المجلة



كل حى فى الشام له نظيره فى القاهرة.. الجرحى يسمعون الغناء.. والموسيقى تختلط بدوى التفجيرات

21-2-2017 | 17:59
مصطفى السعيد

 
معظم المناطق المكتظة محررة والجغرافيا تتغير لصالح الدولة
 
النازحون يهربون من المسلحين إلى مناطق سيطرة الجيش
 
وفقا لتقديرات مركز جسور التابع للمعارضة المسلحة فى سوريا، فإن تنظيم داعش يسيطر على 49% من مساحة الأراضى السورية، يليه النظام الذى يسيطر على 27% ثم الأكراد 15%، ويتبقى 8% تشترك فيها جبهة النصرة مع باقى الفصائل المسلحة الأخرى، وأهمها جبهة أحرار الشام.
هذه التقديرات تبدو مضللة إلى حد كبير فى رأى المسئولين السوريين، لأنها تساوى بين الأراضى الصحراوية والغابات غير المأهولة، والمدن الرئيسية المكتظة بالسكان، فمعظم الأراضى التى يسيطر عليها داعش تقع فى البادية الشرقية، الممتدة من شرق حلب وحتى الحدود العراقية، أما مناطق سيطرة الجيش السورى فتضم المدن الكبيرة، فالعاصمة وحلب تضمان ما يقرب من نصف السكان، تليهما حمص وحماة والساحل الذى يضم طرطوس واللاذقية، لتكون سيطرة الجيش السورى تشمل معظم الأماكن المكتظة بالسكان، والنازحون يهربون من الأماكن الواقعة تحت سيطرة المسلحين، إما إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش السورى أو إلى خارج البلاد، ومعظم البلدات الواقعة تحت سيطرة المسلحين شبه مهجورة من السكان.
أما الأكثر أهمية، فإن هذه التقديرات مضى عليها نحو 9 أشهر، تغيرت خلالها الجغرافيا، فقد تحررت حلب، وريف دمشق الغربى، ومعظم الريف الشرقى، وتقدم الجيش السورى فى الشمالوالشرق، وسيطر على وادى بردى، الذى يضم نبع الفيجة، المغذى لنحو 6 ملايين فى العاصمة بمياه الشرب، ويبلغ مساحته نحو 400 كيلو متر مربع.
قال لى قائد عسكرى إن المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش السورى تشبه الصعيد والدلتا والقاهرة والإسكندرية فى مصر، التى لا تزيد مساحتها على 7% من مساحة مصر، بينما الصحراء الغربية فى مصر تشبه فى أهميتها الصحراء الغربية، ولا يمكن القول إن سيطرة مجموعة مسلحة على الواحات وبعض المدن الصغيرة فى صحراء مصر الغربية يعنى السيطرة على أكثر من نصف مصر.
أما المسألة التى يصمم السوريون على شرحها، والتى يرون أن الإعلام الأجنبى وكثيراً من الإعلام العربى يرددها وكأنها حقيقة هى المتعلقة بالنازحين السوريين، ويخلطون بين النزوح الداخلى والخارجي، فالأرقام يجرى خلطها لإثارة جو من الإحباط، وتصوير السوريين وكأن معظمهم أصبحوا من اللاجئين، وكان تصدير هذه الصورة متعمدا، بل كان مخططا له، فقد جرى إنشاء الكثير من المعسكرات فى تركيا وكردستان العراق لاستقبال النازحين السوريين قبل الأحداث بنحو عامين، أى فى مطلع عام 2009، وعندما بدأت الأحداث، جرت شائعة أخبار بأن من سيلجأ إلى هذه المعسكرات سوف يحصل على راتب شهرى جيد، وسينعم بحياة كريمة، وستكون له فرصة الانتقال للعيش فى دول أوروبية غنية، سوف تقدم لهم فرص العمل والإقامة والعائد المادى الكبير، وبالفعل صدق كثيرون هذه الدعاية، وبعضهم نزح مبكرا ليحجزوا مكانا لهم فى الجنة الأوروبية الواعدة، خصوصا أن الهجرة ستشمل الأسرة بأكملها، بل قد تشمل عائلات وجيران سيذهبون معا إلى أراضى الثراء، لكن أغلب النازحين هربوا من المناطق التى سيطرت عليها الجماعات المسلحة، ولجأت إلى المناطق الواقعة تحت حماية الجيش السورى، ويمكن أن تلاحظ أن سكان مدينة دمشق برغم ما تعرضت له من قصف أصبحت أكثر ازدحاما بالسكان، بعد أن استقبلت مئات آلاف النازحين من مناطق ريف دمشق التى سيطرت عليها الجماعات المسلحة، ولهذا ارتفعت قيمة الإيجارات وسعر العقارات فى العاصمة، ويمكن أن تلحظ اختلاط سكان الريف والمدينة فيها، وهذا يعنى أن النازحين خافوا من الوقوع تحت حكم الجماعات المسلحة، وأن يتعرضوا لانتهاكات مروعة سمعوا عنها من المناطق التى سقطت فى أيدى المسلحين.
حدث نفس الشىء فى حلب، فقد ازدحم غرب حلب بالسكان، بعد أن نزحت إليه أعداد كبيرة من سكان شرق حلب، بعد أن سقطت المناطق الشرقية فى أيدى المسلحين، وظلوا فى المناطق الغربية تحت حماية الجيش وقوات الدفاع الوطنى برغم سقوط آلاف الضحايا من المدنيين فى غرب المدينة، نتيجة إطلاق قذائف الهاون بغزارة على المناطق السكنية، والتى كانت تستهدف إجبار سكان غرب حلب على النزوح، وترك المدينة خاوية، حتى يتمكنوا من الاستيلاء عليها بسهولة.
أما أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان، التى استقبلت مئات آلاف النازحين فهو الساحل السوري، الذى لم تصل إليه الجماعات المسلحة، وإن كانت قد شنت عدة هجمات عليه انطلاقا من الأراضى التركية، واشتدت عليه الهجمات بعد السيطرة على إدلب، بأمواج من المسلحين، معظمهم من الأجانب، وتمكنوا من السيطرة على بضع بلدات صغيرة فى أطراف ريف اللاذقية الجبلية، والمتاخمة للحدود التركية، لكن بقيت مدن وبلدات الساحل هى الأكثر أمانا والأكثر استقبال للنازحين، وبالتالى الأشد زحاما برغم قلة الحواجز الأمنية على الطرق، وارتفعت فيها معدلات أسعار الإيجار والتمليك للعقارات إلى مستويات غير مسبوقة.
أكثر النازحين معاناة هم من انتقلوا للعيش فى معسكرات داخل الأردن ولبنان، فهم يعيشون داخل معازل تشبه السجون، تحيط بها الأسوار أو الأسلاك الشائكة، ويتم توزيع المعونات الغذائية عليهم، والتى لا تكاد تكفى سد الجوع، وبمضى الأيام بدأ الأردن ولبنان يضيقان باللاجئين السوريين، الذين أصبحوا عبئا اقتصاديا وأمنيا عليها، خصوصا بعد الشكوى من قلة الدعم المالى للبلدين لكى يتمكنا من إعالة اللاجئين، الذين يتم النظر إليهم بشكوك، سواء بسبب المخاطر الأمنية، من وجود متطرفين بينهم، أم خشية توطينهم فى البلدين، والأردن يخشى أن يتكرر فيه اللجوء الفلسطينى، الذى بدأ كأنه مؤقت، ثم تحول إلى حالة دائمة وجزء من السكان، بينما خوف لبنان أشد، حيث التوازن الطائفى الهش، الذى يمكن أن ينهار فى حالة استمرار وجود اللاجئين السوريين، أسوة بالمخيمات الفلسطينية، التى ما زالت تقلق أطرافا لبنانية.
أما الذين توجهوا إلى مصر، فلم يتم احتجازهم داخل معسكرات إيواء، واندمجوا سريعا فى النسيج المصرى قريب الشبه بالنسيج السوري، ويصعب أن تميزهم دااخل مصر، والكثيرون مارسوا مهنهم فى سوريا، وفتحوا مشروعات، وظهرت المطاعم ومحال الحلوى الشامية فى القاهرة وغيرها من المدن.
تركيا كان لها النصيب الأكبرمن اللاجئين، ليس لأنها الأقرب جغرافيا بحدود طويلة على المناطق المأهولة، لكن لأنها كانت مركز المؤامرة على سوريا، وأول من شجع السوريين وأغراهم على النزوح، وكانت لها مآرب أخرى، فقد استخدمت اللاجئين السوريين فى تهديد أوروبا، وإطلاق موجات من اللاجئين إليها، لتربك الاتحاد الأوروبي، وحاولت ابتزازه بمطالب اقتصادية وسياسية مقابل وقف موجات اللاجئين، لكن الرئيس التركى أردوغان رأى أن يحقق أهدافاً شخصية باللاجئين السوريين، وأعلن عن نيته منح نصف مليون سورى الجنسية التركية، لكى يصوتوا له فى الانتخابات، لكن العدد تقلص إلى 100 ألف فقط، بعد انتقاء من يحملون شهادات عليا والأكثر مهارة، إلى جانب تجنيد البعض منهم ليتحولوا إلى قوة ضغط عسكرية بيد أردوغان.
لكن قلة من اللاجئين السوريين استطاعت الوصول إلى أوروبا، إما عبر القوارب أو باجتياز الحدود البرية، بعضهم وصل إلى أرض الميعاد، لتتباهى أوروبا باستضافة لاجئين، بينما كثيرون دفعوا حياتهم غرقا فى البحر، أو جرى حبسهم داخل معسكرات إيواء، وسط انقسام بين الأوروبيين على دخولهم أو طردهم.
لا يمكن أن تميز بين أى مدينة مصرية وأخرى سورية، سوى أنك قد ترى بعض الأماكن المهدمة من جراء الاشتباكات فى بعض الأماكن، لكن شوارع مدن سوريا أكثر نظافة والمبانى تبدو أجمل، بينما الحواجز العسكرية تدقق فى تفتيش السيارات بأجهزة متنوعة وكلاب بوليسية أحيانا، ولا تستثنى أى سيارة.
مدينة حمص على سبيل المثال تكاد تشبه المنصورة أو طنطا أو أسيوط، وإن كانت أقل ازدحاما، لكن حى الوعر شبه مدمر تماما، وهو حى استولى عليه المسلحون، وطردوا سكانه، واحتلوا العمارات التى كان سكانها من الطبقة الوسطى، بعد أن انطلقوا فى الهجوم على المدينة من الريف وبعض الأحياء الأشد فقرا، والتى كانوا يحتفظون فيها ببعض الخلايا.
أما مدينة دمشق، التى يسمونها الشام، مثلما نسمى القاهرة "مصر" فهى نسخة مصغرة من القاهرة، وكل حى فيها له نظيره فى القاهرة، فالمدينة القديمة تشبه منطقة الأزهر بحواريها ومبانيها ومساجدها المملوكية، حتى حارة اليهود التى هجرها يهودها، عدا الكنيس الذى يعد الشاهد الوحيد على وجودهم فى دمشق، لكن دمشق تكاد تكون خالية من المتسولين إلا نادرا، بل تخلو تقريبا من أطفال الشوارع، فلا تجد طفلا يبيع سلعا بسيطة أو يتسول برغم ما شهدته سوريا من حرب ضروس وأعداد ضخمة من الضحايا، التى تركت وراءها الكثير من المآسى على النساء والأطفال الذين فقدوا من يعولهم.
ما يشير إلى وجود حرب فى دمشق بعض آثار القذائف على قليل من المبانى وندوب فى بعض الشوارع، لكن الأهم هو صور الشهداء التى تتصدر مداخل كل حى من أحياء المدينة، وكأنها تزهو بهم بصور ضخمة عليها أسماء من ضحوا من أجل سوريا.
أكثر ما يشكو منه سكان العاصمة هو الانقطاع المتكرر للكهرباء، وعادة تنقطع الكهرباء بين 4 إلى 6 ساعات ثم تأتى لساعتين، وتعود إلى الانقطاع، لكن أنوار البيوت والشوارع والمحال لا تنقطع أبدا، فجميعها تعتمد على مولدات كهربائية، تعمل فور انقطاع الكهرباء، بعض المنازل تتجمع لشراء مولد ضخم، وبعضها يعتمد على شراء الكهرباء من المستثمرين فى بيع الكهرباء للسكان بمولدات ضخمة فى الشوارع، أما المحال والفنادق فتعتمد على نفسها حسب مستوى كل منها، لكن المؤكد أن دمشق تعيش حياة طبيعية، فالجميع يذهبون إلى أعمالهم، وخطوط الباصات فى مساراتها، وحتى أماكن الترفيه تفتح أبوابها.
يعانى السكان من غلاء المعيشة، بعد أن فقدت الليرة السورية نحو 90% من قيمتها، ولم ترتفع الأجور إلا بنسب تتراوح بين 25% و30%، وهو ما تسبب فى معاناة إشتدت وطأتها على الموظفين والعمال أصحاب الأجور الثابتة.
نقاش شيق وفاجأنى كثيرا دار بين ثلاثة من أصدقاء سوريين تعرفت عليهم من خلال الفيس بوك، والتقينا على مقهى فى دمشق القديمة، أحدهم كان يساريا، ثم تراجع عن تأييد اليسار، مع أنه يحفظ معظم أغانى الشيخ إمام وأشعار أحمد فؤاد نجم، والثانى كان يعمل موظفا كبيرا وأحيل للتقاعد، والثالث لم يكن له أى اهتمام بالسياسة قبل الحرب، التى يسمونها "الأحداث"، الأول اتهم النظام بأنه السبب الرئيسى فى الأحداث، مع أنه يقر بأن سوريا تعرضت لمؤامرة دولية وإقليمية، ويرى أن النظام قد ساعد على ظهور التنظيمات الإسلامية، وأدخل التعليم الدينى فى مدارس تشبه المعاهد الأزهرية فى مصر، وأنه لم يرسخ العلمانية ولا المواطنة، وأن المسيحى ما زال القضاء لا يأخذ بشهادته فى بعض القضايا مثل المسلم، وأنه تبنى سياسة الانفتاح التى وسعت من نظاق الفساد وألحقت الضرر بالإنتاج الوطني، كما انتقد القبضة الأمنية الشديدة، والتى تبطش بقوة وبلا عقل أو منطق سوى أنها تريد إثبات قوتها وسطوتها، وقد أدهشنى أن أسمع هذا الكلام فى دمشق، التى لم أسمع فيها أحدا ينتقد النظام علانية أو أمام غريب مثلى عندما زرتها مطلع قبل نحو 20 عاما، لكن صديقى الثانى كان يرى أن المؤامرة الخارجية هى السبب الرئيسى إن لم يكن الوحيد، وأن حالة سوريا الاقتصادية قبل الأحداث كانت منتعشة وواعدة، ويكفى أن سوريا لم تكن مدينة للخارج، ولم تقترض من الصندوق أو البنك الدوليين، وأن لديها فائضا فى المنتجات الزراعية وتصدر الكثير من السلع الصناعية، وأن الحريات كانت فى تحسن، ولا توجد دولة لديها التعليم والعلاج والمياه والكهرباء شبه مجانية، وأن عدد المعتقلين لأسباب سياسية لا يتجاوز المئات، بينما فى باقى دول المنطقة بعشرات الآلاف، واحتدم الخلاف بين الصديقين، وارتفع صوتهما، وكان صديقى الثالث يتدخل كثيرا للفصل بينهما، ويرى أن أى بلد فى وضع سوريا لا بد أن يكون مستهدفا، وأن يكون الأمن قويا، لكنه يقر بحدوث الكثير من التجاوزات، وأن الأمن لا يغير طريقته، ويرى أن كل من يعارض خطرا على النظام والدولة، ويرى أن الأحداث شاركت فيها قوى كثيرة ولديها أموال ومخابرات وقادرة على كشف أى ثغرات وتأجيج الصراع بين طوائف الشعب، ولا يمكن لدولة بحجم سوريا أن تستطيع مواجهة كل هذه الدول، ولا توجد دولة فى العالم ليست فيها ثغرات وأخطاء يمكن استغلالها، حتى أمريكا التى تندلع فيها الاضطرابات برغم أنها الأقوى والأغنى، وفيها شقاقات عنصرية وسياسية، وكان يمكن لأى دولة أن تستغلها وتشعل فيها نيران الصراعات لو لم تكن بهذه القوة.
امتد النقاش لساعات، وأضاء أمامى الكثير من الجوانب، وبرغم أنهم لم يتفقوا فى الكثير مما قالوه، فإنهم خرجوا أصدقاء يضحكون ويتواعدون على تكرار اللقاء، لكنى كنت أسعدهم بأن أسمعهم يتحدثون بهذه القوة والصوت المرتفع، ورأيت نبتة جديدة للأحداث، وأن هذا الحوار علامة صحية على قرب ميلاد سوريا جديدة، فقد اختلفوا على الكثير فى السياسة لكنهم جميعا مع وحدة سوريا ومواجهة القوى المتآمرة، وكلهم ثقة فى أن الجماعات التكفيرية ستلقى الهزيمة مع داعميها على أرض سوريا.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg