|
محمد مجاهد الزيات تطرح عملية مقتل أبو مصعب الزرقاوي زعيم ما يسمي بتنظيم القاعدة في العراق العديد من التساؤلات حول التأثيرات والاحتمالات المتوقعة علي الوضع الأمني في العراق, وذلك بسبب الدور الذي كان يشغله في إطار العمليات العسكرية والإرهابية الجارية هناك. في البداية من الضروري التأكيد علي أن الزرقاوي وجماعته كانوا الجناح الأكثر تطرفا ولهم أجندة سياسية وعسكرية تتجاوز أجندة قوي المقاومة الأخري, فبينما تركزت إستراتيجية تلك القوي علي تحرير العراق, ارتبطت إستراتيجية الزرقاوي بفكر القاعدة الذي يري أن ضرب الوجود الأمريكي خطوة في إطار المواجهة العالمية مع الولايات المتحدة وبينما تري تلك القوي أن ميدان عملها حدود دولة العراق سعي الزرقاوي لنقل عملياته إلي دول الجوار وبينما رأت الفصائل الأخري أن القادة وكبار المسئولين هدف لها, وسع الزرقاوي أهدافه لتشمل جميع أبناء المذهب الشيعي العراقيين, وتجاوز ذلك إلي بعض شيوخ العشائر السنية في محافظة الأنبار التي اعترضت علي بعض ممارساته وأبدت بعض التجاوب للحوار مع الطرف الآخر, الأمر الذي اضطره إلي مغادرة تلك المنطقة وسهل من عملية اصطياده. ومن الواضح أن الأشهر الأخيرة قد شهدت نوعا من فك الارتباط بين العديد من تنظيمات المقاومة العراقية وجماعة الزرقاوي علي خلفية رفضها لعملية التصعيد المذهبي الذي زاد من حدة الاحتقان الطائفي وشوه صورة المقاومة وبدأ يدفع ثمنه الأبرياء من السنة كذلك بالإضافة إلي إدراكها أن التعرض لشيوخ عشائر سنية أفقدها الكثير من الدعم والتأييد الذي كانت تحظي به في بعض تلك المناطق, كما أن العوامل الأساسية التي ساعدت علي ذلك أيضا التباين في مواقف الطرفين بخصوص الحوار مع الحكومة وممثلين للاحتلال, حيث رفض الزرقاوي ذلك بينما رحبت بعض دوائر المقاومة وبعض مرجعياتها من حيث المبدأ وطبقا لشروط من أهمها وضع جدول زمني لخروج قوات الاحتلال وهو ما لا يتوافق مع إستراتيجية القاعدة والزرقاوي. ولاشك أن غياب أبو مصعب الزرقاوي يعتبر تطورا له دلالته في إطار العمليات العسكرية الجارية في العراق, فالزعيم في التنظيمات المتطرفة والمنغلقة علي هذا النحو يمثل رمزا وبؤرة للاتفاق والترابط له تأثيره وقدرته علي احتواء الأنصار ويدفع غيابه إلي نوع من التفكك والاهتزاز علي مستوي التنظيم. والثابت أن غياب الزرقاوي وما سيستتبعه من غياب لأهم القيادات المرتبطة به سوف يرتب نوعا من الانفصال بين المتطوعين من خارج العراق, والمجموعات والتنظيمات العسكرية العراقية, وبالتالي انحسار العمليات الانتحارية وتوقف عمليات تجنيد العناصر الإسلامية من المرتبطين بالتنظيمات الإسلامية المتطرفة خارج العراق ذات الصلة بالقاعدة. وإذا كان من المتوقع أن تشهد الأوضاع في العراق خلال الفترة الحالية نوعا من التصعيد في محاولة من بعض التنظيمات للإيحاء بأن غياب الزرقاوي لن يعني توقف العمليات العسكرية إلا أنه من المرجح أن تتراجع نوعية هذه العمليات بحيث يستبعد العودة إلي العمليات الانتحارية التي كان المتطوعون من خارج العراق منفذيها الأساسيين. وتري بعض المصادر الصحفية الموثوقة أنه جري نوع من التضخيم لدور الزرقاوي في العمليات الجارية في العراق, وأن أهم ما قامت به جماعة الزرقاوي تتركز في تجنيد العناصر المستعدة للقيام بعمليات انتحارية كما أن قياداتها كانت مسئولة عن معظم عمليات قتل الرهائن سواء الأجانب أم ذات البعد الطائفي, وبالتالي فإنه من المتوقع أن تتراجع بصورة تدريجية حدة التوتر الطائفي خاصة أنه ارتبط في جانب منه بالفكر الذي تمثله القاعدة وعبر عنه الزرقاوي ومرشده الديني من تكفير لأبناء المذهب الشيعي بصورة حادة لم يشهدها العراق في مراحله التاريخية الأمر الذي يمكن أن يوفر المناخ المناسب لتصالح مذهبي عراقي إذا أحسنت القوي والأحزاب السياسية العراقية علي اختلاف مذاهبها استغلال الفرصة وغلبت المصلحة الوطنية علي رغبات الثأر والانتقام كما أنه من الطبيعي أن تفتح هذه التطورات الباب لإجراء مزيد من الحوار الجدي مع بعض القيادات السياسية السنية ذات التأثير والصلة بالتنظيمات العسكرية التي تتبني المقاومة للاندماج في العملية السياسية. وبصفة عامه فإن مقتل الزرقاوي والذي يعني فشل مشروعه ومشروع القاعدة الديني والعسكري للتعامل مع الواقع العراقي, يفرض ضرورة تعامل القيادة العراقية, وقيادة الاحتلال الأمريكي مع ذلك من خلال آلية تركز علي استيعاب القوي المعارضة للاحتلال وإفساح المجال أمامها للمشاركة السياسية وحرص القوي السياسية التي تمثل الأغلبية البرلمانية بقدر الإمكان علي الابتعاد عن الممارسات والمواقف ذات الشبهة المذهبية تحقيقا للاستقرار والأمن في العراق. ولاشك أن غياب الزرقاوي وما هو متوقع من ارتباك التنظيم المرتبط به يعني تراجع قوي الإرهاب والتطرف في المنطقة وانحسار وجوه الشر التي أساءت إلي الإسلام بصورة كبيرة, كما أن دول الجوار للعراق سوف تحظي بنوع من الطمأنينة خاصة في ضوء نجاح أجهزة الأمن فيها بدور كبير في محاصرة العناصر المرتبطة به, وذلك ضمن إستراتيجية استهدفت تجفيف منابع تنظيمات الإرهاب ذات الصلة بالقاعدة ومنع أي امتدادات لتنظيمات التطرف في العراق إلي داخل أراضيها.
|