|
محمد حبوشة كيف للاستشهاديين أن يبرروا موتا انتحاريا وقد جعلوا الحياة قنبلة موقوتة, وكفروا بالحياة بغير كفر! أي جبروت يتمتع به المستضعفون في الأرض وأية مهانة يعير بها المتجبرون والمستكبرون وقد جرفوا في الإنسانية وحقروا الديمقراطية وابتذلوا الحرية, وجعلوا من الآخر جحيما للاختلاف, لا الائتلاف أو التحاور أو التعاهد: أني لهؤلاء وأولئك أن يتقاسموا ثقافة الموت. الكلام السابق هو تلخيص شبه كامل لكتاب حياتي سلاح: التاريخ الحديث للاستشهاديين للكاتب الغربي كريستوف رويتر وهو من واقع خبرته كمراسل لمجلة شتيرن الألمانية, وعمل لسنوات طويلة في مناطق الأحداث الأكثر توترا في العالم, فقد تجول بقلمه وعدساته في فلسطين وإسرائيل ولبنان وإيران. وهو هنا في هذا الكتاب يعكس رؤية الغرب القاصرة عن فهم تكوين وطبيعة الإنسان العربي والمسلم, حيث يري في الاسشهاد انتحارا وتبريرا يحيل الحياة إلي قنبلة موقوتة, وتبقي عبارته كفروا بالحياة بغير كفر هي الأقسي والأشد تطرفا في عدم الإدراك للحقائق المرة التي يعانيها هؤلاء الناس, حيث إن هناك علي أرض فلسطين وما يجري حولها من ممارسات هو أقسي مما يتحمله بشر علي وجه الكرة الأرضية بالتالي يدفعه إلي اليأس والجنون وليس الكفر كما يري رويتر. أظن يا سيد رويتر أن ماتفعله الآلة العسكرية الإسرائيلية الضخمة من مجازر ودمار للأرض والإنسان والزرع جميعا لا تجعل الإنسان ينحرف إلي زاوية الكفر الذي لا مبرر له, بل إنها تجعل هذا الإنسان بمثابة قنبلة موقوتة فعلا, فأي معني للحياة طالما تنتهك كرامة الإنسان, ويضيع شرفه وشرف أبنائه, هل مطلوب منه أن يرفع يده إلي السماء بالدعاء وحسب, معللا بأن الحياة تستحق أن تعيشها بذلها وقهرها وحتي لا يعدوا كافرا كما تظن؟ عن أية ديمقراطية يتحدث الكاتب؟ وما ملامح تلك الحرية التي ابتذلها الاستشهاديون؟ ومن الذي جعل من الآخر جحيما, نحن أم الغرب الأعمي والولايات المتحدة؟! خارطة المنطقة و اضحة للعيان وتؤكد أن حرب الإرهاب التي أطلقها بوش في العراق دون أسباب منطقية هي التي تدعو للاختلاف ولايمكن أن يتم من خلالها أي نوع من التحاور أو التعاهد, فماحدث وما يحدث في هذا البلد العربي المسلم, ومن قبله فلسطين بنضالها الذي يزيد علي نصف قرن يؤكد أن ثقافة الموت لا ينبغي أن يتقاسمها الطرف الأضعف مع الطرف القوي, إنها ثقافة يجب أن تختفي من قاموس الحياة السياسية الأمريكية والإسرائيلية عبر استرداد الحقوق لأصحابها ووضع أسس ومعايير للعيش بأمان علي التراب المقدس. ربما يكون رويتر قد اعترف بالأخطاء العسكرية الأمريكية في العراق منذ صيف2003 إذ غير الاستشهاديون وجه العالم ونظامه الجديد, وهذه ضرورة حتمية أو رد فعل طبيعي أمام ترسانات الأسلحة وعشرات الآلاف من الجنود الذين ذهبوا إلي الميدان لا يدركون شيئا عن الجغرافيا أو التاريخ. وربما أيضا أشار إلي ما قاله الرئيس حسني مبارك في مارس2003 بأن الحرب الأمريكية علي العراق ستلد مائة ألف بن لادن جديد, وأن الاستشهاديين سيتكاثرون ويكثفون عملياتهم ضد أمريكا لكن أحد لم يعي وبالتالي يصبح هذا الاستشهاد أمر طبيعي, ليس لكون هؤلاء يعتقدون بأنهم اختاروا الجنة أو الحور العين, بل لأنهم أصحاب عقيدة أن الجسد يفني من أجل الوطن, وهذا أقل ما يملكه إنسان ذاق عذابات وآلام الحروب والدمار والتشريد كي يتغلب به علي عدوه. هنا تصبح حيرة رويتر في تخلي الاستشهاديين عن حياتهم لا مبرر لها, وكان ينبغي عليه بحكم معاشرته ومعايشته لواقع يتسم بالمرارة بالنسبة للطرف الأضعف, أن يكون أكثر موضوعية إذا كان فعلا ينشد الحرية والديمقراطية, ويري ضرورة تعايش شعوب الأرض في سلام.
|