الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 العرب والعالم
3دول مجلس التعاون الخليجي في مفترق طرق

هل تخرج الأحزاب السياسية إلي العلن؟

السبت 17 / 6 / 2006

أعد الملف من الدوحة‏:‏ العزب الطيب الطاهر


فجر عبدالرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي قنبلة من العيار الثقيل وذلك من خلال دعوته إلي إقامة نوع من المنابر السياسية التي تعمل علي استقطاب مختلف التيارات والقوي الحية في المجتمعات الخليجية وتسهم في تنشيط الحوار السياسي المنظم والإيجابي‏'‏ عندما تتوافر الظروف المهيئة لذلك‏'‏ علي حد قوله أمام ندوة خصصت لمناقشة مستقبل الديمقراطية بدول مجلس التعاون الخليجي عقدت بالدوحة أخيرا‏.‏ ويلفت العطية في سياق هذه الدعوة إلي أن هذه المسألة أصبحت مطروحة في بعض الأوساط الاجتماعية الخليجية ورأي أنها تحتاج إلي المزيد من البحث والمناقشة الموضوعية مؤكدا أن عملية الإصلاح الديمقراطي بدول مجلس التعاون حتمية لا مفر منها باعتبار أن الأوضاع الداخلية والتطورات العالمية قد وضعت المنطقة علي مفترق طرق وخيارات صعبة تتعلق بمنهجية الإصلاح السياسي الجوهري مشيرا إلي أن ضغوط العصر لم تعد تسمح بالتعامل مع متطلبات الإصلاح بشكل هامشي وسطحي لأنه يتعلق بمصير شعوب المنطقة‏.‏
وتعيد دعوة العطية إلي الأذهان ما طرحه الرئيس المصري الراحل أنور السادات خلال السبعينيات من القرن المنصرم بخصوص تأسيس عدة منابر لاحتواء مارأي أنه يمثل التيارات السياسية الثلاثة آنذاك‏:‏ الوسط واليمين واليسار وهي الخطوة التي مهدت فيما بعد إلي قيام الأحزاب السياسية في مصر المحروسة فهل يفضي اقتراح الأمين العام لمجلس التعاون إلي انبثاق الأحزاب في المنطقة التي لم تمنح دولها الشرعية لقيام أحزاب رغم أنه علي المستوي الواقعي فإن هذه الأحزاب قائمة بالفعل فيما يسمي بالجمعيات الفكرية والفئوية بل والدينية ؟
إن دعوة العطية كما أكد هو في حاجة إلي البحث والمناقشة الموضوعية واحسب أن جملة من الأسئلة يتعين طرحها بدون أي حرج منها‏:‏
‏*‏ هل المنطقة في حاجة حقيقية إلي الأشكال والصيغ الحزبية المتعارف عليها ؟
‏*‏ هل سيكون من شأن هذه الأحزاب الإسهام في تعميق المسارالديمقراطي أم أنها ستكون لمجرد اكتساب شكل تجميلي للفت الانتباه إلي أن هذه الدولة أو تلك لديها أحزاب ؟
‏*‏ ألا يوجد ثمة خوف أن تقود الأحزاب إلي تمزيق الأواصر الاجتماعية التي تتسم بقوتها في المنطقة ؟
‏*‏ هل الشعوب في المنطقة قادرة علي استيعاب فكرة الأحزاب وأنها مجرد آلية من آليات الحراك الديمقراطي وليست غاية في حد ذاتها ؟
‏*‏ هل المجتمعات الخليجية مهيأة بالفعل للتنافس الحزبي ومن ثم إلي تداول السلطة علي مستوي الحكومات التي تشكلها الأحزاب؟
‏*‏ كيف تتقبل التيارت المحافظة فكرة اقامة منابر قد تقود إلي أحزاب يوما ما خاصة أن بعض رموز هذه التيارات بالكويت أبدت رفضا لفكرة قيام أحزاب خوفا مما تسميه بتأثيراتها السلبية علي وحدة المجتمع ؟
‏*‏ إلي أي مدي سوف تتجاوب النظم الحاكمة في المنطقة مع الفكرة خاصة أنها مقدمة من الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أي أنه يعبر بشكل أو بآخر عن توجه منظومة تجمع دول المجلس‏,‏ لاسيما أن هذه الدول تتبني موقفا صارما في رفض قيام الأحزاب علي الأقل حتي الآن ؟
