|
|
|
|
|
|
|
صدام حسين في القفص مكررا, أنا رئيس العراق, يرد عليه القاضي للمرة المئة, إن هذا الدور انتهي, افهم أنت الآن متهم. يأتي هذا الحوار في سياق مشهد لافت يجمع قاض متشنج مع مدع متطفل علي المهنة, إلي جانب محامين يجهلون أبسط قواعد اللغة فضلا عن حبكة المرافعة, بينما يتحدي صدام الجميع إثبات تعديه علي حق أي من المواطنين ولو بمجرد صفعة طوال فترة حكمه, فيما يستميت زبانيته بالدفاع عن أنفسهم, مع إصرار تام علي البراءة المطلقة, مؤكدين أنهم طبقوا القانون من غير تجن علي أحد. اختلف الناس علام يحاكم صدام, بدءا من القول بأن أمريكا تريد جعل مناوئيها عبرة, فلا يتمرد عليها بعده أحد, إلي القول إنه حاكم مستبد بطش بشعبه وقتل منه الكثيرين, فيما ينصرف آخرون إلي القول بأنه كان مجرد عميل رخيص, انتهت مدة صلاحيته فاستبدله الغرب بمن يصلح للمعادلة الاستعمارية الجديدة, ضمن ما يسمي بإعادة صياغة الشرق الأوسط الكبير. في هذا السياق يتهم الادعاء صدام وزبانيته بإعدام120 من أهل الدجيل مع تجريف بساتينها وانتهاك حقوق أصحابها, فيما يتحدث صدام والبندر وبقية المتهمين عن تطبيقهم القانون المرعي الإجراء في حينه بشأن مجموعة أرادت اغتيال رئيس الدولة والانقلاب علي نظام الحكم ومحاولة تغييره بالقوة. يعتبر هذا الطرح, علي الرغم من استناده إلي منطق ما, صرفا للقضية محل البحث عن صعيدها الذي يتناسب مع واقعها, ولا أقصد بذلك الاستهانة بقتل120 شخصا, إذ أن قتل نفس واحدة بغير حق جريمة كبري, فمابالك بأكثر من ذلك. إلا أن محاكمة صدام وزبانيته يجب أن تبدأ بما يستقيم مع وضعهم الذي كانوا عليه, بمعني أنهم كانوا يشكلون نظاما سياسيا حكم أكثر من ثلاثة عقود بمنهج معين ترتبت عليه نتائج مدمرة وأزمات خانقة لا بد من الوقوف عليها, وتقويم النظام من خلالها. فمحاكمة النظام, أي نظام, ينبغي أن تخضع لمعايير ما يتوجب عليه وما ينتظر منه ضمن طاقاته وإمكانياته, الأمر الذي من شأنه أن يفسح المجال إلي فهم أسباب الشقاء الذي عاشه العراق ووضع أسس سليمة لبناء عراق جديد. وعليه فإن قصر المحاكمة علي صدام ومجموعته بتهم جنائية معينة هو تقزيم للقضية وحرف لها عن مسارها الصحيح, فضلا عن هشاشة المحاكمة ودفع كافة المشاركين فيها إلي الدوران في حلقة مفرغة. ففي هذا السياق يمكن أن يقال: كيف يحاكم رئيس العراق ومعاونوه وقضاته, في قضية تخضع لمعطيات تحكمها معايير معينة متوفرة في حينها, لا يمكن بحال إسقاطها علي مستجدات ما بعد الاحتلال. إضافة إلي أن التهجير الجماعي والقتل العشوائي السائر علي قدم وساق في شتي أنحاء العراق, والمتهم الأول في تلك الأفعال الوحشية هو قوي الاحتلال وأركان الحكومة الطائفية المتربعة في المنطقة الخضراء, ما يجعل رجالات النظام القائم حاليا أولي بالمحاكمة من صدام ورفاقه في جريمة تم ارتكابها منذ أكثر من عقدين من الزمان. هذا فضلا عن أن محكمة أسسها بول بريمر, رمز الانحراف والاحتلال والإجرام, هي محكمة غير شرعية بكل المقاييس. وربما يزيد البعض, لو تغير ميزان القوي لسبب ما وتهاوي النظام الذي ركبه الأمريكيون, فهل سيأمن القاضي نفسه من محاكمة النظام الجديد له علي اعتباره من أعوان الاحتلال؟ لقد كان الأصل أن يقف الجميع مطولا, مفكرون وأحزاب وسياسيون, أمام مشهد سقوط نظام صدام, لإجراء مراجعة عن سبب الانهيار المروع في أسابيع ثلاثة, لنظام وجيش وبلد خاض حروبا شرسة لسنوات طويلة, فيما انطلقت المقاومة الباسلة تدمي قوي الاحتلال بعد أن تحررت من قيود النظام واعتقل رأسه. كان ينبغي أن نجد إجابات شافية عن كيفية ذهاب ثروات العراق الهائلة أدراج الرياح بينما يحيا أهله بفقر وضنك. كان لا بد من فهم لمصلحة من كان يخيم كل ذلك الرعب والخوف علي أهل البلاد, بينما كانت أجهزة المخابرات تحصي أنفاس الناس وكان الظلم والجور والاستبداد هو سيد الموقف. كان يجب أن تكون محاكمة صدام حسين هي محاكمة لكل الأنظمة المصطنعة والمشابهة له في العالم العربي والإسلامي, كي توضع النقاط فوق الحروف في أهم قضاياها, عسي أن تبصر الأمة طريقها إلي النهضة والتحرر الحقيقيين, وعسي أن يمنح ذلك الأمة نموذجا يرشدها إلي الخلاص السوي وإلي البديل السليم لأمثال صدام في كل قطر من بلاد المسلمين. كان ينبغي فعل ذلك بدلا من استبدال صدام حسين واحد بصدام في كل زاوية من شعاب العراق ونواحيه, وبدلا من أن يكون الانطباع السائد ليبقي كل أولئك الطغاة متربعين علي صدورنا من المحيط إلي الخليج أو في الشرق الأوسط الكبير خشية أن لا يصيبنا هناك ما أصاب العراق من تصدع وتهاو وانقسام وحرب ضارية بين أبنائه. كان ينبغي فعل ذلك للنجاة من مصير مأساوي أشبه ما يكون بحال ذلك السجين الذي حكم عليه بالإعدام علي الخازوق, حيث كان يصرخ راجيا أن ينقلوه من خازوق إلي آخر ولو أشد حدة, وعندما سئل عن سر ذلك أجاب: عسي أن أجد راحة بين الخازوقين!
حسن الحسن a_l_hasan@yahoo.dk
|
|
|
|
|
|
| |
|
|
| السبت 17 / 6 / 2006 |
|
رقم العـدد 482 |
|
|
الأهرام العربي |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الأرشيــــــــف |
|
|
| |
|
|
|
|