الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 العرب والعالم
3الشرق الأوسط تحت رحمة صراع الثيران

العرب في مقاعد المتفرجين علي مباراة طهران‏-‏ واشنطن

السبت 17 / 6 / 2006

تحقيق‏-‏ سوزي جنيدي


مع بدء مباريات كأس العالم يشاهد العالم أيضا مباراة دبلوماسية متسارعة بين الولايات المتحدة وإيران في محاولة لكسب الوقت‏,‏ وتغير المعادلة لصالح كل طرف‏,‏ و الهدف هو المزيد من الأهداف في شبكة الخصم لكسب مباراة من يسيطر علي الشرق الأوسط في السنوات القادمة إقليميا ودوليا‏,‏ وتظهر إسرائيل علي دكة الاحتياطي في الجناح الأمريكي‏,‏ بينما تبدو الصين أميل إلي الجناح الإيراني‏.‏
أمريكا سعت إلي رمي الكرة في الملعب الإيراني عندما وافقت علي العرض الأوروبي‏,‏ وتسعي طهران لإعادة الكرة إلي الملعب الأمريكي بوضع مقترحات جديدة قد يتم تقديمها في قمة مجموعة الثماني التي ستعقد في مدينة بطرسبورج في روسيا منتصف هذا الشهر‏,‏ أو تقديمها لاحقا‏.‏
لكن المهم لنا كدول عربية الآن‏,‏ أين نحن كلاعبين من هذه المباراة‏,‏ وهل سنكتفي بدور المتفرجين لنفاجأ بأن المنطقة جري تقسيم نفوذها ونحن علي مقاعد المتفرجين ننتظر؟
ويبدو أن الموقف الأمريكي الحالي الساعي للتفاوض مجرد تغيير تكتيكي من إيران لأسباب عديدة‏,‏ أولها ضعف الإدارة الحالية داخليا‏,‏ وتزايد عدم الثقة لدي الشعب الأمريكي في اتخاذها القرارات الصائبة بعد الحرب علي العراق وتزايد الانتقادات لهذه الحرب ونتائجها‏,‏ وثانيها نجاح إيران في كسب بعض التعاطف بعد خطاب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلي الرئيس الأمريكي جورج بوش والدعوة للحوار بينهما‏,‏ وثالثهما موقف الصين وروسيا الرافض لفرض عقوبات أو اللجوء إلي الخيار العسكري في المرحلة الحالية علي الأقل‏.‏
ورابعها نجاح إيران في تقوية مواقفها في المنطقة بتأثيراتها داخل العراق‏,‏ ومع حزب الله وحماس وانتهاجها خطابا مطمئنا للدول الخليجية والشرق أوسطية وتأكيداتها المستمرة علي أن برنامجها النووي سلمي ولا يسعي للتحول إلي برنامج عسكري‏.‏
خامسها بدأ فتح ملف إسرائيل النووي بقوة في المحافل الدولية‏,‏ والدعوة لانضمام الدولة العبرية لمعاهدة منع الانتشار النووي‏NPT‏ في إطار إقامة شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل‏.‏ وكل ذلك لا يصب في مصلحة إسرائيل والولايات المتحدة‏.‏
سادسها تصريحات كوفي عنان‏,‏ سكرتير عام الأمم المتحدة‏,‏ ود‏.‏ محمد البرادعي مدير الوكالة‏,‏ الداعية للحوار مع إيران‏.‏
لذلك لجأت إدارة بوش إلي التهدئة وإلقاء الكرة في الملعب الإيراني مجددا بالموافقة علي الحوار وطرح مبادرة العصا والجزرة‏,‏ كما أرادت بعض دول الاتحاد الأوروبي‏.‏
وتدرك أمريكا تماما أن إيران لن تتخلي عن حلمها بامتلاك التكنولوجيا النووية مهما كانت الضغوط‏,‏ وأنها في النهاية سترفض تلك المقترحات مما يظهرها كدولة مارقة رفضت يد السلام الممدودة لها‏,‏ وبالتالي فيمكن لأمريكا حتي لو لم يوافق مجلس الأمن علي فرض عقوبات أن تقوم من جانبها بخطوات تصعيدية وتشكيل تحالف دولي جديد يضم هذه المرة ألمانيا وفرنسا لفرض عقوبات ثم توجيه ضربة إذا اقتضي الأمر علي الرغم من أن بوش وصف فكرة توجيه ضربة عسكرية بأنها خيال جامح‏,‏ إلا أن الجميع يدرك أن بوش نفسه يمتلك مثل هذا الخيال دائما‏.‏
الأهداف الأمريكية واضحة حتي وإن أرادت إخفاءها فهي تريد إضعاف إيران وعدم بروزها كقوة إقليمية‏,‏ كما تسعي إلي ذلك طهران بقوة عن طريق حرمانها من أي قوة نووية وزعزعة استقرار نظامها وعزلها دوليا‏.‏
أما أهداف إيران فهي تثبيت نفسها كقوة إقليمية كبري في السنوات القادمة لها أياد ممدودة في المنطقة في سوريا ولبنان والعراق والأراضي الفلسطينية‏.‏ ودول الخليج بل وأفغانستان‏,‏ بحيث تضطر أمريكا وإسرائيل وتركيا إلي الاعتراف في النهاية بالأمر الواقع والتعامل معها كقوة نووية إقليمية لا يستهان بها‏,‏ ليكون لها نصيبها في الكعكة الشرق أوسطية‏.‏
والكل هنا يحاول شراء الوقت لتغيير المعادلة لصالحه وتحقيق أهدافه‏.‏
إيران أدارت مباراتها الدبلوماسية بنجاح حتي الآن‏,‏ حيث قامت وفي الخفاء بإرسال مبعوثين رسميين‏,‏ وغير رسميين إلي الولايات المتحدة الأمريكية وإرسال رسائل إلي إسرائيل ودعونا لا ننسي فضيحة إيران‏-‏ كونترا وما كشفته عن اتصالات خفية بين إيران وإسرائيل‏,‏ كما جرت لقاءات بين زلماي خليل زاد سفير أمريكا في العراق‏,‏ وبين إيرانيين في جنيف‏,‏ كما زار واشنطن أخيرا بحجة إلقاء محاضرات في معاهد أبحاث شخصية أكاديمية إيرانية مهمة‏,‏ والتقي مع عدد من المسئولين الأمريكيين منهم نيكولاس بيرنز نفسه‏,‏ إلا أن هناك أزمة ثقة كبيرة لاتزال بين البلدين خاصة أن إيران ساعدت في موضوع تشكيل مجلس الحكم في أفغانستان منذ أربع سنوات‏,‏ وبعدها بـ‏20‏ يوما فقط أعلن بوش محور الشر والذي ضم إيران وكوريا الشمالية والعراق‏.‏
وتبدو أزمة عدم الثقة واضحة في تصريحات أحمد خاتمي‏,‏ عضو مجلس الخبراء الإيراني الذي أكد في خطبة الجمعة أن تهديدات الغرب لإيران مثل ترويع بطة لكي تهرب من الماء‏,‏ وهو أمر غبي للغاية‏.‏
أما يوشكافيشر وزير خارجية ألمانيا السابق فأكد في مقاله في صحيفة الواشنطن بوست أن إيران تسعي بالفعل لامتلاك سلاح نووي لفرض سيطرتها الإقليمية مما سيجعل أمن واستقرار أوروبا نفسها محل شك‏.‏
وأضاف‏:‏ إن السؤال الذي يشغل محور الأزمة حاليا هو من الذي سيسيطر علي الشرق الأوسط‏,‏ إيران أم الولايات المتحدة في المستقبل؟
الكل ينتظر الإجابة عن هذا السؤال والمخاوف الخليجية والعربية تزداد وقد أكدت مصر موقفها من الأزمة بضرورة عودة الملف النووي الإيراني إلي وكالة الطاقة الذرية‏,‏ ومباشرتها لدورها طبقا لصلاحياتها من ناحية‏,‏ والتزامات إيران كطرف بمعاهدة منع الانتشار النووي من ناحية أخري‏,‏ كما أكدت مصر أهمية تفادي المواجهات والابتعاد عن التهديد بالعقوبات‏,‏ وعبرت عن رفضها لما يطلق عليه الابرتياد النووي‏,‏ أي تفضيل إسرائيل كدولة نووية فقط‏.‏
