|
يقدمها ـ محمد شمروخ أهكذا يكون الحب, أو تلك هي الحياة, ما كان أسرع النهاية, فلم يكد يمضي الشهر الثالث علي زواجه بها حتي وجد نفسه في مواجهة مع اليقين بأنها خائنة. ولا وقت للاختيار ولا للتردد, فالذي يبتلع المرارة لا يتذوقها, والذي يسير علي الشوك لا ينبغي أن يكون بطيئا, فما أن عرف من جاره أن الرجل الآخر مع زوجته الآن حتي بدأ في تنفيذ ما أعده لهذا الموقف الذي ظل يترقبه منذ أن ألقي الشك ببذوره في قلبه, وما كان أكثر من صعوبة أن يصدق فيها شئ. كان يعرف أن الأمر سوف يتحول إلي فضيحة ليس فقط بين الجيران والأصدقاء والأهل, بل أيضا علي صفحات الجرائد والمجلات, فالرجل الآخر ليس إلا نجل عضو مجلس الشعب وأمين صندوق ناد كبير من أندية القمة, وما أكثر خصوم وأعداء أبيه الذين ينتظرون مثل هذه الفرصة التي سوف تكون مادة ثرية لموائد الثرثرة في الليالي والأمسيات وجلسات العصاري في النادي الكبير. يستطيع الآن أن يرسم كيف سوف تكون عندما يجدها في مشهد لا تنكر فيه أنها خائنة مخادعة وما أسرع ما ينكشف أمرها, حقا لقد خانها ذكاؤها الذي تتباهي به, فقد كانت تظن أنها أجمل وأذكي امرأة في العالم وأكثر أنوثة وجاذبية من نجمات السينما العالمية. وكان هو يصدق كل ذلك, فعندما رآها للمرة الأولي في شركة المقاولات التي يعمل بها أرغم نفسه علي اليقين بأن هذا النموذج هو الذي يبحث عنه كزوجة فهي تبدو لبقة واثقة جريئة متحررة لا يصل إليها إلا من يطرق الباب ولا مجال للتسلل إليها. ولم يشأ أن يسمع لأسرته المحافظة بأنها لا تصلح له ولم يتردد بعد أن اتخذ الخطوة الأولي تجاهها, ومضي كل شئ سريعا حتي تلاحقت أنفاسه وكان يريد فقط أن يملكها مثلما ملكته. وتحقق الحلم وصارت ش زوجته, وكانت أن خطت أول خطوة في الطريق الذي يرده, فقد تركت العمل لتتفرغ لحياتها الجديدة ومرت بهما الحياة ثلاثة أشهر كان يخرج كل يوم للعمل يوميا ويتركها في البيت, فكان ينتظر أن تكتمل الصورة بطفل يملأ عليها حياتها في غيابه. لكن لم تشأ الحياة له أن يمضي كما يريد, بل كما تريد الحياة, فها هو قد ذاق حلاوتها وما عليه إلا أن يذوق مرارتها. وجاءت المرارة في كلمات همس بها رجل من جيرانه المقربين بأن شابا مستهترا بات في غيبته, ولم يجرؤ أن يلح عليها بالسؤال, فهو لا يتحمل تلك النظرات الحادة من عينيها الملونتين, لكنه أيضا لم يستطع أن يتجاهل رغبته في اليقين من إخلاصها أو خيانتها, وعرف أن اليقين سوف يكون أكثر راحة مهما بلغت مرارته, فكم عاني أشواك الحيرة والشك, فقلبه كان يحدثه بأن هذا الجسد ليس له وحده يعرف ذلك, ولا يعرف كيف يعبر عنه بالكلمات فالأسرار لها لغة أخري غير تلك التي تجري علي الألسنة, إنها لغة لا ينطق بها سوي الصدور المتعبة بما تئن تحت ثقله. وكان يعرف هذا الشاب, فقد كان والده مالكا لسلسلة من أشهر المدارس في الجيزة, وكانت هي تعمل مدرسة في إحداها بطريق المريوطية في حي الهرم, ولم تكن بعيدة عن بيت الزوجية. ولسبب غامض تركت العمل في المدرسة, لكنها كانت تتناثر حولها الشائعات بعلاقتها بالشاب س, ذلك المستهتر الذي لا يكف عن جلب المتاعب لوالده, وكأنه مكتوب علي مثل والده أن يكون له مثل هؤلاء الأبناء, فقد سبق ضبطه في قضية تعاطي مخدرات وكانت هي مغرمة بهذه النوعية من الشباب الذين يملكون مفاتيح العالم, المال والسلطة وغيرهما من مفاتيح تجعلها لا تتردد أن تفتح أبواب كل شئ. ورأت أنها أنثي ذكية لا تبخل علي نفسها فهي تريد الاستقرار والمتعة والمغامرة, فها هو الزوج وها هو البيت, وكان قلبها متسعا لفتح الأبواب للحبيب القديم الذي يجئ متسللا, وكانا يجدان اللذة الكبري في هذا التسلل, خاصة في ساعات الظهيرة, حيث يغيب الزوج في العمل, وقد جاء العشيق في موعده, وما أن أحكمت غلق الباب وراءه حتي انفردا بعالمهما المختنق بأدخنة اللذة المحرمة, أنفاهما يأبيان الهواء النقي, ولا يجدان سوي هذه الأنفاس الملوثة بحرارة الحرام! واستغرقا في عالمهما, بينما كان الزوج علي خطوات من الباب يتجاهل أملا في داخله أن تكون بريئة فلم يعد يتذوق تلك اللعبة السخيفة في الدفاع عنها أمام نفسه متحديا كل شئ, وكان معه ضابط شرطة وكثير من الأصدقاء فهو يريد أن يشهد علي خيانتها كل هؤلاء, يريد أن يراها منكسة الرأس, ويريد أن يري هل تفلح عيناها الجميلتان أن تلقيا بالنظرات الشائكة لكل هؤلاء والابتسامات الساخرة ونظرات الموقف الذي يندر رؤيته, ويصبح من الذكريات التي يكثر الهمس بها, وكان العاشقان في الداخل يشربان من كئوس اللذة حتي إنهما لم يسمعا صوت المفتاح في الباب المغلق من الداخل, ولا محاولات كسر الباب, وقبل أن ينتبها كانا في بؤرة نصف دائرة يقف حولهما وهما في الوضع الذي وصفه محضر الشرطة بالتلبس. وكان لابد من أن يخرجا متلحفين بما يسترهما عن العيون المتعطشة للفضائح. وخرج الركب إلي قسم الهرم, وما هي إلا لحظات حتي طارت الأخبار تتحدث بالفضيحة الجديدة للعروس التي لم تكد تكمل شهرها الثالث في حياتها الجديدة, وحاول أن ينظر إلي وجهها وعرف أن للخطيئة أقنعة تلقي بها علي وجوه أبنائها تجعلها أكثر بشاعة, فقد اكتست ملامحها بصفرة الموت وتلاشت من عينيها نظرة الجرأة الكاذبة والثقة الوهمية, اكتشفت للمرة الأولي أن كل ما فيها قبيح, أهكذا أفلحت طوال الفترة السابقة في أن تسكره حتي رآها جميلة الملامح, أما العينان فكانتا ملونتين بلون قبيح جعله يكاد يلفظ ما في جوفه. وفي مكتب العميد محسن خضر مأمور قسم الهرم بدأت تتكشف الزوايا المظلمة, فقد عادت العلاقة بين ش, وس بعد زواجها بشهر ونصف الشهر فكان يأتي عند خروج الزوج في وضح النهار لأن الناس لم يعتادوا أن يروا الخطايا في النهار فهي بنات الليل فقط و النهار لا يعرف الخطايا. وعندما وجه العقيد هاني نصار, نائب المأمور سؤاله عما هو منسوب إليه أنكر مبررا وجوده في المنزل بأنه كان في انتظار والدة الزوجة التي اتفقت معه علي اللقاء في بيت ابنتها, فهي تطلب دائما قضاء مصالح من والده عضو البرلمان الشهير, لكن إنكاره لم يفد شيئا بحوار تلبسه بالفعل. غير أنها كعادتها كانت أكثر جرأة عندما اعترفت بالعلاقة الآثمة قبل شهر ونصف الشهر ولم تنس أن توجه إضافة أخيرة إلي زوجها عندما أرادت أن تطعن في رجولته لتضع إطارا حول صورتها الجديدة, ربما تجعل البعض يلتمسون لها العذر وهم يرون أنوثتها المتدفقة, لكنها لم تستطع أن تنطق بكلمة واحدة ردا علي سؤال المقدم علاء عابد, رئيس المباحث: إن كان هذا سببا فما تفسيرك لعلاقتك به قبل الزواج. وفي النيابة كان القرار الذي جعل القلوب تهدأ قليلا, وهوحبس الزوجة والعشيق علي ذمة القضية, بل تقديمهما إلي محاكمة عاجلة قد تكون نهاية سريعة لشريط الأحداث المتلاحق.
|