|
عزمي عبد الوهاب في العاشر من مايو1998, غيب الموت الناقد غالي شكري عن الحياة, ثماني سنوات تفصل بيننا وبين هذه اللحظة, ثماني سنوات من التجاهل التام, والتواطؤ علي تمرير حالة من النسيان, راح ضحيتها اسم غالي شكري, وكأن الرجل الذي ملأ السمع والأبصار لم يك شيئا مذكورا, وكأن الذين كانوا يسعون إليه, لم يعرفوه يوما لدرجة تجعلهم يتذكرونه في جملة عابرة. قبل أن نبحث عن أسباب هذه الحالة من الإنكار نستعرض مقاطع من سيرة غالي شكري الإنسانية والثقافية, والواقع أن حالة الإنكار هذه لم تبدأ عقب موته فقبل وفاته بعامين, وبينما كان يرقد علي سرير المرض, إثر إصابته بجلطة في المخ, كان هناك ثلاثة مثقفون أو أكثر يسعون لوراثته في رئاسة تحرير مجلة القاهرة, وهو علي قيد الحياة. واستطاع الناقد عبد الرحمن أبو عوف أن يحصل من وزير الثقافة علي تصريح بتعينيه مديرا لتحرير المجلة, ومن المفارقات المثيرة أن أبو عوف أرسل خطابا إلي د. سمير سرحان رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب آنذاك يحذر فيه من أن عدد القاهرة الماثل للطبع سوف يسبب مشكلة كبيرة, لأنه يحتوي ملفا شائكا عن الدين. وتصاعدت الأمور للحد الذي دفع مهدي مصطفي مدير تحرير المجلة الفعلي آنذاك لتقديم استقالته, وصدر العدد وأبو عوف نائبا لرئيس التحرير غالي شكري, وأحمد طه مديرا للتحرير, إلي أن وصلت الخلافات بين فرقاء العمل حد التشابك بالأيدي وتم استدعاء الشرطة, وأغلق مكتب رئيس التحرير ـ غالي شكري ـ بالقفل, وبدت هذه الخطوة الأخيرة وكأنها محاولة لإجهاض مشروع شكري الفكري والثقافي الذي وصل إلي ذروته عبر مجلة القاهرة, آخر مشروع جاد في الثقافة المصرية. كل هذا كان يدور بينما غالي شكري يرقد علي سريره في المستشفي يعاني في الغيبوبة واليقظة كوابيس مروعة, فكان يري في منامه جثثا لمرضي ومقابر, ويظن ابنه( وائل غالي) يموت, وأن ابنته قتلت, وفي لحظات الإفاقة أيضا كان يعتقد أنه معتقل, حتي أنه كان يسأل شريف الشوباشي في المستشفي الأمريكي في باريس: متي يبدأ التحقيق معي؟ لماذا يتركونني هكذا دون استجوابي؟ وهكذا عاد غالي شكري إلي سنوات اعتقاله في الستينيات عندما كان مشاركا في الحركة اليسارية وعن تلك اللحظات القديمة نستعيد ما قاله الراحل علي الشوباشي عنه:عندما التقينا للمرة الأولي في سجن القناطر عام1960 لم يكن من الممكن أن أتخيل أنني سأقف في هذا الموقف, كان من المستحيل أن أتوقع يوما أن أقف لأرثي هذا الشاب الذي أكبره سنا, والذي بدا لي لأول وهلة هادئا رزينا, لكن كلماته التي ينتقيها بتأن وينطقها بنبرة وقورا, كانت تفضح التهاب مشاعره بالحماسة والإيمان بالقضية التي دخل السجن من أجلها. هكذا كان غالي شكري الشاب, كما وصفه الشوباشي, فهل كان يحمل شييء تجاه نظام عبد الناصر الذي سجنه؟ فعندما انتقد الكاتب الراحل فتحي غانم الحقبة الناصرية في كتابه المثقفون والدولة هاجمه شكري بضراوة, ففي رأيه أن المرحلة الناصرية سمحت لجيله بأن يكون, وبغيرها ما كان يمكن أن يظهر هذا الجيل. يقول غالي:أنا مثلا كنت سأكون في أحسن الحالات مدرسا, ولم يكن يلوح في الأفق أنني أستطيع أن أكون كاتبا, لولا المرحلة الناصرية التي أتاحت هذه الفرصة لي. وكان غالي المولود في مدينة منوف في محافظة المنوفية في الثاني عشر من مارس1935, قد عمل مدرسا في التربية والتعليم من العام1956 إلي1960, إلا أنه في العام1964 تولي منصب مدير تحرير مجلة الشعر, بعدها عمل في مجلة الطليعة التي تدرج فيها إلي أن أصبح مسئولا عن تحرير ملحق الأدب بها. وحين يكتب جانبا من سيرته الذاتية وتحديدا عن طفولته وصباه, يذكر أن الإسكندرية كانت المحطة الأولي لأبويه بعد هجرتهما من الصعيد, وفي منوف ذهب إلي المدرسة الإنجليزية في المدينة, وكانت تابعة لإحدي الإرساليات, وتضم مستشفي وكنيسة إنجليكانية. ولم يكن إلحاقه بهذه المدرسة يعني أنه ينتمي إلي الطبقة العليا, فقد كانت اللائحة تنص علي أن من يعمل أحد أبويه في المدرسة أو الكنيسة أو المستشفي, يمكن الالتحاق بها من دون مصروفات, ولأن أباه كان يعمل حارسا في المستشفي فقد كان ذلك مبررا لإلحاقه بالمدرسة الإنجليزية. وفي طفولته كان غالي شكري يضرب عرض الحائط بتحذيرات الأب من الذهاب إلي الكنيسة الانجليكانية لأنه شديد الانتماء إلي الكنيسة الوطنية فهناك اكتشف فن السينما, وكانت الحرب العالمية قد بدأت, فسمع محاضرات في الدين والحروب, وفي هذه الكنيسة أيضا تردد لأول مرة أمامه اسم إسرائيل, ومبكرا حمل كل البغض والعداء لهذا الكيان المزعوم, وتعاطف مع القضية الفلسطينية. وفي المدرسة يحكي غالي شكري عن مدرس اللغة الإنجليزية عبد المسيح بشاي الذي ضربه بسن المسطرة علي ظهر يده, لأنه لا يملك ورقة بيضاء, طلب منه أن ينترعها من كراسته فلم يفعل, وفي المساء ذهب لزيارة صديقه جورج( البهجوري) فوجده مستغرقا في رسوم ضاحكة, فسأله:من أين لك هذه الأوراق كلها؟ وفي هذه اللحظة فتح باب الغرفة, وإذا بالأستاذ عبد المسيح يطل عليها, فقال له جورج: ألا تعرفه؟ إنه أبي. وبعد انتهاء اليوم الدراسي كان غالي شكري يذهب إلي بيت الشيخ حافظ مدرس اللغة العربية, الذي خصص له جزءا من وقته بالمجان, وهناك مد الشيخ يده إلي المصحف وطلب منه أن يقرأ فيه, وعلي حد قول غالي شكري فقد حفظ القرآن عن ظهر قلب مع التجويد في سن السابعة تقريبا, وكان القرآن وكتاب المنتخب من الأدب العربي قد فتحا له آفاقا من المعرفة, وفي مناسبات دينية كالمولد النبوي, كان يدعي لإلقاء خطب دينية في مدرسة المساعي المشكورة. وهنا يقول غالي شكري:ولدت ونشأت في محيط عربي إسلامي, عربي من حيث الثقافة, وإسلامي من حيث الحضارة, فالقيم والتقاليد والأعراف والعادات التي يسلكها جاري المسلم هي نفسها القيم والمباديء والعادات التي أسلكها, إن هويتي عربية وثقافتي إسلامية. وعودة إلي مدرسة المساعي المشكورة فإن غالي شكري يروي أنه في إحدي المناسبات الوطنية تقدم منه تلميذ يدعي مكرم محمد أحمد( الصحفي الشهير حاليا), وحمله هو وزملاؤه علي الأعناق, وكانت صداقة ممتدة بينهما سأله مكرم عما يفعله بعد اليوم المدرسي, فأخبره شكري عن المكتبة والمجلات التي يستعيرها منها, وأنه يحاول الترجمة, فأخذ مكرم منه هذه المجلات وتصفحها محاولا تصحيحها, وفاجأه بسؤال: إذا كنت تحاول الترجمة عن المجلات فلماذا لا تحاول تقليدها من خيالك؟ وكتب غالي قصصا عرضها علي مكرم الذي هز رأسه بعد فترة صمت وقال:هذه موضوعات إنشاء جيدة كتمرين علي الكتابة لكن القصة شيء آخر, لا تظن أن الإنجليز وحدهم هم الذين يعرفون كتابة الروايات فعندنا من يضاهيهم كنجيب محفوظ, وكانت هذه هي المرة الأولي التي يسمع فيها غالي شكري هذا الاسم الذي كتب عنه أهم كتبه فيما بعد المنتمي دراسة في أدب نجيب محفوظ. وذهب غالي شكري إلي القاهرة للدراسة وتعرف علي آخرين: صبري موسي, فتحي سرور, أحمد بهجت, والأخير أعطاه كتاب تربية سلامة موسي الذي هز وجدانه هزا عنيفا حسبما يقول, مثلما كانت لكتاب مباديء اللينينية لستالين, الذي أخذه هدية من مكرم محمد أحمد, آثار كبيرة في تغيير وجهته الفكرية. ولأنه كان يقيم في دير إحدي الكنائس بمصر القديمة, فقد أدت هذه التطورات إلي طرده وعودته إلي منوف, ليدرس في مدرسة الزراعة, وكان مكرم محمد أحمد الذي يدرس الفلسفة في جامعة القاهرة يزوده بالكتب ليقرأها في الأجازة الصيفية. وعاد غالي إلي القاهرة مجددا ليعمل بالتدريس, ونشر قصصه المترجمة في مجلة قصة وكان أول ما نشر له في مجلة الرسالة الجديدة تعليق علي قصيدة لأحمد عبد المعطي حجازي عنوانها بكاء للأبد. تلك كانت البدايات التي جعلته يقدم أول كتاب له وهو سلامة موسي وأزمة الضمير العربي, ثم أزمة الجنس في القصة العربية الذي كان جديدا علي القاريء يتميز بالجرأة والقدرة علي اقتحام مناطق شائكة لا يقدر علي اقتحامها إلا ناقد قوي الحجة والمنطق والأداة والثقافة. لكن سنوات الغربة بدأت عندما أصدر الرئيس السادات قرارا بفصل نحو120 كاتبا وأستاذا جامعيا, بينهم أحمد بهاء الدين ولويس عوض وآخرون. فسافر غالي إلي بيروت ليقضي بها ثلاث سنوات ونصف السنة, ليسافر بعد ذلك إلي باريس إثر اندلاع الحرب الأهلية هناك, وفي تغريبة استمرت12 عاما أنجز خلالها رسالة الدكتوراه تحت إشراف جاك بيرك عن النهضة العربية في القرن التاسع عشر حتي سقوطها, ثم يذهب إلي تونس للعمل في إحدي جامعاتها, ليعود بعد ذلك إلي مصر ويكتب مقاله الأسبوعي في الأهرام, وظل يكتبه حتي وفاته عن عمر يناهز63 عاما. وطوال هذه السنوات لم يسلم غالي شكري من الشائعات وكما يقول خيري شلبي كتبت ضده مقالات لم تترك نقيصة إلا وألصقتها به, لكنه تجاوز كل ذلك, كان هذا في أوائل الستينيات بعد أن أصدر كتاب سلامة موسي وأزمة الضمير فقد جر الكتاب عليه كثيرا من الأحقاد, أحاطته بحرب الشائعات التي تحاول النيل من شخصه, وقد تبنت هذه الحملة مجلة لبنانية بأقلام مصرية. يقول خيري شلبي أيضا:لم أجد مقالة واحدة تناقش فكر الكاتب أو منهجه أو أسلوبه, كلها مقالات مسمومة تسعي لهدمه والتشكيك في سلوكه بأساليب غاية في الإسفاف والتدني وإن دلت علي شيء فإنما تدل علي مرض عضال في حياتنا الثقافية, ظل متأصلا فيها حتي هذه اللحظة*
|