|
كتب ـ عزمي عبد الوهاب عرف الكاتب الأمريكي صمويل هنتنجتون علي نطاق واسع بعد أن أصدر كتابه الشهير صدام الحضارات الذي كانت يشبه مقدمة نظرية للحروب الدائرة في الشرق, ولا تزال آثارها قائمة في أفغانستان والعراق, كان هنتنجتون الذي رحل قبل عامين, يحذر في هذا الكتاب من الخطر الأخضر علي أمريكا, خاصة والغرب عامة, ووجد فيه المحافظون الجدد في أمريكا ضالتهم, إذ قدم لها عدوا, جاهزا للتصويب, بعد أن انتهت الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي, وتحكم أمريكا في العالم. ومثلما حذر هنتنجتون في كتابه صدام الحضارات من الخطر الإسلامي, فإنه في كتابه الذي صدر عن المركز القومي للترجمة تحت عنوان من نحن؟ وترجمه إلي العربية أحمد مختار الجمال, وراجعه وقدم له السيد أمين شلبي, يحذر من الخطر الذي تتعرض له الهوية والثقافة الأمريكية وبشكل أصبح يهدد بانقسام ثقافي ولغوي في المجتمع الأمريكي. يعالج كتاب هنتنجتون التغيرات التي تحدث في جوهر الهوية الأمريكية, وهو يؤكد أن جوهر هذه الهوية قد اختلفت عبر التاريخ, فعند نهاية القرن الثامن عشر, كان المستوطنون البريطانيون لا يحددون هويتهم كسكان لمستعمراتهم فحسب, وإنما أيضا كأمريكيين, وعقب الاستقلال بدأت فكرة الهوية الأمريكية تأخذ طريقها بشكل تدريجي وبطيء في القرن التاسع. ويشير هنتنجتون في كتابه إلي أنه بعد الحرب الأهلية أصبحت الهوية الأمريكية بارزة مقارنة بالهويات الأخري, وبرغم هذا فإنه في بداية الستينيات بدأت الهويات الفرعية والثنائية والعابرة للقوميات تنافس وتفتت الهوية القومية, إلي أن جرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 فأعادت الهوية القومية إلي المقدمة, فكلما شعر الأمريكيون بأن أمتهم مهددة يقوي لديهم الإحساس بالهوية القومية, وإذا ما تلاشي تصورهم للتهديد والخطر سرعان ما تعود الهويات الأخري لتحتل الأولوية مرة ثانية علي الهوية القومية. وضمن تأثيرات أحداث11 سبتمبر يسجل هنتنجتون عدة ملاحظات, منها أنه قبل هذه الأحداث كانت ظاهرة رفع الأعلام الأمريكية علي المباني والمنشآت قد ضعفت, ولكن بعد11 سبتمبر أصبحت الأعلام الأمريكية في كل مكان, وبشكل لم يكن مألوفا بهذا الحجم, وهو ما عكس الأزمة التي مرت بها الهوية الأمريكية قبل هذه الأحداث وضعف ما تتسم به عند الأمريكيين, حيث بدت وكأنها قد توارت عن الأنظار وأصبحت الهويات العرقية والعنصرية في المقدمة, وقد انخرط الأمريكيون في التسعينيات في مناقشات حادة حول الهجرة والاندماج والتنوع وتعدد الثقافات والأديان واللغات ومعني المواطنة والقومية والدور المتزايد للمغتربين في أمريكا والخارج, وما يميز كل هذه القضايا هو السؤال عن الهوية القومية. ويعتقد هنتنجتون أنه إذا كانت قلة من الناس هي التي توقعت تفكك الاتحاد السوفيتي, فإن قلة من الأمريكيين تتوقع تفكك الولايات المتحدة الأمريكية, أو حتي حدوث تغييرات جذرية فيها, ولأنه يؤمن بأن التاريخ مليء بالمفاجآت فإن أعظم مفاجأة يمكن أن تحدث, وقد حدد لها هنتنجتون العام2025, هذه المفاجأة تكمن في السؤال: هل تظل أمريكا ـ في ذلك العام ـ هي ذلك البلد الذي كانت عليه عام2000 أم أنها ستصبح دولة بلدان مختلفة تماما, وبتركيب مختلف جدا لنفسها ولهويتها؟! وبرغم هذا فإن هنتنجتون يعتقد أن بعض المجتمعات وهي تواجه تحديات خطيرة لوجودها هي أيضا قادرة علي تأجيل موتها, ووقف تفككها بتجديد إحساسها بهويتها القومية وهدفها القومي والقيم الثقافية المشتركة, وفي الوقت نفسه يشير إلي تأثير الهجرة اللاتينية علي وحدة اللغة والثقافة الأمريكية, فيعتبر أن هذه الهجرة, خصوصا بعد العام1965, يمكن أن تقسم أمريكا إلي قسمين فيما يتعلق باللغة( الإنجليزية والإسبانية) والثقافة( الإنجليزية واللاتينية) الأمر الذي يمكن أن يحل محل الانقسام بين البيض والسود, باعتباره الانقسام الأكثر أهمية في المجتمع الأمريكي, وسوف يصبح جزءا من أمريكا, خصوصا في جنوب فلوريدا والشمال الغربي لاتينيا في المقام الأول, في الوقت الذي تتعايش فيه كل الثقافات واللغات في باقي أمريكا. وإذا كان باحثون قد استخلصوا أن الأمم تحتاج إلي عدو فإن هنتنجتون يري أن العدو المثالي لأمريكا سوف يكون أيديولوجيا ومختلفا ثقافيا وعنصريا وقويا عسكريا, وقد تعددت التصورات حول هذا العدو, وهنا يستخلص الكاتب الأمريكي أن الهوية الأمريكية سوف تتشكل بصورة حاسمة بالإدراك الجديد لاكتشاف أمريكا للهجوم الخارجي, فالتأثيرات الخارجية يمكن أن تدفع إلي إعادة اكتشاف الأمريكيين وتحديدهم لهويتهم التاريخية وثقافتهم الدينية.
|