‏*‏ إلي أي مدي أيضا يمكن أن تتقبل مؤسسة القبيلة في المنطقة هذه الدعوة التي يمكن في حال الاستجابة لها أن تخصم من نفوذها القوي والمتنامي رغم كل مقومات التحديث في المنطقة ؟
هذه الأسئلة أو بالأحري بعضها طرحتها‏'‏ الأهرام العربي‏'‏ علي عدد من النخب الفكرية والسياسية بدول مجلس التعاون وجاءت إجاباتهم علي النحو التالي‏:‏
في البداية كان من الأهمية بمكان تقديم نوع من التوصيف العلمي لإشكالية قيام الأحزاب في منطقة الخليج وذلك عبر اللقاء مع الباحث القطري المتخصص في القضايا السياسية الشيخ أحمد بن ناصر آل ثاني‏.‏
فعلق قائلا‏:‏ إن هذا التساؤل يحمل في طياته متغيرين يجب النظر فيهما قبل الإجابة عنهما اولهما البيئة السياسية بكل مفرداتها والثاني الأحزاب ففيما يتعلق بالبيئة السياسية فإنها تشتمل علي العديد من العناصر من أهمها‏:‏ أطر نظم الحكم ومؤسساتها وطبيعة التحالفات والتوازنات التي يقوم عليها الحكم واستقراره وكذلك طبيعة النظام الاقتصادي ومدي تفاعله إيجابا أو سلبا مع النظام السياسي إضافة إلي عنصر رابع يتمثل في اختلاف الخبرة الديمقراطية من دولة خليجية إلي أخري ومن نافلة القول‏-‏ يضيف‏-‏ فإن ثمة قواسم مشتركة عديدة بين دول الخليج فيما يتعلق ببيئتها السياسية فهي علي صعيد نظام الحكم تقوم جميعا علي الحكم الوراثي داخل عائلة حاكمة وفي ذريتها وإن اختلفت درجة وشكل انتقال الحكم وتوارثه فإما يكون بين الأب وأبنائه أو الأخ وإخوته أو بين أولاد العم وفي كثير من الأحيان يكون رئيس الوزراء أيضا أخا أو ابنا أو ابن عم الحاكم ويتم تعيينه في كل الأحوال من قبل الحاكم مباشرة وبما يعبر عن إرادة الحكم الحرة المنفردة وبما يحقق الصالح العام‏.‏
أما فيما يتعلق بطبيعة التحالفات الداخلية وهي باختصار العلاقات الطويلة المدي والتي بمقتضاها ارتضي نظام الحكم حدودا معينة لمشاركته من قبل آخرين في قيادة الدولة فإنها تختلف من دولة إلي أخري من حيث مدي المشاركة ونوع المشاركين في هذا التحالف وهي تتراوح بطبيعة الحال بين ثلاثة نماذج الأول‏:‏ تحالف بين العائلة الحاكمة وطبقة التجار وهو ما يشكل‏'‏ أوليجاركية‏'‏ حاكمة ذات طبيعة خاصة والنموذج الثاني يتمثل في التحالف بين العائلة الحاكمة ورجال الدين وهو ما يقود إلي تخوم ما يمكن تسميته بالدولة الدينية صحيح لا يصل الأمر إلي اعتبارها دولة دينية بالمعني المطلق لكنه يذهب بالدولة إلي الحد الفاصل بين الدولة الحديثة والدولة الدينية أما النموذج الثالث فهو يجمع بين النموذجين السابقين‏.‏
غير أن هذه التحالفات‏-‏ الكلام للشيخ أحمد‏-‏ قد شهدت قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر‏2001‏ بفترة قصيرة بعض التحولات والتبدلات إلا أن أحداث سبتمبر نفسها فأقمت من هذا التحولات وأسهمت في فك الارتباط بين العائلة الحاكمة ورجال الدين والأمر اللافت في كل انظمة الحكم بمنطقة الخليج أنها تملك وتحكم وذلك في حد ذاته أمر شديد التأثير علي القضية محل البحث وهي مدي قابلية البيئة السياسية الخليجية لفكرة قيام أحزاب في المنطقة‏.‏
وإذا توقفنا عند طبيعة النظام الاقتصادي في المنطقة فإنه كان لمرحلة قريبة جدا يتسم بطبيعة ريعية أي أنه كان ومازال إلي حد بعيد يعتمد علي ما تجود به الطبيعة‏-‏ برا أو بحرا أو من خلال الموقع الجغرافي‏-‏ من إيراد يشكل مصدرا لأرزاق الناس وهي ثروات متاحة دون أن يكون للإنسان فضل في خلقها أو تصنيعها وإنما هو يقوم فقط باستخراجها ويرتبط بهذا العامل عامل آخر يتمثل في الولاء السياسي الذي يتطور مع طبيعة النظام الاقتصادي وبطبيعة الحال فإن الولاء السياسي هنا يرتبط وبالدرجة الأولي بالقوة أو القوي المهمينة علي استخراج تلك الثروات والتي تهيمن علي قدرة العطاء والمنح وبالتالي تصبح مركزا للولاء السياسي وعلي العكس من ذلك فإن النظم الاقتصادية‏-‏ الصناعية الرأسمالية‏-‏ تقوم علي تحويل المواد الخام إلي سلع نافعة‏:‏ آلات أو معدات أو سلع استهلاكية أو خدمية ومن ثم فإن نمط الولاء السياسي غالبا ما يكون بعيدا‏-‏ لو ترك بحرية دون تدخل أو دون هيمنة رأس المال‏-‏ عن صاحب رأس المال أو صاحب دولاب العمل وبالتالي فإن لهذه النقطة بالذات علاقة التناقض بين النظام الاقتصادي والريعي والنظام الاقتصادي الرأسمالي ونمط الولاء السياسي تعد من الأهمية بمكان إن لم تكن الأهم علي الإطلاق في تحديد درجة قبول البيئة السياسية الخليجية لنشوء الأحزاب‏.‏
أما فيما يتعلق بالنظام القبلي فإن دول الخليج تتميز بقوة ونفوذ القبيلة علي أفرادها وتشكيلهم علي المستوي النفسي ومن ثم يصعب تصور‏-‏ مع استمرار نمو القبيلة وازدياد أعداد أفرادها وتفرعها وتبدل تحالفاتها‏-‏ أن تصبح ذات توجه واحد ذي إجماع عام وبالتالي فإنه ليس من السهل تصور قيامها بلعب دور أساسي في تشكيل العلاقة بين البيئة السياسية الخليجية وقبول أحزاب داخل هذه البيئة وإن كان من الصعب في الوقت ذاته إنكار دور القبيلة كليا في التأثير علي هذا التوجه‏.‏
ويري محدثنا في السياق ذاته أن تحالفات النظم القائمة علي تحالف العائلة الحاكمة مع رجال الدين أو التجار أو مع كليهما معا سوف تتناقض مع وجود الأحزاب التي يجب أن يكون تحالف نظام الحكم معها أو مع الحزب الفائز بالانتخابات وليس مع غيرها وبذلك فإن طبيعة التحالفات السياسية الداخلية هنا ستعوق نوعا ما نشوء الأحزاب في المنطقة ونفس المنطق سيسود عند النظر إلي طبيعة النظام الاقتصادي ونمط الولاء السياسي فبقاء النظام الاقتصادي الرعوي وبالتالي ارتباطه بقدرته علي المنح والمنع وارتباط الولاء السياسي بمركز هذا النظام القادرسيؤدي إلي تناقض حاد مع قيام الأحزب ونجاحها في التعبيرعن مطالب شعبية ومن ثم يؤثر ذلك علي قدرتها علي الوصول إلي السلطة أما فيما يتعلق بالنظام القبلي فإن دور القبيلة يكمن في توجيه أفرادها نحو تأييد شخص محدد بغض النظر عما يدعو إليه ومدي اتساق ذلك مع الرغبات الفردية ولاشك أن كثرة أعداد القبيلة تجعل من الصعوبة بمكان توحيد كلمتها حول مرشح بعينه‏,‏ وبالتالي فإنها لا تلعب دورا مؤثرا كعامل مشجع أو مثبط لنشوء الأحزاب‏,‏ وبالأحري يمكن اعتبارها عاملا محايدا في ذلك السياق أما عن عمق التجربة الديقمراطية فإن هذا العامل يجعل ترتيب الدول المؤهلة لتقبل الجنين الحزبي هي بالترتيب الدول الأكثر عمقا في تكوين هيئات نيابية أو جمعيات وطنية وتقل بالتدريج ولكن ليس بالضرورة هنا أن تمتلك الدولة خبرة ديمقراطية مثل الكويت حتي يكون بمقدورها تقبل نشوء أحزاب بها‏.‏
و سألت الأهرام العربي علي سيف بن هاشل المسكري الأمين العام المساعدالسابق لمجلس التعاون الخليجي للشئون السياسية وعضو الهيئة الاستشارية للمجلس حاليا فقال‏:‏
في تقديري أنه لا يمكن استنساخ تجربة المنابر التي اقترحها الرئيس السادات لأن المرحلة التي تعيشها حاليا منطقة الخليج تجاوزت هذا الطرح فإما أن نقوم بإصلاح حقيقي أو لا مبرر علي الإطلاق لقيام هذه المنابر لأن هذه المنابر عندما تم تأسيسها في مصر كانت بمثابة مرحلة عنوان لمرحلة انتقالية للتحول من النظام الأحادي إلي نظام يتيح إمكانية تعدد الاتجاهات والأفكار‏,‏ أما الآن فإن فكرة تعدد الأفكار باتت مقبولة في العالم العربي وفي منطقة الخليج ولم تعد تمثل إشكالية حقيقية‏.‏
‏*‏ لكن دعوتك إلي إقامة إصلاح حقيقي في منطقة الخليج تتطلب بالضرورة اتاحة المناخ لتعددية سياسية تتجلي في قيام أحزاب سياسية ؟
ثمة تجارب علي صعيد الأحزاب أو بالأحري علي صعيد وجود تيارات واتجاهات سياسية ومع الأسف لم تثمر مردودا إيجابيا بل أضحت تشكل نوعامن البطء في المضي قدما بعملية الإصلاح السياسي فما لاحظناه من خلال تعدد الاتجاهات في بعض البرلمانات أنها بدلا من أن تكون هذه الاتجاهات إضافة للعملية الإصلاحية فإنها تحولت إلي مجرد إثارة للطروحات والخطابات السياسية دون أن يصب ذلك باتجاه تعميق العمل الديمقراطي والتنموي وبالتالي فإننا في حاجة إلي إصلاح حقيقي‏.‏
‏*‏ ألا تلاحظ نوعا من الخوف من قيام الأحزاب فالكويت علي الرغم من مضي أكثرمن‏45‏ عاما علي تجربتها الديمقراطية لم تسمح بقيام أحزاب وفي قطر التي تمثل احدث تجربة ديمقراطية هناك شبه خصومة مع الأحزاب فلماذا هذا الخوف من الأحزاب السياسية في المنطقة ؟
ليس بوسعي تقديم اجابة شافية عن هذا السؤال بيد أنه لدي الأنظمة الخليجية بكل تأكيد مسبباتها لعدم السماح بقيام أحزاب سياسية وربما يكون أحد هذه المسببات هو الخوف من أن تتأثر هذه الأحزاب بالقوي الخارجية تمويلا وفكرا والعنصر الأخير هو الأكثر تأثيرا في دول لا يرقي التمويل فيها إلي مستوي الإشكالية ولاشك أن ذلك ينطوي علي مردود سلبي علي العمل الوطني الداخلي وعلي أي حال فإنه قبل التحدث عن اشكالية الأحزاب في المنطقة فإنه يتعين تناول قضية حرية الرأي وانعكاس ذلك علي عملية توجيه العمل السياسي في الدولة وهنا فإن تكريس الإعلام الحر من الأهمية بمكان في هذا السياق‏.‏
‏*‏ علي الرغم من عدم وجود أحزاب في منطقة الخليج بشكل رسمي إلا أن ثمة جمعيات فئوية ودينية وربما ثقافية تعبر عن قوي معينة في الشارع ألا يمثل ذلك إمكانية تسهيل ولادة الأحزاب طبيعيا في المنطقة ؟
إن تجاربنا في المنطقة العربية تؤكد أن الأحزاب القائمة بالفعل تخضع لسيطرة فئات معينة وألفت في هذا السياق إلي أن الأحزاب الاشتراكية تحولت الآن إلي أحزاب عائلية وهي ترفع شعار الحزب من أجل تكريس هيمنتها والوصول إلي السلطة بالطبع‏.‏
‏*‏ إلي أي مدي تري تأثير مؤسسة القبيلة التي تتسم بنفوذ واسع في المنطقة هل يمكن أن تلعب دورا سلبيا علي إمكانية نشوء أحزاب بها ؟
صحيح أن مجتمعاتنا قبلية إلا أن النخب المثقفة والتي نشأت منذ حقبة الخمسينيات من القرن الماضي قادرة علي تجاوز هيمنة مؤسسة القبيلة‏.‏
‏*‏ يبدو لي أنك لا تقر فكرة قيام منابر في دول الخليج تقود إلي أحزاب ؟
لا أعتقد أن هذه الفكرة صالحة للمنطقة وفق المتغيرات الراهنة فهي إن كانت قد صلحت في فترة ما في دولة ما هي مصر لكني أشك في صلاحيتها الآن في منطقة الخليج‏.‏
وفي رأي المفكر الكويتي الدكتور محمد الرميحي فإن منطقة الخليج تشهد حاليا ما يمكن تسميته بتوسيع التجربة الديمقراطية فالكويت أتاحت أخيرا للمرأة حق الممارسة السياسية ترشيحا واقتراعا وثمة حراك سياسي تشهده بقية دول مجلس التعاون باتجاه إجراء انتخابات برلمانية لأول مرة كحالة قطر العام القادم وكذلك في الإمارات والبحرين تعمق من خيارها الديمقراطي وعمان تتحرك بهدوء نحو هذا الخيار وبما أن التكوين العام في المنطقة ذو طابع قبلي بالأساس إلي جانب وجود توجهات دينية ومن ثم فإن قيام أحزاب سياسية علي نحو منظم ووفق القواعد العالمية المتعارف عليها يعد أفضل كثيرا من المرور في طريق التجربة والخطأ في مجتمعاتنا الخليجية‏.‏ يضيف‏:‏ أن الأحزاب يمكن أن تقنن وبالتالي يتم إبعادها عن القبلية أو الطائفية بيد أن الأهم هو أن تتسم بالوضوح في أهدافها وبرامجها أمام الناس بحيث يكون بمقدورهم أن يختاروا من ترشحهم هذه الأحزاب بدلا من أن يتقدم الأفراد كمرشحين في العلمية الانتخابية للوصول إلي البرلمان لأن هذا يجعل من امر محاسبة هؤلاء الأفراد تحت مجهر هذه الأحزاب‏.‏ لكن في المقابل فإن العالم يتحرك بسرعة حتي في الغرب فإن الأحزاب لم تعد علي النحو الذي كانت عليه في السابق فهناك الآن مايسمي بالمجتمع المدني بيد أن المعضلة تكمن في أن المجتمع المدني في منطقة الخليج يتسم بالضعف والوهن الشديدين لأسباب سياسية واقتصادية فضلا عن أن معظمها هو جزء من منظومات السلطة إضافة إلي ذلك فإن الأحزاب لم يعد بمقدورها وحدها بلورة القوانين والاتجاهات لأن الشارع بات يتدخل علي نحو مباشر لحسم الأمور خاصة في الغرب فعلي سبيل المثال فإن الحزب الحاكم في فلانسا أقر أخيرا قانونا يتعلق بنظام العمل إلا أن الشارع الذي لم يتجاوب مع القانون تحرك محتجا فأسقط القانون والأمر ذاته حدث للدستور الأوروبي الذي حظي بإجماع الحكومات الأوروبية لكن الشارع أسقطه في غير دولة‏.‏
‏*‏ هل يمكن في رأيك أن تمهد دعوة العطية إلي قيام منابر سياسية إلي نشوء الأحزاب في منطقة الخليج؟
من الأهمية بمكان إدراك أن الأحزاب والديمقراطية في الغرب نشأت من خلال البرلمانات ولم تنشأ من خارج هذه البرلمانات بعكس النقابات التي نشأت من خارج البرلمانات وضد رأس المال في ذلك الوقت ومن ثم أعتقد أنه علينا أن نفكر بجدية في معالجة هذه الإشكالية وذلك في ظل ما نشهده من أن الأحزاب في المنطقة العربية تنشأ إما في إطارمظلة دينية أو مظلة منطقية أو قبلية ففي بلد مثل مصر لفت انتباهي تعبير للمفكر المصري السيد ياسين مؤداه أن المصريين انتخبوا علي أساس قبلي في الانتخابات الأخيرة والأمر ذاته يشكو منه اللبنانيون وكلا البلدين يمثلان نموذجا في الممارسة الديمقراطية فمابالك بدول الخليج؟ أن الأمر يستدعي في تقديري‏-‏ الكلام للدكتور الرميحي‏-‏ إجراء إصلاح سياسي هيكلي فضلا عن ضرورة تحسين شروط تطبيق الديمقراطية‏.‏
‏*‏ لكن النخبة الحاكمة في الخليج هل بوسعها أن تقبل بوجود الأحزاب التي تمهد بالضرورة إلي تداول السلطة وتكريس التعددية ؟
لا أحد في العالم يقبل أن يشاركه غيره في السلطة فهي عملية في حاجة إلي نمو وعي وتجاوب مع متطلبات فائض تاثير العولمة أي أن الأمر يتطلب تقديم قدر من التنازلات من قبل النخب الحاكمة‏.‏
‏*‏ هلي تري أن المنطقة مهيأة بالفعل لنشوء أحزاب سياسية ؟
لا أعتقد أنها مهيأة علي النحو الذي ننشده بيد أن هذه الأحزاب سوف تأتي سريعا وإن كان الأمر قد لا يأخذ الصيغة الحزبية المتعارف عليها مثلما يحدث في الكويت فثمة تجمعات فئوية ودينية تعبرعن جماعات معينة ذات تمايز واضح في الرؤية والفكر والتصورات وهناك أصوات تطالب بضرورة نشوء الأحزاب وهو متجل في غير تصريح لرئيس الأمة الكويتي السابق جاسم الخرافي الذي أكد حاجة البلاد إلي أحزاب علنية لأن الكويت بلغت قبل فترة حالة أزمة تمثيل حقيقية وهو الأمر الذي يستدعي تعديل القانون الانتخابي وتوسيع الدوائر من أجل الحد ي من التأثير القبلي والطائفي والمالي والسياسي أيضا وهو الأمرالذي فجر الوضع برمته أخيرا وقاد إلي حل مجلس الأمة وإجراء انتخابات جديدة نهاية الشهر الحالي‏.‏
‏*‏ في رأيك هل مؤسسة القبيلة في دول مجلس التعاون تقبل بنشوء الأحزاب السياسية التي يمكن أن تخصم من رصيد نفوذها القوي والمتنامي بالرغم من كل أشكال التحديث في المنطقة؟
ثمة تيارات تقبل فهي في نهاية الامرتنتمي إلي قبيلتها لماذا لأنني أعتقد أن القبيلة كانت باتجاه الاضمحلال لكن التجربة الديمقراطية انعشتها في ظل غياب فكرة المواطنة وفي ضوء ذلك فإن الناس تريد أن تنتمي إلي قيادات تقدم لهم بعض الخدمات وأفضل طريقة لذلك هي عن طريق علاقات الدم والنسب التي تجسدها مؤسسة القبيلة بيد أنه لو أن ثمة تفكيرامبكرا في مسألة الموطنة وبناء الأحزاب لكان ذلك أفضل بكثير وبلا شك هناك تحفظات عديدة علي التمثيل القبلي لأنه لا يتيح للمواطن التنافس الحقيقي‏.‏
ومن دولة الإمارات العربية المتحدة يتحدث الدكتور عبد الخالق عبد الله أستاذ العلوم السياسية بجامعة الامارات مؤكدا أن الأحزاب ستكون هي النتيجة الطبيعية والنهاية المنطقية للمسار الإصلاحي والانفتاح الديمقراطي الذي تشهده منطقة الخليج العربي والذي تجلي في غير صورة بكل دول مجلس التعاون تقريبا وإن تباينت مستويات هذا الانفتاح بين دولة وأخري ثم يضيف‏:‏ عندما نقارن اليوم مستوي الانفتاح الديمقراطي بما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات سنرصد خطا بيانيا تصاعديا وأحسب أن هذا التصاعد سيستمر فدول مجلس التعاون تمكنت من إنجاز حداثتها الاقتصادية والاجتماعية إلي حد بعيد وهو ما يتطلب منها الآن أن تنجز حداثتها السياسية باتجاه بناء مؤسساتها ومن ثم فإن الأحزاب قادمة ونلمس محاولات حقيقية علي هذا الصعيد في الكويت علي سبيل المثال من خلال بروز العديد من الأندية والجمعيات السياسية وكذلك الأمر في البحرين وهو تيار سينتشر في المنطقة في المستقبل‏.‏
‏*‏ لكن النظم الحاكمة تخشي من قيام هذه الأحزاب وهو ما يتجلي في رفضها السماح بنشوئها ؟
قبل عشر سنوات فإن الأنظمة الخليجية لم تكن تسمح بمفردة ديمقراطية تنطق وتنشر وتقال واليوم هي أكثر من يتحدث بالديمقراطية كما أنها لم تكن تتحدث عن الإصلاحات السياسية بشكل عام بل كانت تعتقد أنه لا حاجة لهذا النوع من الإصلاح بيد أنه بعد فترة ونتيجة للمطالب الشعبية من الداخل والضغوط الخارجية والمتغيرات الدولية باتت هذه الأنطمة تتحرك باتجاه حديث الإصلاح والانتخابات ومنح المرأة لحقوقها السياسية ومن ثم فإن هذه الأنظمة ستضطر إلي التكيف مع التحولات الجديدة وكما قبلت يوما بالديمقراطية والإصلاح فإنها ستقبل يوما ما بالأحزاب السياسية لتشكل رافعة للعملية الديمقراطية ربما بعد خمس أو عشر سنوات فهي لا يمكنها أن تعزل نفسها عن تيار إصلاحي سياسي جارف بما في ذلك نشوء الأحزاب‏.‏
‏*‏ لكن هل توجد ثمة قواعد جماهيرية أو بمعني آخر هل توجد جذورفكرية لنشوء أحزاب سياسية قادرة علي أن تتفاعل مع العملية السياسية في المنطقة ؟
إن لم تكن الجذور قائمة فسيؤتي بها في ظل التعليم الحديث والانفتاح وبروز الطبقات الجديدة ونشوء المصالح وكلها ستدفع إلي بروز تيارات سياسية ومن ثم الأحزاب‏.‏
أما الدكتورخالد الدخيل أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الملك سعود بالرياض فيلفت إلي أن فكرة الأحزاب مازالت غير ناضجة في العالم العربي وفي منطقة الخليج علي وجه التحديد ومن ثم فهو يري أنه من الصعوبة بمكان أن تقبل المنطقة بسهولة فكرة نشوء الأحزاب بفعل موقف الحكومات الرافض لقيام هذه الأحزاب وسيطرة الفكر الإسلامي التقليدي الذي مازال يعتبر أن التحزب عمل يقود إلي الفرقة والتشرذم وهي لم تستوعب بعد أن فكرة الأحزاب تعبر عن وجود منابرا واختلافات طبيعية قائمة في المجتمعات‏.‏
‏*‏ هل تلعب القبيلة دورا سلبيا في هذا الصدد ؟
لو نظرت إلي لبنان الذي يشهد تجربة حزبية قديمة لوجدت أن الأحزاب التي نشأت فيه قامت علي أساس عشائري وعائلي وبالتالي فإن القبيلة لم تمثل عاملا تعويقيا لقيام الأحزاب في لبنان لكن في منطقة الخليج نجحت الحكومات في أن توظف القبيلة لمنع نشوء الأحزاب ليس حبا في القبيلة في حد ذاتها ولكن من أجل مصلحتها السياسية بالدرجة الأولي‏.‏
‏*‏ في رأيك إلي أي مدي يمكن أن تدفع ضغوط النخب الثقافية في المنطقة إلي نشوء الأحزاب خاصة أن هناك نوعا من الفرز تشهده المنطقة علي هذا الصعيد فيما بين تيارات متعددة لكنها غير مبلورة في صيغ تنظيمية محددة؟
هذا يرجع أساسا إلي أن التيارات السياسية غير مبلورة في اتجاهات فكرية محددة فعلي سبيل المثال فإن الفكرة الليبرالية حديثة ووليدة ولا تتمتع بدعم شعبي إلي جانب أن المعارضة الشديدة للنظم الخليجية لفكرة الحزب تعد مؤشرا قويا علي أن قيام الأحزاب السياسية يبدو من الصعوبة بمكان‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 17 / 6 / 2006
رقم العـدد
482
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg