقط بل في أمستردام, ولاهاي وأوترخت علي أعمال سينمائية مميزة لمخرجين شباب, وتمثل الغني الذي شهدته الدورة السادسة في عرض ما يقرب من ستين فيلما. ومن أهم الأفلام التي عرضت ضمن برنامج قافلة السينما العربية ـ الأوروبية أربعة أفلام روائية طويلة لمخرجين عرب أولهم المصري المقيم في ألمانيا سمير نصر وفيلمه أضرار لاحقة والذي رصد فيه معاناة المهاجرين العرب بعد أحداث11 سبتمبر, وكيف أنهم اصبحوا هدفا للشك.. هي من تصرفات عادية من خلال مهاجر عربي ـ جزائري متزوج من ألمانية ويعيش حياة سعيدة ولكنه يصبح محلا للمطاردات من الأمن ومحل شك من زوجته فقط لأنه حضر حفل زفاف بعض من رفاقه المتدينين, وتنهار حياته بالكامل.. رصد نصر في فيلمه تفاصيل غاية في الإنسانية وبواقعية شديدة قدم فيلما محبوكا دراميا وبلغة سينمائية عالية, كذلك فيلم زوزو للبناني جوزيف فارس الذي يعيش في السويد, وبطل زوزو ذهب إلي السويد ليعيش بين جده وجدته بعد أن اغتالت الحرب الأهلية أفراد أسرته, وهناك عاني من الآخر الذي كان يرفضه بشدة وفي نفس الإطار عرض الخبز الحافي للجزائري رشيد بلحاج والفرنسي ماروك للمغربية ليلي المراكش والذي يبحث هو أيضا في العلاقة بالآخر. تجارب مهمة يبدو مهرجان روتردام للفيلم العربي وكأنه يحتفي بالمخرجين الشباب الذين عرضوا تجاربهم الأولي في الدورات السابقة من المهرجان.. وها هي الدورة السادسة تشهد عروضا لبعض تجاربهم الروائية الطويلة والقصيرة مثل المخرج العراقي محمد الدراجي.. والمخرج الفلسطيني محمود المساد الذي قدم فيلم30 مترا من الصمت والمخرج الأردني يحي العبدالله صاحب رجل في فنجان لذلك يظل مهرجان روتردام للفيلم العربي نافذة مهمة للسينما العربية, خاصة أنه احتفي بتجارب جديدة وقدم سينما من بلاد عربية كنا نظنها لن تقدم أبدا علي تجربة الإنتاج السينمائي مثل السعودية ظلال الصمت الفيلم الروائي الطويل, والفيلم التسجيلي نساء بلا ظل للمخرجة السعودية الأولي هيفاء المنصور والتي قدمت فيلما شديد الجرأة حيث تحدثت فيه عن سيدات سعوديات بصراحة مدهشة, عن التقاليد الوهابية وتأثيرها علي فشل حركة المجتمع, ورأي رجال الدين في صورة المرأة والنقاب وقيادتها للسيارة, وكذلك عرض للسعودية فيلم روائي قصير باسم القطعة محمد بازيد. مفاجآت وصدمات الجوائز كان الإقبال الشديد من الجمهور العربي ـ والمصري علي حضور فيلم عمارة يعقوبيان مؤشرا مهما علي أن الفيلم ينتظر جائزة, ولكن خرج يعقوبيان من المنافسة تماما.. وذلك بعد عرضه ومشاهدة لجنة التحكيم للفيلم.. وهي اللجنة التي انتصرت للأفلام التي تنتج بعيدا عن النمط الهوليوودي ضخمة التكلفة والقائمة علي النجوم.. حيث اجتمعت آراء اللجنة علي نصرة الأفلام الإنسانية البسيطة والتي تتناول قضايا المرأة والحرب والعنف. ويذكر أن سينمائيي هولندا يميلون أكثر لهذه النوعية من الأفلام وبعضهم ينتصر لتيار السينما المستقلة, أو التيار السينمائي الذي ظهر في أوروبا الدوجما وهي السينما القائمة علي رفض سينما النجوم والاعتماد علي كل ما هو طبيعي حيث لا تبني ديكورات, ولا تستخدم إضاءة صناعية ويتم التصوير بكاميرات الديجتال.. وبسبب الذوق الشخصي للجنة التحكيم التي تشكلت برئاسة المخرج الهولندي جورج سلاوزر وعضوية الناقدة الهولندية بيلندا فان دي خراف والمخرج المغربي إسماعيل فروخي الذي ليس له علاقة بالثقافة العربية فهو ينتمي للجيل الثاني من المهاجرين العرب في فرنسا, والفنانة المصرية سميرة عبدالعزيز والتي دافعت بشكل مستميت عن يعقوبيان ولكن للأسف كانت بمفردها, وقد يكون غياب المخرج التونسي ناصر خمير عن لجنة التحكيم قد شكل عنصرا إضافيا لأن اللجنة اقتصرت علي أربعة أعضاء فقط.. وهو ما يتنافي مع عرض الكثير من المهرجانات بغض النظر عن أن ناصرخمير صاحب ذوق خاص في السينما هو الآخر. هذا ما أدي بالناقد المصري سمير فريد إلي أن يؤكد علي ضرورة عدم اشتراك السينما المصرية في المسابقات الرسمية لمهرجانات هدفها الأساسي دعم الشباب وسينماهم.. وأن تقتصر عروض السينما المصرية خارج المسابقة في إطار دعمها للمهرجانات العربية.. خاصة وأنه يري أن يعقوبيان قد ظلم بهذا الشكل.ونفس الرأي اتفق معه رأفت شركس أمين عام مهرجان دمشق السينمائي الدولي.. والذي رأي أن علي سوريا هي الأخري عدم الاشتراك في المسابقة الرسمية. ولكن هذه هي عادة المهرجانات أن لا ترضي الجوائز جميع الأطراف, ويصبح الأهم هو عرض الإنتاج السينمائي العربي ومناقشته, وكذلك لقاء السينمائيين العرب وتبادلهم الآراء في القضايا السياسية والسينمائية. والمفارقة هي ما أعلنه المخرج جورج سلاورز رئيس لجنة التحكيم من أنه شعر بالإحباط من الواقع العربي فجميع الأفلام تتحدث عن الحروب والإرهاب والقهر والقمع وتمني أن يري صورة مغايرة في دورات المهرجان القادمة. ولكن للأسف هذه هي صورة أوطاننا العربية صورة شديدة القتامة وبلا رتوش*
|