وأكد أحمد أبوالغيط عندما سألته عن ذلك قال‏:‏ إن مصر تري ضرورة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من كل أسلحة الدمار الشامل وانضمام كل دول المنطقة إلي معاهدة منع الانتشار النووي‏,‏ وهناك طرح مصري تقدمت به مع إيران عام‏1974‏ للجمعية العامة للأمم المتحدة لإعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية‏,‏ وهو مطلب دائم نتمسك به ونطرحه دائما‏,‏ ونتصور أن المجتمع الدولي عليه أن يدفع بهذا الأمر خاصة في هذا التوقيت‏,‏ وقد تمسكت مصر أثناء اجتماع الوكالة الدولية منذ عدة أشهر لبحث الملف الإيراني الذي يتضمن القرار الصادر عن الوكالة النص علي إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل‏.‏
وأضاف أن ما يقلق الأطراف أن تتعقد المسائل لنري في الشرق الأوسط مواجهات عسكرية لا داعي لها‏,‏ فنحن لا ترغب في رؤية بؤرة توتر إضافيةوقد زار مصر الأسبوع الماضي علي لاريجاني أمين عام المجلس القومي الإيراني في محاولة لطمأنة الجميع بسلامة موقف بلاده‏.‏
كما قام وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي بالاتصال بشكل مستمر مع نظرائه في المنطقة‏,‏ خاصة مع أحمد أبوالغيط‏,‏ حيث لم تمر عدة أيام طوال الشهرين الماضيين‏,‏ إلا وكان هناك اتصال مباشر من متقي له في محاولة لطمأنة مصر التي تعد دولة إقليمية مهمة في المعادلة‏.‏
وعلمت الأهرام العربي أن لقاء سيتم بين أبوالغيط ومتقي علي هامش الاجتماع القادم لوزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي المقرر عقده في باكو بأذربيجان ما بين‏19‏ إلي‏21‏ يونيو الحالي‏.‏
ووسط هذه المباراة المليئة بالمصالح والأهداف المتضاربة يظهر لاعبون أساسيون هم‏,‏ علي لاريجاني‏,‏ أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني‏,‏ ونيكولاس بيرنز المرشح لمنصب نائب وزيرة الخارجية الأمريكية بعد انسحاب روبرت زوليك من الأضواء‏.‏
لاريجاني يتميز بالهدوء وهو دبلوماسي محنك‏.‏ وقد علق علي العرض الذي قدمه سولانا بأنه لا يحتوي علي وقت محدد للرد ولا علي عقوبات أو شروط مسبقة‏,‏ وأكد أن الاقتراح يحتوي علي خطوات إيجابية ونقاط غامضة‏,‏ وأن هناك أفكارا إيرانية سيتم تقديمها في المقابل‏,‏ لكنه لم يحدد التوقيت لذلك‏.‏
لاريجاني كان قد أدلي بحديث لصحيفة سفينسكا داجبلات السويدية الأسبوع الماضي أكد فيه أن التعليقات الأمريكية السلبية تجاه إيران عشنا معها علي مدار‏28‏ عاما‏,‏ لكننا لم نتأثر‏,‏ وأضاف‏,‏ أعتقد أنه يمكن الحفاظ علي السلام العالمي دون هذه الكلمات الوقحة‏,‏ والمعروف أن العلاقات الأمريكية الإيرانية قطعت عام‏1979‏ عقب أزمة الرهائن‏.‏
أما نيكولاس بيرنز‏,‏ المسئول حاليا عن ملف المفاوضات مع إيران فقد شرح رؤيته في محاضرة‏11‏ مايو الماضي في معهد واشنطن‏,‏ حيث أكد أن التركيز كان في القرن الماضي علي أوروبا‏,‏ أما هذا القرن فهو قرن شرق أوسطي‏,‏ لأن التركيز سيكون علي الشرق الأوسط الكبير الذي يؤثر علي المصالح القومية الأمريكية وأمن الشعب الأمريكي‏.‏
وأكد بيرنز أن إيران بما لا يدع أي مجال للشك تقوم بتطوير برنامجها النووي للحصول علي سلاح نووي مما يشكل تحديا مباشرا لكل ما تسعي أمريكا لتحقيقه في الشرق الأوسط‏.‏ وسيكون له تأثير علي الأمن الأمريكي وأمن أصدقائها وحلفائها في الشرق الأوسط الكبير‏,‏ كما أن إيران هي الممول الأساسي للعديد من الجماعات الإرهابية الرئيسية‏.‏
