|
إعداد ـ أحمد أمين عرفات لم تعرف السينما العربية مخرجا مثل صلاح أبو سيف فهو يعد من أعظم مخرجيها ورائد مدرسة الواقعية التي تخرج فيها عشرات المخرجين فقد استطاع بأعماله التي تعد محطات بارزة في مسيرة السينما العربية أن يجسد الواقع المصري والعربي بكل علاقاته الاجتماعية.. ولم يتخذ من مهنته يوما مهنة للارتزاق بل كان دائما له هدف يريد تحقيقة ومن أجل هذا لم يقدم أي نوع من التنازلات طوال حياته فخرجت أعماله من أفضل الأعمال التي عرفتها السينما ويؤكد ذلك أن كل الاستفتاءات التي جرت في مصر وخارجها كانت أفلامه علي رأس القائمة مثل' الفتوة' وبداية ونهاية' و' والزوجة الثانية' وشباب امرأة' والقاهرة30' و'الأسطي حسن' وغيرها من الأعمال التي جعلت الناقد الفرنسي الشهير جورج سادول يعده كواحد من أفضل عشرة مخرجين علي مستوي العالم ليس هذا فحسب بل إن هناك ثلاثة باحثين في أوروبا حصلوا علي درجة الدكتوراة عنه الأول من جامعة السوربون وكانت رسالته عن المجتمع في أفلام صلاح أبو سيف والثاني من جامعة بروكسل وكانت رسالته عن الراوية في أفلامه أما الثالث فهو من جامعة فينسيا وكانت رسالته عن فيلمه القاهرة30. ولد صلاح أبو سيف في10 مايو عام1915 في قرية الحومة بصعيد مصر ولأن أسرته كانت فقيرة جدا تعيش علي الكفاف حاول الأب الفلاح أن يبحث عن رزق في أرض جديدة فترك قريته في الصعيد واتجه إلي القاهرة بحثا عن عيش أرغد وفي القاهرة نشأ صلاح أبو سيف في حي بولاق وكان أكثر شئ يلفت نظره أفيشات السينما المجاورة لبيته حتي أصبح زبونا دائما للسينما وهو مازال في مرحلة الطفولة وكان أكثر ما يبهره أفلام شارلي شابلن وطرزان.. ومن الأشياء التي كان لها أثر كبير في حياة صلاح أبو سيف يوم وقع في يده كتاب عن السينما عنوانه' كيف تصبح ممثلا سينمائيا' وأهم ما جذبه في هذا الكتاب دور المدير الفني أو المخرج حيث يصف شخصية المخرج بأنه هو الذي يجلس علي كرسي في البلاتوه ويفكر ويعلم الممثلين ويخرج الفيلم فبهره هذا الدور القيادي. لك يوم يا ظالم كان صلاح أبو سيف يأمل في استكمال دراسته العليا ولكن الفقر لم يتح له هذا فاكتفي بالحصول علي دبلوم التجارة وعمره17 عاما ونظرا لثقافته الواسعة في السينما والتي استطاع تكوينها من خلال الكتب المتخصصة كان يكتب المقالات عن السينما في مجلات' العروسة' و'الصباح' و'أبوالهول' وظل يعمل بالصحافة لمدة ثماني سنوات إلي أن انتقل للعمل كموظف بشركة مصر للغزل والنسج في المحلة الكبري إلي أن وقع أهم حدث في حياته عندما جاء المخرج نيازي مصطفي إلي المحلة الكبري لعمل فيلم تسجيلي عن شركات بنك مصر والتقي صلاح أبو سيف من خلال عمله سكرتيرالمدير العام للشركة وفوجئ نيازي بمعلوماته الهائلة عن السينما وأعجب به جدا فنقله للعمل في استديو مصر. عمل صلاح أبو سيف في قسم المونتاج في استديو مصر ثم حصل علي بعثة إلي فرنسا لكي يدرس المونتاج دراسة علمية وعند عودته إلي مصر عمل رئيسا لقسم المونتاج باستديو مصر وفي سنة1945 بدأ عمله كمخرج فأخرج أول أفلامه التسجيلية' المواصلات في الإسكندرية' أما أول فيلم روائي أخرجه فكان فيلم' دايما في قلبي' بطولة عماد حمدي وعقيلة راتب عام1946 وهو الفيلم رقم269 في تاريخ السينما المصرية وأتبع ذلك بخمسة أفلام متنوعة ليس لها لون محدد إلي أن بدأ يشعر بأنه كمخرج يميل إلي الواقعية فبدأ في دراسة هذه المدرسة وتحمس لها إلا أن القائمين آنذاك علي استديو مصر رفضوا إخراج هذه النوعية من الأفلام وكذلك المنتجون الآخرون مما دفعه للإنتاج علي نفقته الخاصة فباع كل ممتلكاته وأنتج وأخرج فيلم' لك يوم ياظالم' ونجح الفيلم واعتبر من ضمن الأفلام الواقعية فكان ذلك حافزا لصلاح أبو سيف ليستمر في مرحلته الواقعية فقدم' الأسطي حسن' و' الوحش' و' شباب امرأة' و'ريا وسكينة' و' الفتوة' ثم دخل مرحلة أطلق عليها البعض مرحلة إحسان عبد القدوس حيث قدم له' لا أنام' و' الوسادة الخالية' و' البنات والصيف' و' أنا حرة' و' لا تطفيء الشمس' واعتبرت هذه المرحلة من أهم المراحل من حيث الواقعية والمضمون لأنها كانت تعالج مشاكل اجتماعية موجودة. أجرأ مخرج يعد صلاح أبو سيف أول من أسهم في تأسيس معهد السيناريو في مصر وأول من اختير ليكون رئيسا لأول شركة إنتاج' فيلمنتاج' من عام1963 ولمدة عامين وشارك في تأسيس معهد السينما بمصر عام1963 وتولي عمادته حتي عام.1966 أخرج صلاح أبو سيف38 فيلما روائيا طويلا من' دايما في قلبي عام1946 إلي' السيد كاف' عام1994 وتمثل هذه الأفلام إلي جانب21 فيلما تسجيليا و5 أفلام تمثيلية قصيرة سجلت له صفحة خاصة مميزة في تاريخ السينما العربية واستحق أن يحصل بسببها علي الكثيرمن الجوائز مثل جائزة الإخراج عن أفلام' شباب امرأة' والسقا مات' وحصل علي جائزة أجرأ مخرج من المركز الكاثوليكي عن فيلم' بين السماء والأرض' ومن المهرجانات الدولية حصل علي جائزة النقاد من مهرجان فينسيا عام1986 عن فيلم' البداية' وجائزة العصا الذهبية من مهرجان فيناي في سويسرا عام1987 عن الفيلم نفسه.. كما قامت الدولة بتكريم أبو سيف ومنحته وسام الدولة في عيد العلم عام1993 وقبلها جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام1989 وحصل علي لقب فنان الشعب سنة1971 ووسام الفنون والآداب من الرئيس عبد الناصر ونفس الوسام من الرئيس مبارك وكذلك اختير عضوا في جميع المهرجانات العالمية والعربية وأقامت له الكثير من الدول حفلات تكريم وعرضت أفلامه في اسابيع كثيرة كما اختير كأهم سينمائي مصري في المائة سنة الماضية. وفي حياته تزوج صلاح أبو سيف مرتين الأولي من رفيقة عمره السيدة رئيفة أبو جبل والتي كانت تعمل معه في المجال السينمائي فهي من أهم المونتيرات في فن السينما وعندما ماتت وجد أبو سيف نفسه يعيش في خريف العمر وفي وحدة قاسية فتزوج مرة ثانية وله من الأولاد ولد وبنت هما المخرج السينمائي محمد أبو سيف وشريفة فنانة تشكيلية وقبل رحيل صلاح أبو سيف أصابه المرض حيث كان يعاني من مشاكل في الكلي والبروستاتا لمدة13 سنة حتي تمكن السرطان من كليته وتوقف عملها تماما ثم انتشر السرطان في جسمه حتي وصل إلي الرئتين إلي أن وافته المنية في22/6/1996 ليرحل عن عالمنا بعد أن خلد اسمه كأهم مخرج سينمائي عرفته مصر.
|