الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ثقافة
3تجاهله الإعلام ويتذكره الأصدقاء

نعيش عصر ثقافة الصوت العالي

السبت 17 / 6 / 2006

تحقيق ــ رشا عامر


الأقباط في وطن متغير‏,‏ شعرنا الحديث إلي أين‏,‏ أزمة الجنس في القصة العربية‏,‏ الخروج علي النص‏,‏ بلاغ إلي الرأي العام‏,‏ ديكتاتورية التخلف العربي أسماء كثيرة لكتب متنوعة اختلف مضمونها ولكنها اتفقت علي أن كاتبا واحدا هو الذي وضعها‏,‏ إنه الناقد الدكتور غالي شكري الذي رحل عن عالمنا في أواخر التسعينيات من القرن الماضي وفور وفاته تنافس الجميع علي إقامة حفلات التأبين له ولكن بعد أقل من عام علي كل ذلك نسيه الجميع بل لم يعد اسمه يأتي حتي ولو بين السطور‏,‏ وكأنه لم يكن يوما ملء السمع والبصر فهل هو نسيان متعمد أم أنه غير مقصود؟ هل هو الوحيد الذي نسيناه أم أننا نسينا آخرين؟ هل هي حقا مأساة طالت الكثير من أدبائنا الكبار من المثقفين المصريين‏,‏ علي حد تعبير الدكتور رفعت السعيد الذي يري أن نسيان مثقف مثل غالي شكري هو أمر طبيعي في ظل الإعلام المنحاز الذي يتجاهل العظماء الحقيقيين‏,‏ أمثال الشيخ أمين الخولي أعظم المجددين في الفكر الإسلامي وكذلك الشيخ عبد الحليم محمود وغيرهما الكثير من العباقرة الذين أثروا الحياة الثقافية أما بالنسبة لغالي شكري فهو شخص تقدمي يساري جاد في عمله وفي فكره فلماذا إذن يتذكره أحد؟ يكفينا تذكر الإعلام لمحمود شكوكو مثلا وتجاهل غالي شكري لأن السؤال ببساطة‏'‏ يفتكروه بمناسبة إيه؟‏!'‏
إننا أمام حالة إنكار لكل ما هو جاد وجميل‏,‏ حالة تعتيم وجهل شديدين‏,‏ والمشكلة أنها تأتي مع غالي شكري الذي يعد مدرسة نقدية حديثة تنظر للعمق الاجتماعي والسياسي للكتابة بخلاف بعض النقاد الذين عاصروه واهتموا بالزخارف اللفظية‏,‏ وأسلوب صف الحروف بجانب بعضها البعض أما هو فكان ينظر للأعمق دائما‏,‏ كان ينظر للفكر الموجود داخل الكتابة ليبحث فيما وراءه‏,‏ أهو إيجابي أم سلبي‏,‏ ثم بعد ذلك يأتي الأسلوب المزخرف الذي كان يري أنه ليس إلا غطاء للصندوق فقط‏.‏ كل هذا يجعلنا نشعر بالحزن إزاء نسيانه خاصة وأنني شخصيا‏-‏ الكلام للسعيد‏-‏ أعرفه عن قرب بالرغم من أنني من المنصورة وهو من القاهرة إلا أن معرفتي به بدأت في السجن أوائل الستينيات‏,‏ ثم بعد ذلك عملنا معا في مجلة الطليعة ثم في صفوف حزب التجمع حتي عندما ترك مصر وسافر التقينا في بيروت ثم في باريس‏.‏ كان بحق نعم الصديق لدرجة أنني أتذكر له أحد المواقف المثيرة للدهشة وهي عندما كان يستعد للعودة من باريس إلي مصر بعد رحلة طويلة ويومها عرفت أنه في طريقه إلي الرجوع وكان ذلك أثناء ذهابي إلي مكتبي في حزب التجمع وكانت الساعة وقتها الثامنة صباحا‏,‏ وفور وصولي اكتشفت أن هناك شخصا ما يجلس علي الباب الخارجي ومعه حقيبة سفر وعندما اقتربت منه اكتشفت أنه غالي شكري فتصورت للوهلة الأولي أنه نسي مفاتيح منزله مثلا لذا جاء من المطار إلي مقر الحزب ولكن بعد السلامات اكتشفت أنه لم ينس مفاتيحه بل هو الذي قرر المجئ إلي مقر الحزب مباشرة لأنه علي حد تعبيره كانت أمنيته الوحيدة وهو خارج مصر أن يكون مقر الحزب هو أول مكان يذهب إليه فور أن تطأ أقدامه أرض مصر هذا هو غالي شكري الذي نسيه الجميع للأسف هذا هو غالي شكري الذي صنع من مجلة القاهرة واحدة من أعظم المجلات الثقافية في العالم العربي‏.‏
ويري المفكر محمود أمين العالم أن الهموم التي تزاحمنا في حياتنا ليل نهار هي السبب الرئيسي وراء نسيان شخص مثل غالي شكري وان كان ذلك لا يبرر الموقف بالطبع‏,‏ لكننا علي حد تعبيره مهمومون بالقضايا والإشكاليات سواء في حياتنا الثقافية أم الفنية أم السلطوية‏,‏ ولذلك فالأشخاص الذين يتذكرهم الجميع هم الأشخاص المرتبطون فقط بهذه الإشكاليات‏,‏ وهم بالطبع بعيدون كل البعد عن غالي شكري الذي كان أيضا إشكاليا متعدد الوجوه عاش مراحل عدة علي مدي حياته كلها‏,‏ ففي مصر كانت هناك مرحلة وفي باريس مرحلة أخري وهكذا إضافة إلي أنه كان ذكيا ولماحا إلي أبعد الحدود‏,‏ الأمر الذي جعله متعدد الوثبات في كل الأماكن فهو إن صح التعبير شخص لعبي وشقي بالمعني الإنساني للكلمة فضلا عن كون كتاباته أهم بكثير من سلوكه رغم أن هذا السلوك اكتسبه من خلال علاقاته بآخرين‏,‏ إذن فالكتابة بالنسبة لغالي شكري هي تعبير الضمير ولعل هذه الكتابات تكشف لنا تحيزه الشديد للحركات التعددية الواعدة فلقد كان جزء منها يمسك بأكثر من شيء في نفس الوقت إضافة إلي اتجاهاته المتعددة ورغم ذلك لم يكن متطرفا ولكن للأسف يأتي النسيان ليأخذ كل شيء‏,‏ ليس فقط غالي شكري ولكن من قبله عبد الرحمن بدوي وطه حسين وزكي نجيب محمود ورشاد رشدي رغم اختلافي معه‏,‏ لكنه كان في النهاية قيمة عالية كل هؤلاء نسيناهم بسبب الهموم التي تشغلنا في السياسة والفكر والقضية الفلسطينية و العولمة والشعر‏.‏ نحن في لحظة فارقة والقوة تلعب دورا حاسما في إخفاء الحقيقة حيث تسهم المعركة في تعميق الهوة بين المثقفين والجمهور والمشكلة أن الإعلام هو الذي يحدد من الذي يجب تذكره ومن الذي يجب نسيانه‏.‏
ويؤكد الشاعر محمد عفيفي مطر علي صداقته وارتباطه الشديد بالناقد غالي شكري مشيرا إلي أن هذه الصداقة القوية هي السبب الرئيسي الذي يمنعه من الكلام في أي شيء يخص الناقد الراحل‏,‏ فهما علي حد تعبيره تربيا معا ويعرف كلاهما أسرة الآخر جل المعرفة ولذلك من الصعب عليه بل من المستحيل أن يتكلم عنه احتراما لقيمة الوفاء‏.‏
الدكتور عبد المنعم تليمة من جانبه أرجع مسألة نسيان غالي شكري إلي عوامل عديدة تجعل تاريخنا الفكري والإبداعي المعاصر من وجهة نظره مضطربا ومشوشا فالمجتمع الذي نعيش فيه‏,‏ وهذا القمع الذي تمارسه السلطة علينا سواء علي أفكارنا أم معتقداتنا لصالح إداراتها وأجهزتها الثقافية والإعلامية‏.‏ هذا الأمر يدمر تاريخنا العلمي والثقافي ويجعله ضائعا تماما بسبب سلطات أمنية وبيروقراطية عاجزة عن إقامة مجتمع خال من الصراعات السياسية والاجتماعية والفكرية التي لا تنهض أساسا علي أي أدبيات أو أصول عقلانية أو منطقية وبالطبع يتضح لنا أنه في ظل هذا المناخ السيئ يستحيل كتابة تاريخ موضوعي لذلك لا يجب أن نسأل لماذا نسينا غالي شكري؟ لأن الإجابة حاضرة فكل تلك العوامل التي ذكرناها تنتهي طبعا إلي تقديم أسماء وإغفال أسماء أخري وإلي تقدير أعمال بأكثر مما ينبغي بل تنتهي إلي مواراة تيارات واتجاهات فكرية وإبداعية كاملة‏,‏ فغالي شكري كان من كوكبة عريضة تصدرت حركة الثقافة الحديثة والمعاصرة في بلادنا‏,‏ وكذلك عملية التجديد الفكري القائمة علي أسس عصرية فهو من التيار الفكري الذي يسعي إلي صياغة مواقف تقويمية راشدة من مورثاتنا الدينية والإبداعية وإلي تحاور يقظ مع الأفكار والإبداعات الإنسانية دون قطيعة أو خصومة أو انغلاق‏.‏ هذا التيار رفض التسليم الأعمي بكل موروث كما رفض الاستسلام السلبي لكل وافد‏.‏ وفي هذه الأفاق الثقافية والفكرية العامة مشروع غالي شكري وفي حقل النقد الأدبي كان من النقاد الذين يؤسسون إجراءاتهم التحليلية والنقدية علي أصول نظرية واضحة وعلي مبادئ منهجية بينة‏.‏ لقد كتب غالي شكري عن أدبنا في المسرح والشعر والرواية وعكف علي دراسة أعلام من هؤلاء الرواد في صدارتهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ووضع خططا للأبنية الأدبية والروائية والتحديث الشعري‏.‏