وأكد بيرنز بصراحة أن هناك حاجة أمريكية وأوروبية وبمساعدة دول أخري للتدخل بقدر ما تستطيع لمساعدة الإيرانيين في الداخل المؤمنين بأهمية الديمقراطية وإحلالها في بلادهم‏.‏
وقال إن أمريكا تسعي لبناء تحالف دولي وإعطاء فرصة للمفاوضات بدون حل وهو ما توقعه بيرنز فإن بلاده ستقوم ببناء تحالف مع الصين وروسيا والهند وأوروبا لعزل إيران دبلوماسيا واستخدام الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن للضغط علي الحكومة الإيرانية وإصدار قرار طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة‏,‏ وأن ذلك سيم خلال أسابيع قليلة قادمة‏.‏
وأوضح بيرنز أنه في حالة عدم التمكن من الوصول إلي هذا القرار معززا بالفصل السابع فإن أمريكا وحلفاءها ستفرض عقوبات ضد إيران كمرحلة أولي‏.‏
أما علي لاريجاني فقد رفض في القاهرة الكشف عن تفاصيل الأفكار الإيرانية البديلة أو الرد الإيراني علي مقترحا ت سولانا‏,‏ كما رفض الجانب الأوروبي التحدث رسميا عن تفاصيل خطة العصا والجزرة‏,‏ إلا أن تسريبات عديدة أظهرت أن هناك ضمانات ستعطي للإيرانيين في شأن مستقبلهم النووي في حال أسفرت أية تطورات عن منع وصول تقنيا ت نووية لازمة لبرنامجها السلمي الذي سيتم من خلاله تخصيب اليورانيوم في روسيا‏,‏ وكذلك الموافقة علي حق إيران في الوصول إلي التقنيات اللازمة لبرامجها السلمية‏.‏ وانضمام إيران لمنظمة شنغهاي للتعاون والتي تتمتع فيها بصفة مراقب‏,‏ وستعقد قمة شنغهاي في منتصف يونيو الحالي‏,‏ ويسعي نجاد لحضورها‏,‏ وسيمنح هذا الانضمام إيران ضمانات أمنية واسعة إذا ما تعرضوا لاعتداء خارجي‏,‏ وهناك عرض بتقديم مفاعل نووي يعمل بالماء الخفيف‏,‏ وكسر الحظر علي وصول السلاح إلي إيران‏.‏
والسؤال هو‏:‏ هل تنجح إيران في كسب المباراة والإفلات من العقوبات واحتمالات ضربة عسكرية‏,‏ وتأكيد دورها كقوة إقليمية وتثبيت أوضاعها في العراق ولبنان وسوريا والخليج وفرض الأمر الواقع وإجبار أمريكا علي التعامل بواقعية والوصول معها إلي صفقة معينة بنظام المقايضة لربط الملف الإقليمي بالملف النووي‏.‏
والإجابة ليست سهلة خاصة أن هناك محاولات إيرانية لشراء المزيد من الوقت وحتي الحصول علي سلاح نووي خلال العامين القادمين ومع انشغال الإدارة الأمريكية بانتخابات الكونجرس في نوفمبر المقبل‏.‏ وفي ظل وجود مخاوف من تصعيد إيران للأزمة إذا تعرضت لعقوبات ففي يدها ورقة تهديد القوات الأمريكية في الخط الأخضر بالعراق ووقف الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر منه‏%40‏ من بترول العالم‏,‏ مما سيسبب ارتفاع سعر برميل البترول إلي‏300‏ دولار وتخريب الاقتصاد العالمي خاصة إذا تحالفت معها دول مثل فنزويلا والصين وروسيا‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 17 / 6 / 2006
رقم العـدد
482
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg