|
د. عبد المنعم سعيد في مصر الآن ثلاثة أجيال سياسية مختلفة: أولها, وأصغرها في العدد ذلك الجيل الذي ولد في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي وعاش الرومانسية الباقية من ثورة1919 والتجربة الملكية في لحظات تدهورها فبشر بالثورة حتي جاءت عام1952 فخافها وبقي علي حذره منها حتي وافته المنية, أما من أطال الله عمره فلا يزال يتعجب من عجائب الأيام. وثانيها, يسمي جيل الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي, وهو جيل يضم جماعات شتي بعضها ولد حتي في العشرينيات ولكن الغالبية ولدت في الأربعينيات, وتكون وعيها السياسي الأعظم خلال الخمسينيات والستينيات حتي باتت هي محور الزمن حيث جرت فيها المقارنة مع الحقبة الملكية, ثم جرت فيها الفترة الناصرية بكل عنفوانها وزخمها وانتصاراتها الباهرة وهزائمها المخجلة, ومن بعدها جاءت حقبة الرئيس السادات حيث جري الانقسام الأعظم داخل الجيل الواحد بين من استمروا علي إخلاصهم لثورة يوليو ومن ثاروا علي الثورة ولعنوا أباها. وثالثها, ذلك الجيل الذي ولد في الثمانينيات وشب عن الطوق في التسعينيات, وعندما جاء القرن الواحد والعشرون لم يكن عرف غير الرئيس مبارك رئيسا ولا غير الحزب الوطني الديمقراطي صاحبا للأغلبية, ولكن الدنيا كلها كانت قد انقلبت رأسا علي عقب, وجاءته العولمة وأجهزتها وفنونها لكي تكون كلها جاهزة لأصابعه يلعب بها ويداعبها ويتصل بها مع كل أرجاء الكون. موضوعنا هذه المرة ليس الجيل الأول أو الثالث, فالأول بات في ذمة التاريخ, والثالث لا يزال في دور التكوين, أما جيل المنتصف فهو ليس فقط الموضوع, بل إنه الممسك هذه اللحظة بمصير مصر ومستقبلها. ولكن الأجيال مثل الأبراج الفلكية ليست متماثلة في الحظوظ, ومن ولد في أولها ليس كمن ولد في آخرها, ولعل تلك الشريحة المعروفة بجيل أو جماعة السبعينيات هي الأولي بالتحليل هنا لأنها بصدق تلك الجماعة التي ينتمي إليها الراحل الدكتور أحمد عبد الله رزة, الزميل في الجماعة الأكاديمية للعلوم السياسية, والصديق في مرحلة تاريخية ممتدة, والصاحب- وربما كان ذلك الأهم- في غربة الصدق مع النفس والناس. فبدون فهم الظروف التاريخية لهذه الجماعة وآثارها في التكوين, فإن فهم صاحبنا لن يكون ممكنا, ولعلها كانت مجسدة في تلك اللحظة التي قابلته فيها لأول مرة أمام ما كان معروفا بالمبني القديم لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة حينما شاهدت هذا الشاب الشاحب الوجه المنمش الملامح والشعر الأكرت مرتديا جاكتا كاكيا شبه عسكري وعليه توضع في العروة صورة ما وتسي تونج. وللوهلة الأولي ظننت أن' الماوية' قد وصلت أخيرا إلي الجامعة المصرية, فقد كانت الجامعة قد وصلت إليها جماعات ماركسية مختلفة راحت تسخف كل منها الأخري مستهلكين وقتا ممتدا في تحديد أسباب الخلاف بين تروتسكي ولينين ورزا لوكسمبرج. ولكن ذلك لم يكن صحيحا, فقد كنت سابقا بعامين له ولرفاقه ممن عرفتهم, وكنت قد عرفت الماركسية عن قرب بسبب بحث قمت به عن' ديكتاتورية البروليتاريا', وكانت هذه المعرفة سببا في إدراكي بعد فترة قصيرة أن أحمد عبد الله ليس ماويا علي الإطلاق, وإنما كان الرجل مشيرا إلي تجربة, أما أصوله ومقاصده فلم تكن إلا مصرية خالصة. وببساطة كان الكل جيلا مرتجا مخضوضا مرتبكا ثائرا غاضبا علي ما جري في عام1967, ولم يكن كل ذلك راجعا إلي الهزيمة العسكرية بقدر ما كان راجعا إلي إحساس عميق بالخديعة حول مصداقية الثورة ومصداقية الزعيم ومصداقية الجيل السابق كله. كنا قبل عامين وفي عام1968 قد خضنا أول الاختبارات التي طرحت التجربة الثورية المصرية كلها للتساؤل, ولكن خجلا باقيا من جمال عبد الناصر ظل باقيا; ولكن الجماعة الجديدة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية كان لها رأي آخر, فلم تكن قد تعرضت للترويض الذي تعرضنا له في منظمة الشباب الاشتراكي, وكان استمرار الاحتلال لأرض مصر قد سلب كل الشرعية من النظام. وحينما جاءت فورة عام1972 كانت الجماعة الطلابية المصرية قد طلقت الثورة كلها وزعيمها وقائدها وقتها وعادت كلها خالصة فورة عام1972 كانت الجماعة الطلابية المصرية قد طلقت الثورة كلها وزعيمها وقائدها وقتها وعادت كلها خالصة إلي مصر تطرح أسئلتها وتسعي لإجابات لها. وكنت هناك لحظة الميلاد, فقد حصلت علي أجازة من معسكري الذي جندت فيه في اليوم الذي ألقي فيه الرئيس السادات خطابه الشهير المعروف بخطاب الضباب, وبينما سهرت جماعات كثيرة طوال الليل لكي تجهز لرفض الخطاب فإنها عندما وصلت إلي جامعة القاهرة وجدت مجلة حائط كبري اسمها' الشبورة' وكان محررها أحمد عبد الله مفجرة موهبة في القيادة لم يحظ بها أي من رفاقه. وبعد ساعات من الصباح كان نفس الشاب يقف في مواجهة موهبة قيادية أخري من جيل آخر هي الدكتور رفعت المحجوب- عميد كلية الاقتصاد- في لحظة تاريخية تتقلب فيها حظوظ المستقبل بين الثورة والفورة, وبين القبول والاعتراض, وبين الثقة والشك. ولكن أحمد عبد الله فاز بالجولة بعد أن بدا لي أن الخبرة قد فازت, وأن شبابا آخرين قد فشلوا في المهمة. وفي قول مأثور إن كل إنسان له الحق في الحصول علي20 ثانية من التاريخ تلقي عليه الأضواء, وينحبس فيها الزمن استماعا لما يقول, ولكن أحمد عبد الله حصل علي ما هو أكثر من عشرين ثانية, وعندما يكتب تاريخ السبعينيات المصري فإن رجلنا سوف يكون له صفحات مطولة لأن كل الأحداث التاريخية تلخص دائما في شخص ووجه, وكانت أحداث عام1972 وعودة الحركة الطلابية المصرية عنوانها صاحبنا ولا أحد غيره عندما كان رئيس اللجنة الوطنية العليا للطلبة. وتفاصيل تلك الأيام مثيرة من الناحيتين الشخصية والتاريخية, ولكن التاريخ لا يتراكم فقط بما جري فيه, وإنما بما لم يجر فيه, وبقدر ما كانت رحلة أحمد عبد الله حافلة في أولها, إلا أن الخروج إلي لندن والدراسة في كمبريدج ثم العودة إلي مصر- وهو ما حدث لكثيرين مثله منهم كاتب هذه السطور- أضافت العلم للسياسة, والتجربة العالمية لواقع كان بسيطا قصار معقدا بغير حد. وعلي مدي العقدين التاليين كان أحمد عبد الله قد حفر لنفسه طريقا آخر, عندما كان له نصيب دولي من الكتابة عن الطلاب والشباب, وعندما أسس مركز الجيل بالقرب من حي عين الصيرة الذي ولد فيه وأحبه دوما, ومنه كان يأتي بتجربة مختلفة ومتميزة وذات مذاق حريف برائحة أولاد البلد في أحلي وأصفي ما فيها. ولكن الناس ليسوا سياسة ونضالا فقط, فربما كان أهم ما في أحمد عبد الله هو إنسانيته, ورغم تباعد المسافات الزمنية بين لقائنا وتواصلنا فإنه لم ينقطع قط عن الاتصال مهنئا عندما تعجبه مقالة رغم اختلافه. وكم كان يسعدني عندما أعلم كيف صد هجوما علي مواقف اتخذتها أو كلمات كتبتها, فمع الأيام صار ليبراليا نقيا, ولم يعد لديه معدة تهضم ولا تقبل الغوغائية. ولكن الرجل وصل في النهاية إلي حيث سنذهب جميعا, فرحمة الله عليه.
|