|
* كتب ـ عزمي عبد الوهاب كان كافيا أن يتخذ جوناثان راندل, من كلمة أسامة فقط, عنوانا لكتابه, الصادرة ترجمته العربية عن دار الشروق, ليكون دالا علي بن لادن, ذلك الشخص الذي يشكل أبرز بؤرة رعب في العام, أو الفزاعة التي أطلقت من خلالها أمريكا سلسلة حروبها في أوائل هذا القرن, فكيف تسني لهذا الرجل أن يهدد القوة العظمي الوحيدة في العالم؟ هذا السؤال يحاول راندل الإجابة عنه بخبرته الصحفية التي تواصلت علي مدي أربعين عاما من وجوده في بؤر النزاع بالشرق الأوسط, وبالتالي فإن كتابه يعتمد علي مصادر موثوق فيها, إضافة إلي فهمه العميق لتلك المنطقة الساخنة باستمرار, ولذلك يتسم الكتاب بجدية كبيرة تجعلنا نثق في أغلب النتائج التي توصل إليها المؤلف في معرض إجاباته عن الأسئلة الملتبسة حول بن لادن الذي يختصر الصدام بين إسلام القرن الحادي والعشرين والغرب. وبداية فإن راندل ولد في العام1933, بولاية نيويورك, وتلقي علومه في هارفارد, وخدم في الجيش الأمريكي في أوروبا, وبدأ عمله مراسلا صحفيا في أواسط الخمسينيات في باريس, ومن ثم عمل مع وكالة يونايتد برس, وباريس هيرالد, ومجلة تايم, وصحيفة نيويورك تايمز.وعلي مدي ثلاثين عاما عمل مراسلا لصحيفة واشنطن بوست, وخلال هذه المسيرة غطي حرب الاستقلال في الجزائر, ومن بعدها حروب وأزمات عديدة شملت الكونغو وفيتنام وإيران ولبنان وكردستان, وليبيريا والبوسنة وغيرها من بؤر التوتر في العالم. ولأن الطريق إلي البيت أجمل من البيت فإن بدايات تفكير راندل في إنجاز هذا الكتاب تستحق أن تروي, خاصة بعد أن يعترف بأنه فشل فشلا ذريعا في اقتناص لقاء مع أسامة بن لادن, مع أنه سلك جاهدا كل السبل لتحقيق ذلك. يقول المؤلف: بعثت برسائلي واتصالاتي من عدد من البلدان, فراحت هذه الرسائل تجول في نواحي الأرض الأربع تشرح دوافعي النبيلة وحسن نواياي, سافرت متجولا الرحلة تلو الرحلة في العالمين الإسلامي وغير الإسلامي محاولا إقناع من يزعمون أنهم علي صلة بأسامة بأنني أريد لقاءه وبأن ما أريده تحديدا هو الإصغاء المطول والمتنبه لما يطرحه من أفكار. كانت لدي راندل قناعة بأن بن لادن سيوافق علي لقائه, وبأن إمكانية تحقيق ذلك متاحة بعد أن قضي عقودا من الزمن كمراسل صحفي في الخارج, مكرسا جهوده لمحاولة فهم العالم الثالث وعلي الأخص المجتمعات الإسلامية, لكنه توصل إلي النتيجة القاسية: كنت أخدع نفسي ذلك أن أسامة كان سيد البارعين في المقابلات التليفزيونية, وما من سبب لديه يدفعه إلي الترحيب بجلسات يثار فيها نقاش معمق. فشلت محاولة لقاء بن لادن فراح راندل يقتفي مصادر أسامة المالية وطفولته وشبابه, ويعود ليخبرنا كيف تحولت حرب العراق إلي أداة في أيدي أتباعه, وكيف عرض أن تتولي قواته( القاعدة) إخراج صدام حسين من الكويت في العام1991, وكيف ابتعد عن الغرب ليحدث الصدام الدموي والمباشر بعد انهيار برجي مركز التجارة العالمي.وفي كل ذلك فإن المؤلف يري في شخصية بن لادن نموذجا غير مسبوق في التاريخ المعاصر, فهو رجل أعمال مستقل ذو ثروة, ينتشر أتباعه في أرجاء العالم, وحتي يصل المؤلف إلي تلك النتيجة فإنه يستعرض نشاط أسامة بن لادن قبل الحادي عشر من سبتمبر.2001 وظل راندل طوال صفحات كتابه يجمع التفاصيل, ويضعها جنبا إلي جنب, ليصل إلي الصورة الحقيقية لأسامة بن لادن حيث يراه نجح في عزل أمريكا بوسائل وسبل عجز عنها الاتحاد السوفيتي في أوج قوته, حتي أن إدارة بوش وجدت نفسها مضطرة إلي الاعتراف بأن سياسة القوة والتدخل العسكري التي انتهجتها بعد الحادي عشر من سبتمبر ألحقت الضرر بصورة أمريكا في الخارج. وينقل لنا المؤلف موقفا دالا, حين يروي عن سكرتيرة مغربية شابة تعمل في مكاتب الجزيرة في باريس, سألها عما يتركه لديها من انطباع إذاعة حوارات تليفزيونية مع بن لادن, فقالت إنها تقف مسحورة أمام كلماته وإن عجزت عن فهم معانيها فهما كاملا, إنها ليست أسطورة بن لادن, لكنه الميراث الاستعماري الذي جعل بن لادن في مواجهة الغرب, الذي لا يحمل له العرب مشاعر كراهية دفينة. الكتاب: أسامة المؤلف: جوناثان راندل ترجمة: شكري رحيم الناشر: دار الشروق
|