|
بقلم ـ خيري منصور شاعر فلسطيني من سمرقند إلي مأرب كل الطرق تقود إلي سمرقند, ولابد من صنعاء وإن طال السفر. هاتان العبارتان اعتنقتا في ذاكرة مفعمة بالأطلال, ففي خريف أوزبيكي, تحت سماء رمادية مترعة بأصداء الصهيل, وقفت مأخوذا بمشهد آسيوي, وقد لا تجود به قارة أخري. عنقود عجائز يتحلقن حول أكوام الزبيب واللوز والجوز, والبهارات التي ترشح منها روائح حريفة أمام شباك صغير يشبه ما كنا نسميه( باب السر), وقفت بجوار المترجمة الروسية ذات الأنف السلافي فيرانيكا وسرعان ما أغلقت العجوز الشباك ثم فتحته ثانية وهو يصر كما لو كان يفضح ما فعله الزمن بمفاصله. وسألتني فيما كانت أسنانها الذهبية تلمع. مسلمان؟ وهي تعني بالأوزبكية المسلم وحين أجبت نعم مستعينا بهزة رأس تغني عن الترجمة اتسع فمها تحت ابتسامة ذهبية, وقدمت إلي حفنة من الزبيب واللوز مدت راحة يدها كما لو كانت تعلف حصانا. عنئذ قالت لي فيرانيكا: لقد اختصرت هذه العجوز المسألة كلها, فهذا هو خريف اتحادنا السوفيتي, وكانت عيناها الزرقاوان دامعتين. بين سمرقند وصنعاء قرون موحلة من تاريخ بلا أعراس, سلاسل الجبال الداكنة المسننة تبدو كما لو أنها مصابة بالصداع, وقد أعياها ضجر الإقامة كما يفعل بالشجر الذي يستعيض عن المشي بالرقص. الحجارة التي مهرتها عوامل التعرية بتواقيع تصعب قراءتها, ترشح من مساماتها الرطبة بعد مطر صيفي عابر روائح أزمنة غابرة. وما يلوح في عيني هذا الطفل الذي استقر كنقطة فوق حروف السلالة وسطرها اللانهائي ينبيء عن عصيان ما علي الزوال. في سمرقند كانت المآذن مذبوحة الأهلة وأوعية شراب الخيال ناشفة أما هنا بين هذه الأطلال وعلي مقربة من مسجد( طلحة) تبدو الغيوم كما لو أنها حبلي بغير المطر, سماء محتقنة, لا أدري من أين تسربت إلي ذاكرتي تلك الحكاية التي تقول إن هذا الاحتقان هو مخاض الغزلان في لحظة الولادة. أحسست لشدة انجذابي إلي الماضي أنني صغرت كثيرا, فأصبحت مجرد صبي يمد قبضته الصغيرة وأصابعه العمياء إلي جد عجوز يقتاده ويعيد إليه الشعور بالأمان. إن ضجيج العربية الفصحي المرصعة بالمرجان في أزقة تبدو كما لو أنها لا تفضي إلي مكان, هو غير ذلك الضجيج المذهب في سمرقند, حيث اللغة الغربية والأسنان المطلية بالذهب, وحده المؤذن كان يعيدني إلي الملاذ فأصحو من حلم, كنت خلاله أصعد إلي السماء متسلقا جبلا مليئا بالعقد الغليظة. معاذ بن جبل, طلحة بن الزبير, أسامة بن لبج, أسماء زاوجت بين سمرقند وصنعاء فكان رنين أجراس الذاكرة يصدر عن لسان واحد, لكنه بشعبتين. الآن أدرك تماما ما الذي يعنيه الجبليون بقولهم إن الزبيب هو مستقبل العنب وأن الشهد هو مستقبل الأزهار, إن للتاريخ أيضا رحيقه, وللأطلال والخرائب المهجورة شذاها بين عشرات الأدراج العمودية, أفضت بنا إلي هذا المرتفع الذي تحف صنعاء القديمة به, بيوت الحجر والآجر تبدو حواريين يصغون بقداسة إلي هذا المرتفع, رغم أنه ليس معبدا ولا محراب فيه. كانت عيناه( سركون بولص) تومضان وقد كساهما ذهول مباغت قالي لي هنا لا في واشنطن أو باريس أو لندن يمكنني أن أقترب مني وأصغي إلي النداء القديم, كنا نتربع علي فراش واطيء في غرفة عالية, تشبه القبعة الحجرية لمبني من طابقين, فيما كانت الغيوم القادمة من المحيط تتهيأ لغسل المساء الخريفي. قلت لسركون: تخيل ما الذي يمكن أن تنجزه لو مكثت شهرا في هذا المرتفع؟ حيث لا يقاطعك مارد الفولاذ الذي يرطن بالانكليزية؟ ازدادت عيناه وميضا, وكانت الأبراج ذات المستطيلات البيضاء المشوبة بغبار القرون, تعلو, فتقترب السماء, ومن يدري لعل القمر يقفز إلي تلك النافذة عندما يكتمل في تمام بدره, لكننا لن نكون هنا ولن نراه. هل يمكن لقيصر أو امبراطور حتي لو كان( كاليغولا) أن يسند قصره علي صخرة؟ هذا( بيت الحجر) يبدو أنه ولد من صدع صخرة عملاقة, ولابد أن جيرانها من عرب ذلك الزمان الرملي قد أصغوا في الهزيع الأخير من تاريخهم إلي أنين مخاضها. سألت صديقي اليماني كيف استطاعوا رفع الحجارة إلي ذلك؟ فذكرني بالأهرام, وسور الصين وتاج محل, والمدائن المحرمة التي غرزت مخالبها العاجية في أحشاء( بكين), وكان القمر شديد العري والوحشة, وتعتريه قشعريرة الخجل لهول ما رأي في تلك الليالي الغابرة! كانت سمرقند تتوضأ في ظهيرة باردة, والشيخ الأوزبيكي يصعد السلالم نحو الضريح المغطي بالشراشف الخضراء, ثم يهبط وهو يحصي عدد السلالم, قال: إن ذلك هو امتحان المؤمن, لأن شحيح الإيمان لابد أن يخطيء في العد! لكن هذا الشيخ اليماني, الذي يحدق إلي الجبال الداكنة, ويعلك أوراقا تشبه النعناع, ويعتصر سلافها الأخضر, قال لي إن الزمن لا يعبأ بالناس, والتاريخ قلما يتخثر في الحجارة حتي لو كانت صرحا يشبه العجائب. أطرق, وكان وشم السيف يتموج علي ساعده, وأحسست أن التاريخ في إحدي قيلولاته, وأن الغد مجرد أمس أو بارحة مكررة! يشح الأكسجين في هذه المرتفعات لكن ثمة بدائل كثيرة إذ سرعان ما يتفتح القلب الراكد, وينبض علي إيقاعات الشجر الطاعن في الخضرة, إن الحفيف يعلن أحيانا أعمار الشجر, لهذا فهو إذ يحول ظلاله إلي مواعظ, إنما يقترح للتائهين في شعاب الجبال مرتقي آخر, يليق بتعبهم ولهاثهم! وفي مدخل خان الزبيب الأبواب الخشبية تبدو صدوعها بأعشاش الزمن, لقد باض هنا في هذا المكان الذي تتجاور فيه زنابيل الزبيب من أربعين سلالة, ويفقس ذات خريف. قال لي طفل له عينا شبح وضمور نخلة, إنه سليل عائلة العنب, وإن رحلة العناقيد من الشجر إلي زنابيل الزبيب, لا يعرف تفاصيلها إلا من عرفوا كلمة السر التي تهمس بها الشمس للكروم قبيل الغروب. في سمرقند عثرت علي ساعة جيب عثمانية تدار بمفتاح منفصل, وكانت واقفه منذ قرن, حاولت إدارة المفتاح, فانكسر, ولكنني اكتشفت أن العقرب دار لدقيقة واحدة وبضع ثوان, ثم توقف إلي الأبد. لم أصدق أن ما جري في هذا الزمن الذي تصر علي امتداده الأبواب لم يكن حلما. فقد اشتريت من محل لبيع الساعات القديمة في صنعاء ساعة جيب قديمة, لا أعرف عمرها, لكنها أيضا تدار بمفتاح صغير يشبه فراشة خرجت للتو من طور اليرقة, أدرته فانكسر, وتوقف الزمن للمرة الثانية. من سمرقند إلي صنعاء, رهان العودة المحتمة ووعد العتمة بالبرق, الذي لا يري في النار لم أسرج حصانا هناك, ولم التف بعباءتي هنا. كل ما في الأمر, أن الذاكرة لا تعترف بالمسافات سواء كانت في الجغرافيا أم التاريخ, وها آنذا علي تخوم الصحراء, أنظر إلي السماء مهجورة وأحصي ما تساقط علي كتفي من نجوم. في البداية سخرت من أية محاولة لتدوين الغيمة, وهي لم تلد بعد وكدت أعاني الانفصال عن مهنة وصفها حكيم صيني, بأنها تأسر الكون في قدم مربع من الورق! لكن فائض الأكسجين في الذاكرة, أغاثني فنمت كما لو لم أنم في المنخفضات التي طالما أصابني الأرق فيها. هذه المقاعد الوثيرة المطرزة والواطئة وهذه البراءة الجبلية التي لم يبلغها السوس بعد, كانتا نداء الصبي وقبضته المفتوحة, بأصابع عمياء تبحث عن جد يقتاده من مسجد طلحة إلي ضريح أسامة, من صنعاء إلي سمرقند, ومن شرق النسيان إلي أقصي غربه. ربما للمرة الأولي أثرت الانتشاء بتجربة بدلا من تحويلها إلي حبر وورق. لكن فائض الغياب يتشكل منه حضور لا يمكن الإمساك به بغير هذه الانحناءة علي الجذر, لفحصه, والتأكد من أنه لايزال هناك في عمق الرمل والطين. وأعترف بأنني لم أصب بدوار وقف عقارب ساعتي, وأسلمني لتقاويم الشمس الأولي كهذا الدوار الذي كان مبتدأه في سمرقند وخبره في مأرب! طريق الحرير.. طريق الخيش! كنت أقرأ عن المعرض الذي أقامته البحرية الفرنسية بإشراف اليونسكو باسم طريق الحرير.. الطريق الذي كان يسيطر عليه العرب عندما كانوا يسيطرون علي تجارة التوابل والحرير بين الشرق الأقصي والبحر المتوسط الذي كان يسمي ذات يوم( بحر العرب), ونجح البرتغاليون ومن بعدهم الهولنديون والإنجليز والفرنسيون في السيطرة علي الطرق البحرية كلها.. بحيث وصف روجيه جارودي الفرنسي المعروف حضارة الغرب بأنها حضارة القرصنة البحرية والغزو عن طريق الماء والمسألة سواء تعلقت بعرض تقيمه البحرية الفرنسية أم اليونسكو هي ذات صلة مباشرة ووثيقة بالاستشراق, والاستشراق ليس فكرا مجردا أو آراء مدونة في الكتب التي وضعها رحالة ومستشرقون غربيون, جاؤوا إلي الشرق كطلائع لحملات عسكرية وفتوحات.. منذ الإسكندر المقدوني مرورا بنابليون بونابرت وليس انتهاء بالاستشراق الأمريكي والإنجليزي الذي مهد الطريق إلي الهند ومصر وبلاد الشام وسائر البلدان الأفرو آسيوية التي كانت ولاتزال حقولا للتجارب. الاستشراق عسكري أيضا بقدر ما هو جغرافي وسياسي واقتصادي ولعل بعده العسكري هذا الذي أهملناه, كان الهدف الأخير لكل مراحل الاستشراق السابقة والممهدة له, فالسيطرة علي الطرق التجارية التي كان العرب يهيمنون عليها زمنا كان بمثابة التمهيد الأولي للسيطرة الاقتصادية وامتصاص رحيق الحياة الذي كانت تنعم به البلدان الآسيوية والإفريقية عندما كانت تملك ماءها ويابستها. وهناك حكاية رمزية أتذكرها دائما كلما طرحت مسألة الاستشراق علي الصعيد العربي خاصة, فالمستشرق( نيبور) عندما ذهب إلي الإسكندرية في مصر كان يحمل( اصطربالا) تبدو من عدسته المدينة مقلوبة رأسا علي عقب, وحين جاء المصريون ليتفرجوا علي صندوق العجب هذا.. انطلقوا يصيحون: إن هذا الخواجا جاء ليقلب رؤوسنا.. فالأبراج مقلوبة وكذلك المأذن وسائر المباني والأشجار في المدينة حسب اصطرلاب( نيبور) العجيب, لقد كان المصريون يعبرون دون وعي منهم( يومئذ) عن وظيفة الاستشراق التي تهدف إلي قلب الأشياء جميعها وبالفعل قدم الاستشراق قراءات عجيبة للتاريخ العربي.. بل أعاد إنتاج وتأليف هذا التاريخ وفقا لنظريات جاهزة, وصار الشرق كله( بدعة) غربية كما يقول إدوارد سعيد ومتحف طريق الحرير الذي يضم أدوات وخرائط تشهد علي هيمنة الغرب علي طريق الشرق الأقصي والبحر المتوسط هو واحد من سلسة متاحف.. قد تفاجئنا.. نحن العرب, منها أدوات عبد الرحمن الغافقي, وهياكل خيوله العظيمة التي بقيت بعد معركة( بواتيه), ومنها شواهد القبور المطعمة بالحروف العربية.. من جبال الألب إلي غرناطة. إن التاريخ عندما يدبر في بلاد ما تدبر معه الرموز والأدوات والمفاهيم.. وطريق الحرير الذي فقده العرب مبكرا كان بداية لحقبة من الفقدان.. فقد السيطرة علي( بحر العرب) وكل تلك الثغور التي تحولت إلي كمائن جمركية وصفقات تهريب. ذكرني طريق الحرير بأغنية عربية رددها المهزومون في الأربعينيات من هذا القرن.. بعد الحرير لبسنا خيش.. وبعد الأصايل ركبنا( قديش)!!!
|