|
أشرف محمود الفيفا منظمة فاسدة نعم.. الفيفا منظمة ظالمة نعم.. الفيفا منظمة الأغنياء نعم.. تلك كانت أهم التعليقات التي دارت حول الفيفا منذ انطلاق منافسات كأس العالم الثامنة عشرة في ألمانيا الأسبوع الماضي لم تكن التعليقات لصحافيين أو نجوم سابقين فحسب وإنما امتدت لتضم ساسة وزعماء كبارا ما يعني أن الأمر فاق الاحتمال وأن رياح التغيير قادمة لا محالة. فكرة القدم هي خبز الفقراء ومصدر سعادتهم الأول تعلقت بها أحلامهم وارتبطوا بها بعدما ملأت كل حياتهم فهي بالنسبة لهم طبق الشواء الذي لا يملكون حق شم رائحته أو قطعة حلوي لا تعرف طريقها إلي حلوقهم المريرة. هي بالنسبة لهم المساواة والعدالة الاجتماعية التي يفتقدونها في حياتهم العادية, فهم يمارسونها دون تمييز ويشاهدونها دون تفرقة باعتبارها لعبتهم وحقهم الوحيد في الحياة لكن كل ذلك توقف في العام2002 عندماقرر الفيفا التشفير لمبارياته من خلال بيع الحقوق الحصرية للنقل التلفزي وقتها أطلقت القارة السمراء إفريقيا صرخة مدوية تشكو فيها ظلم الفيفا الذي سرعان ما تراجع عن التشفير في إفريقيا الفقيرة جدا المنهكة بالأمراض المستعصية, وتنازل ومنحها حق المشاهدة المجانية. ودارت الأيام سراعا وعاد المونديال من جديد وانتظرت إفريقيا منحة بلاتر الثعلب السويسري الذي هبط بالباراشوت علي قمة الفيفا مستفيدا من مراوغاته التي لا يبرع في شيء مثلها ولأن بلدا إفريقيا هو المغرب استضاف اجتماع الجمعية العمومية للفيفا وحوصر فيه بلاتر بأسئلة الصحافيين العرب والأفارقة عن المونديال والنقل التليفزيوني, وكعادته دوما ناور وراوغ ولف ودار مستندا إلي الحاجة الماسة لعائدات بيع الحقوق التليفزيونية من أجل الإنفاق علي الفيفا والقيام بالدور الإنساني المتمثل في مشروع الهدف والقري الخاصة بالأطفال في العالم(SOS), ولولا ذلك ما باع حقوق البث لكنه غير جلد وجهه بعدما كساه بابتسامة صفراء ماكرة وراح يزف البشري للقارة السمراء وقاطنيها بأن العالم كله ومن بينها إفريقيا ستشاهد الافتتاح ونصف النهائي والنهائي مجانا, ساعتها قنع الأفارقة بأن نصف العمي أفضل من العمي الكلي فبادروا بشكر بلاتر الذي خرج من المأزق كما تخرج الشعرة من العجين.. لكن كذبه سرعان ما تأكد للجميع, فالرجل باع كل الحقوق ولم يعد بإمكانه الوفاء بما قطع من عهود ليعكس ظلم دولة الفيفا التي كان البعض يوما ما يطالب الأمم المتحدة باتخاذ الفيفا مثلا وقدوة في العدل حيث الكل أمامها سواسية وقانون اللعبة لا يعرف التفرقة. لكن مونديال2006 رسخ مفهوم التفرقة بعدما علت أصوات في العالم كله تندد بالتشفير وحرمان الفقراء من حق المشاهدة الذي هو أبسط حقوق البشر ووصف المراقبون الفيفا بمنظمة الأغنياء بعد انتهاء زمن المشاهدة المجانية ما ينذر بتقليص شعبية اللعبة الملقبة بالشعبية الأولي في العالم. ولم يتوقف الامتعاض والاعتراض والرفض والتنديد بالفيفا عند الجماهير الفقيرة أو الإعلاميين والمراقبين ونجوم اللعبة القدامي وإنما امتد ليشمل الزعماء والقادة والسياسيين الذين شنوا حملة هجوم حاد علي الفيفا ومسئوليه وحملوهم مسئولية ما حدث وكان في مقدمة الزعماء معمر القذافي قائد الثورة الليبية الذي عبر عن رأيه في موقعه الإليكتروني علي الإنترنت في قضية حرمان الجمهور من المشاهدة المجانية ووصف القرار بأنه مشروع للفساد والإفساد وطالب الزعيم الليبي بحل الاتحاد الدولي أوتعديل قوانينه بعدما أصبح سوقا للعبيد. وتساءل القذافي كيف يمكن لمنظمة دولية تضم كل دول العالم وليست مملوكة لجهة بعينها أو لدولة أو لمجموعة من الدول أن تحتكر مؤكدا أن الفيفا محتكر ومستغل أسوأ استغلال ومكيف حسب مصلحة محتكريه بالرغم من أنه نشأ لتحقيق فائدة اجتماعية ونفسية للناس. واتهم القذافي الفيفا بأنه تسبب في أمراض خطيرة للمهووسيين بكرة القدم والمغرمين بها وهي أمراض نفسية وعصبية وهي بدورها تؤدي إلي أمراض خطيرة مثل الجلطات وضغط الدم. واعتبر الموقف الأخير الذي أقدم عليه الفيفا سببا في العنصرية والكراهية في المجتمعات وبين الشعوب وشدد علي أن الفرنسي جول ريميه صاحب فكرة كأس العالم لو كان حيا لتقدم باقتراح إلغائها وزاد القذافي بطلبه إلغاء الفيفا في حال إصراره علي المضي في طريقه لخطورته في العالم ماديا ومعنويا وعليه تحمل ما سيترتب علي ذلك من مشاكل ومصاعب وأمراض وعداوات.. ولم يكن رأي الزعيم الليبي وحده ـ رغم صراحته الشديدة ـ الذي وجه أصابع الاتهام في وجه الفيفا ورئيسه بلاتر ومن هنا فإن الأهرام العربي تنضم إلي مجموعة الرافضين لظلم الفيفا والمنتفعين منه علي حساب الفقراء وتطالب الاتحادات الأهلية في إفريقيا وآسيا باستخدام عنصر الضغط علي بلاتر الذي سيخطب ود هذه الاتحادات العام المقبل من أجل إعادة انتخابه رئيسا للفيفا لدورة مقبلة أن يعود إلي الرشد بدلا من المضي في غيه حيث باع حقوق النقل التلفزي لمونديالي2014,2010 ما يعني استمرار حرمان الفقراء وتراجع شعبية اللعبة مما يهدد مسيرتها ولما كان عدد أعضاء الفيفا207 دول والمبلغ الذي يحصل عليه الفيفا مليارا و900 مليون دولار مقابل بيع حقوق البث التليفزيوني فلماذا لا يفكر الفيفا في التعامل مباشرة مع الدول عن طريق الاتحادات الأهلية من خلال وضع قيمة مالية لكل بلد يريد أن يشاهد المباريات وقيمة أخري للفضائيات التي تريد البث الفضائي وقيمة ثالثة لمن يريد التميز بالتصوير من الملاعب أو مقر إقامة المنتخبات أو المناطق الإعلامية في موقع الحدث, كل ذلك يحقق دخلا للفيفا ربما يفوق المبلغ الذي حصل عليه من شركة تقوم ببيع الحقوق بحثا عن أرباح طائلة علي حساب المشاهد العادي حتي بات الأمر دجاجة تبيض ذهبا للمقاهي وتحول المونديال إلي مونديال الشيشة وليس كرة القدم حيث غابت المتعة وماتت الإثارة وانعدم التركيز في المشاهدة والتحليل والتقييم كما غاب الانتشار فمن يقول إن مليوني مصري فقط هم من يملكون حق المشاهدة فيما بقي70 مليونا يبحثون عن الفرجة في مراكز الشباب والميادين الكبيرة التي وضعت بها شاشات عملاقة بمبادرات من الحزب الوطني ورجال الأعمال وأعضاء مجلس الشعب والمجلس القومي للرياضة لكنها كلها لا يمكن أن تحقق الغرض المنشود لكنها تبقي مثل نصف العمي أفضل من العمي كله وفي البلدان الخليجية الغنية باتت تكلفة مشاهدة المباراة الواحدة في المقهي من عشرة إلي مائة ريال أو درهم علي المقهي وتحولت الصالات المغطاة في الإمارات إلي دار عرض للمباريات وامتد السخط العربي من المغرب حيث المحيط الأطلسي إلي أقصي الخليج حيث سلطنة عمان وبينهما بلاد الشام وشمال إفريقيا والسودان والصومال وربما كانت لبنان استثناء بعدما دفعت شركة الكيبل هناك500 ألف دولار للشركة صاحبة الحقوق التي لم تجد بدا من الموافقة علي العرض بدلا من السطو عليها وهناك السعوية التي تشاهد المباريات بمكرمة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والحال ذاته في الجزائر بالإضافة إلي مباريات تونس التي يشاهدها التوانسة أرضيا لكن قنوات أخري هناك تبث ملخصات المباريات بواقع خمس دقائق لكل مباراة مقابل700 ألف دولار. ولأن السياسة تدس أنفها في كل المجالات ومنها الرياضة شهد الأسبوع الأول من المونديال تظاهرة شارك فيها خمسمائة شخص في مدينة نورمبرج الألمانية التي تستضيف مباريات المنتخب الإيراني في المجموعة الرابعة, حيث استجاب المتظاهرون لدعوة المجلس المركزي ليهود ألمانيا بالتظاهر قبل مباراة إيران والمكسيك احتجاجا علي سياسة إيران ورئيسها. لكن ورغم كل ذلك جاء افتتاح كأس العالم في نسخته الثامنة عشرة بسيطا ومعبرا عن الشعار الذي رفعه الألمان للمونديال مونديال الأصدقاء حيث شهد ستاد اليانز الجديد بحضور60 ألف متفرج يتقدمهم الرئيس الألماني هرست كولر والكوستاريكي أوسكار أرياس حفل افتتاح اكتسي بألوان قوس قزح وغلفته المحبة وتواصلت فيه أجيال اللعب بعدما غلبت علي فقراته لمسة إنسانية تمثلت في تكريم المنتخبات الفائزة باللقب علي تاريخ البطولة من العام1930 في أورجواي وحتي العام2002 في كوريا الجنوبية واليابان واستعاد العالم كله ذاكرة الأيام الخوالي ورحبوا بالنجوم الكبار وعددهم158 لاعبا ممن علي قيد الحياة وسبق لهم الفوز باللقب وكان في مقدمتهم بيليه ورفاقه أبطال58,62,70 وحتي جيل رونالدو والإيطاليون بقيادة باولو روسي والأرجنتينيون بقيادة كيمبس والفرنسيون بقيادة لوران بلان وإيمانويل بيتي وديشامب, حتي الإنجليزي جيف هيرست الذي سجل هدفا في مرمي ألمانيا في نهائي عام66 قبل40 عاما بالتمام والكمال نال حظه من التشجيع والاحتفاء ليؤكد الألمان صدق شعارهم مونديال الأصدقاء وكم كان ملفتا للنظر أن حمل بيليه مع الفاتنة الألمانية كلوديا شيفر كأس العالم إلي حيث وضعت علي منصة في الملعب ليراها الجمهور. وقبل انطلاق المباراة الافتتاحية وقف الجميع دقيقة صمتا علي أرواح اللاعبين الذين رحلوا عن العالم ما بين مونديال2002 وحتي بداية مونديال2006 في لمسة إنسانية ألمانية رائعة تعكس بعد النظر الألماني الباحث عن زيادة شعبية بلاده من خلال كرة القدم. وجاءت المباراة الأولي لتشهد فوزا كبيرا للألمان علي كوستاريكا قوامه أربعة أهداف مقابل هدفين ليصبح أول افتتاح يشهد أهدافا بالجملة ويحطم قاعدة الهدف الواحد التي ظهرت في المونديالات السابقة وكشفت مباريات الأسبوع الأول استيعاب الكبار لدرس المونديال السابق وجاءت النتائج لمصلحتهم لتتضح معالم الدور الثاني مبكرا بأنه لا مكان للصغار فيه وربما يكون التعادل السلبي لترينداد وتوباجو مع السويد وحده المفاجأة الصغيرة في الجولة الأولي أما المنتخبات الإفريقية الجديدة فتلقت الخسارة واحدة تلو الأخري لتؤكد عدم أحقيتها في اللعب مع الكبار وأنها لن تضيف سطورا في كتاب التاريخ الكروي الإفريقي في المونديال. أما سفيرا العرب فيلعبان مباراتهما الأولي والمجلة ماثلة للطبع وكل ما نتمناه أن يقدما صورة طيبة عن الكرة العربية.
|