|
* إعداد: د.حسن علي دبا hassandaba@hotmail.com هل يحرم علي المعتدة أن تكلم رجلا, أو يكلمها, أو يدخل عليها, حتي بعض محارمها مثل أبناء زوجها, أو أبناء أخيها أو أختها. فضلا عن غيرهم من أقاربها.. وجيرانها؟ لم يوجب الإسلام علي المرأة المتوفي عنها زوجها إلا ثلاثة أمور: قضاء العدة وهي أربعة أشهر وعشرا, والحداد طوال هذه الفترة, ولزوم البيت حتي تنتهي عدتها, وما سوي ذلك فهو عادات وتقاليد لا يقرها الإسلام ولا يعترف بها. واختلفت الأمم من قديم في معاملة المرأة المتوفي عنها زوجها. حتي إن بعضهم رأي أن من وفاءالمرأةلرجلها بعد موته, ألا تبقي بعده علي قيد الحياة, فعمدوا إلي إحراق جثتها معه. وبعضهم لم يصل إلي هذا الحد. ولكن حرم عليها أن تفكر في رجل آخر بعد زوجها الأول, ومنعوها أن تنعم بحياة زوجية مرة أخري, وإن كانت في عمر الزهور, وريعان الشباب ولو لم تعش مع زوجها إلا يوما واحدا. * كيف كان أمر العرب في الجاهلية إذن مع المعتدة؟ كان للعرب في الجاهلية ضرب من التقاليد والأنظمة والشعائر الغريبة المتوارثة بينهم, في معاملة هذه المرأة المسكينة, تتمثل فيما يلي: أولا:روي البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عباس قال:' كانوا إذا مات الرجل, كان أولياؤه أحق بامرأته, إن شاء بعضهم تزوجها, وإن شاءوا زوجوها, وإن شاءوا لم يزوجوها, فهم أحق بها من أهلها'. وأخرج أبي ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كان أهل يثرب, إذا مات الرجل منهم في الجاهلية, ورث امرأته من يرث ماله, فكان يعضلها, حتي يتزوجها, أو يزوجها من أراد... وفي هذه الحالات وأمثالها نزل قوله تعالي:( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها, ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن..... الآية) ثانيا:لم يكن لها نصيب في تركة زوجها, مهما خلف وراءه من ثروة وأموال, ومهما تكن حاجتها إلي النفقة والكفاية,' ولا عجب في ذلك ما دامت هي شيئا يورث كالدابة والمتاع الذي يورث لا يرث. وكانت نظرية العرب أن المرأة لا حق لها في الميراث, إذ لا يرث عندهم إلا من حمل السلاح, وزاد عن الحمي, وهم الرجال فقط, لا النساء ولا الصبيان. ثالثا:كانت المرأة العربية في الجاهلية, إذا مات عنها زوجها, تؤمر بأن تدخل مكانا رديئا, وتلبس شر ثيابها, ولا تمس طيبا, ولا تتزين بزينة مدة سنة كاملة. فإذا تمت السنة, أوجبت عليها التقاليد الجاهلية أن تقوم بعدة أعمال أو شعائر لا معني لها, وإنما هي من ضلال الجاهلية وسخفها: من أخذ بعرة ورميها, إذا مر بها كلب, ومن ركوب دابة مثل حمار أو شاة! * كيف يكون حداد المعتدة المتوفي عنها زوجها في الإسلام؟ لما جاء الإسلام رفع عنها ما كانت تلقاه من ظلم وعنت, سواء من الأهل أم من قرابة الزوج, أم من المجتمع كله. ولم يوجب عليها بعد الوفاة إلا ثلاثة أمور: الاعتداد, والحداد ولزوم البيت. والمراد بالاعتداد: أن تتربص بنفسها ولا تتزوج مدة أربعة أشهر وعشرة أيام, إذا لم تكن حاملا, فإن كانت حاملا فعدتها وضع الحمل. ويلاحظ أن مدة العدة هنا- في غير حالة الحمل- أطول قليلا من عدة المطلقة( وهي ثلاث حيضات أو ثلاثة أشهر). وذلك لأن الزوج يترك وراءه من مشاعر الأسي والحزن في نفس الزوجة, وفي أنفس أهله وأقربائه ما لا يتركه الطلاق. فلزم أن تطول المدة قليلا, حتي تخف حدة الحزن, وتبرد عواطف الأسي, ومظاهر الكآبة من قبل الزوجة, ومن قبل أهل المتوفي. * ماهو الحداد أصلا؟ المراد به أن تجتنب المعتدة مظاهر الزينة والإغراء مثل الاكتحال واستعمال الأصباغ والمساحيق, التي تتجمل بها المرأة عادة لزوجها ومثل أنواع الطيب والعطور والحلي والثياب الزاهية والمغرية. ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أم حبيبة وزينب بنت جحش أمي المؤمنين رضي الله عنهما: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:' لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد علي ميت فوق ثلاث( أي ثلاث ليال) إلا علي زوج أربعة أشهر وعشرا'. وفي الصحيحين عن أم سلمة: أن امرأة قالت: يا رسول الله, إن ابنتي توفي عنها زوجها, وقد اشتكت عينها, أفتكتحل ؟ فقال: لا... كل ذلك يقول: لا, مرتين أو ثلاثا. ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشرا. وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة'. وفيهما عن أم عطية:' أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:' لا تحد امرأة فوق ثلاثة أيام, إلا علي زوجها, فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا, ولا تلبس ثوبا مصبوغا, إلا ثوب عصب ولا تكتحل, ولا تمس طيبا, إلا عند أدني طهرها إذا طهرت من حيضها, بنبذة من قسط أو ظفار'. وروي أبو داود والنسائي عن أم سلمة:' أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال للمتوفي عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب, ولا الممشقة, ولا الحلي, ولا تختضب, ولا تكتحل.'. والأمر الثالث الذي يلزم المتوفي عنها زوجها:أن تلزم بيتها الذي مات زوجها وهي فيه, لا تغادره طوال أشهر العدة. كما روت فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري: أنها جاءت إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبرته أن زوجها خرج في طلب أعبد( عبيد) له, فقتلوه بطرف القدوم. فسألت رسول الله صلي الله عليه وسلم أن أرجع إلي أهلي, فإن زوجي لم يتركني في مسكن أملكه ولا نفقة فقال:' امكثي في بيتك حتي يبلغ الكتاب أجله. فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا'( رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح). ولأن بقاءها في بيتها أليق بحالة الحداد الواجبة عليها, وأسكن لأنفس أهل الزوج المتوفي, وأبعد عن الشبهات. * ومامدي جواز خروجها في الشريعة الإسلامية؟ يجوز لها أن تغادره لحاجة, مثل العلاج, أو شراء الأشياء اللازمة إذا لم يكن لها من يشتريها, أو الذهاب إلي عملها الملتزمة به, كالمدرسة والطبيبة والممرضة وغيرهن من النساء العاملات. وإذا خرجت لحاجتها نهارا. فليس لها الخروج من منزلها ليلا. وقد جاء عن مجاهد قال:' استشهد رجال يوم أحد, فجاء نساؤهم رسول الله صلي الله عليه وسلم وقلن: يا رسول الله, إنا نستوحش بالليل, أفنبيت عند إحدانا, حتي إذا أصبحنا بادرنا إلي بيوتنا؟ فقال: تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن, فإذا أردتن النوم, فلتؤب كل امرأة إلي بيتها'. ولأن الخروج ليلا مظنة للريبة والتهمة فلم يجز إلا لضرورة. وليس لها الخروج للصلاة في المسجد, أو السفر لحج أو عمرة أو غير ذلك, لأن الحج لا يفوت والعدة تفوت لأنها موقوتة بزمن.
|