الدكتور عبد المنعم تليمة كانت تربطه صداقة قوية جدا بالدكتور غالي شكري إذ قامت صداقتهما علي قاعدة قوية أركانها أنهما من جيل واحد تربيا علي مصادر فكرية وإبداعية وسياسية متقاربة ونشطا أساسا في حقل معرفي واحد هو النقد الأدبي‏,‏ بل إنهما أخذا عن أستاذ واحد هو لويس عوض الذي لازمهما عشرات السنين وأكثر من هذا علي حد تعبير دكتور عبد المنعم تليمة أن الدكتور غالي شكري من الشخصيات التي قلما يجود الزمان بمثلها وان كان هناك من يشبهه الآن وهما ابنته وابنه اللذان حصل كل منهما علي درجة الدكتوراه في تخصصات قريبة من الحقل النقدي الذي أنتج فيه والدهما‏.‏
الدكتور حسن طلب وصف المسألة برمتها بأنها مصيبة وأسماها بثقافة الصوت العالي التي هي في حقيقة الأمر مرض أصاب المجتمع برمته فهو يتذكر بالمصادفة وينسي في معظم الأحيان وإذا تذكر يكون تذكره هذا خارج السياق فهو يتذكر بالمصادفة أو لأن هناك مسئولا كبيرا تحمس لذكري شخص معين‏,‏ إذن فالمسألة برمتها معزولة عن السياق العام الذي يستنهض التراث القديم وبالنسبة لمسألة غالي شكري فالقضية أننا لم ننسه بل نسيه المجتمع كله ونسينا معه‏.‏ هل يعرف أحد شيئا عن تراث طه حسين أو سلامة موسي الذي يعتبر غالي شكري امتدادا لهما إنه هو الذي نقل إلينا الفكر الغربي في نظرية التطور وعلم النفس إذن لعل المصيبة تهون بهذا حين نقارنه بكل هؤلاء‏.‏
بالنسبة لغالي شكري فإن الأمر يتعلق بنظرة المثقف إلي السلطة فإن لم يكن قريبا منها فإنه يكون مجرد ترس في المجموعة فبالنسبة لناقدنا الذي نتحدث عنه اليوم نجد أنه ترأس تحرير مجلة القاهرة وقدم موضوعات مهمة معظمها يمثل مشروع صدام مع فكرة التخلف بمعني أن المجلة تقاتل في سبيل الليبرالية ولذلك أوقفتها الدولة بالطبع‏,‏ لكن ذلك لم يمنع امتداد تيار غالي شكري الليبرالي فلقد كان ذكيا جدا فقد تتلمذ علي يد طه حسين ولويس عوض ولعل من مفارقات القدر أن فارق تاريخ الوفاة بين لويس عوض الذي يعتبر عمود أساسيا في الثقافة والذي نسيناه بالطبع وبين غالي شكري تلميذه هو ثماني سنوات بالضبط فإذا كنا نسينا الأعمدة فليس من عجب أن ننسي التلاميذ وعلينا أن نعلم أن هذا جزء من مرض الثقافة الانتقائية التي تخاصم ماضيها القريب‏.‏
والمتابع الجيد لأعمال غالي شكري‏-‏ علي حد تعبير الدكتور حسن طلب‏-‏ يجد أن النقد الأدبي بمعناه الضيق لم يكن همه ولا شاغله الأول بل كانت له دراسات عن أعلامنا الأدبية مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم بل وعن ثورة الشعر الحديث في كتابه‏(‏ شعرنا الحديث إلي أين‏)‏ والذي يعد من الكتب الرائدة المبكرة في نقد الشعر الحر‏.‏ إذن كان اهتمام غالي شكري بمشروعه الثقافي والنقدي الذي يصب في المدرسة الواقعية فهو أحد أفرع مدرسة النقد الواقعي بسبب انتمائه للفكر الماركسي الذي ترعرع في مصر واهتم بوضع الأسس التي تحكم الأصول الاجتماعية فإسهامه الأساسي هو النظر في مشروع النهضة كله وله كتب عن سلامة موسي وعن أزمة الضمير الذي يعد من أهم كتبه إذن فالنقد الأدبي كان جزءا من مشروعه وليس كل مشروعه ولعل من الأشياء الجيدة التي يتذكرها الدكتور حسن طلب للدكتور غالي شكري أنه دخل في صراع مع الدكتور سمير سرحان لكي يحصل ديوان آية جيم لطلب‏,‏ والذي كان مصادرا‏-‏ علي جائزة أفضل ديوان‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 17 / 6 / 2006
رقم العـدد
482
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg