الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ثقافة
3

نهاية أمريكا في‏2025‏

السبت 6 / 2 / 2010


كتب ـ عزمي عبد الوهاب


عرف الكاتب الأمريكي صمويل هنتنجتون علي نطاق واسع بعد أن أصدر كتابه الشهير صدام الحضارات الذي كانت يشبه مقدمة نظرية للحروب الدائرة في الشرق‏,‏ ولا تزال آثارها قائمة في أفغانستان والعراق‏,‏ كان هنتنجتون الذي رحل قبل عامين‏,‏ يحذر في هذا الكتاب من الخطر الأخضر علي أمريكا‏,‏ خاصة والغرب عامة‏,‏ ووجد فيه المحافظون الجدد في أمريكا ضالتهم‏,‏ إذ قدم لها عدوا‏,‏ جاهزا للتصويب‏,‏ بعد أن انتهت الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي‏,‏ وتحكم أمريكا في العالم‏.‏
ومثلما حذر هنتنجتون في كتابه صدام الحضارات من الخطر الإسلامي‏,‏ فإنه في كتابه الذي صدر عن المركز القومي للترجمة تحت عنوان من نحن؟ وترجمه إلي العربية أحمد مختار الجمال‏,‏ وراجعه وقدم له السيد أمين شلبي‏,‏ يحذر من الخطر الذي تتعرض له الهوية والثقافة الأمريكية وبشكل أصبح يهدد بانقسام ثقافي ولغوي في المجتمع الأمريكي‏.‏
يعالج كتاب هنتنجتون التغيرات التي تحدث في جوهر الهوية الأمريكية‏,‏ وهو يؤكد أن جوهر هذه الهوية قد اختلفت عبر التاريخ‏,‏ فعند نهاية القرن الثامن عشر‏,‏ كان المستوطنون البريطانيون لا يحددون هويتهم كسكان لمستعمراتهم فحسب‏,‏ وإنما أيضا كأمريكيين‏,‏ وعقب الاستقلال بدأت فكرة الهوية الأمريكية تأخذ طريقها بشكل تدريجي وبطيء في القرن التاسع‏.‏
ويشير هنتنجتون في كتابه إلي أنه بعد الحرب الأهلية أصبحت الهوية الأمريكية بارزة مقارنة بالهويات الأخري‏,‏ وبرغم هذا فإنه في بداية الستينيات بدأت الهويات الفرعية والثنائية والعابرة للقوميات تنافس وتفتت الهوية القومية‏,‏ إلي أن جرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر‏2001‏ فأعادت الهوية القومية إلي المقدمة‏,‏ فكلما شعر الأمريكيون بأن أمتهم مهددة يقوي لديهم الإحساس بالهوية القومية‏,‏ وإذا ما تلاشي تصورهم للتهديد والخطر سرعان ما تعود الهويات الأخري لتحتل الأولوية مرة ثانية علي الهوية القومية‏.‏
وضمن تأثيرات أحداث‏11‏ سبتمبر يسجل هنتنجتون عدة ملاحظات‏,‏ منها أنه قبل هذه الأحداث كانت ظاهرة رفع الأعلام الأمريكية علي المباني والمنشآت قد ضعفت‏,‏ ولكن بعد‏11‏ سبتمبر أصبحت الأعلام الأمريكية في كل مكان‏,‏ وبشكل لم يكن مألوفا بهذا الحجم‏,‏ وهو ما عكس الأزمة التي مرت بها الهوية الأمريكية قبل هذه الأحداث وضعف ما تتسم به عند الأمريكيين‏,‏ حيث بدت وكأنها قد توارت عن الأنظار وأصبحت الهويات العرقية والعنصرية في المقدمة‏,‏ وقد انخرط الأمريكيون في التسعينيات في مناقشات حادة حول الهجرة والاندماج والتنوع وتعدد الثقافات والأديان واللغات ومعني المواطنة والقومية والدور المتزايد للمغتربين في أمريكا والخارج‏,‏ وما يميز كل هذه القضايا هو السؤال عن الهوية القومية‏.‏
ويعتقد هنتنجتون أنه إذا كانت قلة من الناس هي التي توقعت تفكك الاتحاد السوفيتي‏,‏ فإن قلة من الأمريكيين تتوقع تفكك الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ أو حتي حدوث تغييرات جذرية فيها‏,‏ ولأنه يؤمن بأن التاريخ مليء بالمفاجآت فإن أعظم مفاجأة يمكن أن تحدث‏,‏ وقد حدد لها هنتنجتون العام‏2025,‏ هذه المفاجأة تكمن في السؤال‏:‏ هل تظل أمريكا ـ في ذلك العام ـ هي ذلك البلد الذي كانت عليه عام‏2000‏ أم أنها ستصبح دولة بلدان مختلفة تماما‏,‏ وبتركيب مختلف جدا لنفسها ولهويتها؟‏!‏
وبرغم هذا فإن هنتنجتون يعتقد أن بعض المجتمعات وهي تواجه تحديات خطيرة لوجودها هي أيضا قادرة علي تأجيل موتها‏,‏ ووقف تفككها بتجديد إحساسها بهويتها القومية وهدفها القومي والقيم الثقافية المشتركة‏,‏ وفي الوقت نفسه يشير إلي تأثير الهجرة اللاتينية علي وحدة اللغة والثقافة الأمريكية‏,‏ فيعتبر أن هذه الهجرة‏,‏ خصوصا بعد العام‏1965,‏ يمكن أن تقسم أمريكا إلي قسمين فيما يتعلق باللغة‏(‏ الإنجليزية والإسبانية‏)‏ والثقافة‏(‏ الإنجليزية واللاتينية‏)‏ الأمر الذي يمكن أن يحل محل الانقسام بين البيض والسود‏,‏ باعتباره الانقسام الأكثر أهمية في المجتمع الأمريكي‏,‏ وسوف يصبح جزءا من أمريكا‏,‏ خصوصا في جنوب فلوريدا والشمال الغربي لاتينيا في المقام الأول‏,‏ في الوقت الذي تتعايش فيه كل الثقافات واللغات في باقي أمريكا‏.‏
وإذا كان باحثون قد استخلصوا أن الأمم تحتاج إلي عدو فإن هنتنجتون يري أن العدو المثالي لأمريكا سوف يكون أيديولوجيا ومختلفا ثقافيا وعنصريا وقويا عسكريا‏,‏ وقد تعددت التصورات حول هذا العدو‏,‏ وهنا يستخلص الكاتب الأمريكي أن الهوية الأمريكية سوف تتشكل بصورة حاسمة بالإدراك الجديد لاكتشاف أمريكا للهجوم الخارجي‏,‏ فالتأثيرات الخارجية يمكن أن تدفع إلي إعادة اكتشاف الأمريكيين وتحديدهم لهويتهم التاريخية وثقافتهم الدينية‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 6 / 2 / 2010
رقم العـدد
672
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg