ش احتلال شرق حلب وملحمة التحرير .. 6 معارك طهرت «ستالينجراد سوريا» من المسلحين - الأهرام العربي

المجلة



احتلال شرق حلب وملحمة التحرير .. 6 معارك طهرت «ستالينجراد سوريا» من المسلحين

21-2-2017 | 17:47
مصطفى السعيد

 
يوم وصولي إلى حلب سقطت 10 قذائف هاون على حي الحمدانية، وأوقعت عدة إصابات ولاحظت عدم اكتراث المارة، حتى الأطفال يواصلون اللعب، فال لي مرافقي جابر الساجور مدير ثقافة حلب ضاحكا، هذا ليس شيئا مقارنة بأيام الحرب، فالكل كان يسير وهو شاخص ببصره إلى السماء مثل صائدي الحمام، يتابعون اتجاهات القذائف ليتجنبوها قدر الإمكان .. كان الجميع قادرون على تمييز صوت الانفجارات، فهذا صوت مدفع عيار 125 مللي، وهذه غارة طائرة سوخوي، أما هذا التفجير المزلزل للأرض فلعربة مفخخة، وهذا صوت مدفع جهنم .. هذه مفردات ومعلومات عامة يعرفها سكان حلب، حتى الصبيةـ لكنهم سوف يتغنون بملحمة هذه المدينة، التي توصف بأنها «ستالينجراد سوريا» التي غيرت مسار الحرب العالمية على سوريا، مثلما غيرت ستالينجراد روسيا مسار الحرب العالمية الثانية. 
 
كانت حلب آخر محافظات سوريا التي تدخل دائرة العنف، ولم يكن بين سكانها إلا عدد ضئيل ينتمي لجماعة الإخوان، التي حاولت استثارة الناس بشائعات عن حدوث مجازر والإساءة إلى الإسلام، وفشلت في تنظيم أي مظاهرة كبيرة، وقال شهود إن الجماعة لجأت إلى إطلاق النار على بعض المساجد وجامعة حلب، لتنسبها إلى قوات الأمن وتستثير الطلاب والمصلين والأهالي، لكن نجاحها كان محدودا، ولم يكن بالإمكان السيطرة على حلب من داخلها، فهي مدينة ضخمة وتشهد انتعاشا صناعيا وتجاريا، وتعد مركز المال والأعمال في سوريا، وإن كانت قد تضررت من تدفق السلع التركية، بعد توقيع اتفاقية التجارة، حتى اتهمها المسلحون بأن أهالي حلب ترتبط مصالحهم بالنظام، ولم يكن بالإمكان السيطرة على حلب من داخلها، فالأعداد المحدودة من جماعة الإخوان وبعض من تسللوا إلى حلب من المسلحين لم يكن بمقدورهم السيطرة على حي واحد في هذه المدينة الضخمة التي يصل عدد سكانها إلى 6 ملايين، فجرى شن هجمات متوالية عليها من الشمال والشرق، ونجحت مجموعات من المسلحين في السيطرة على جزء من أحيائها الشرقية، التي بدأ يتدفق عليها المسلحون من تركيا وريف حلب الشمالي، ليواصلوا هجماتهم على باقي الأحياء الشرقية، التي شهدت حركة نزوح كبيرة باتجاه غرب المدينة، حيث تمركزت قوات الجيش السوري، ورغم استخدام المسلحين لقذائف الهاون ومدافع جهنم وغيرها من أسلحة القتل العشوائي فإن سكان غرب حلب لم يتركوا المدينة، التي سقط فيها نحو 6 آلاف شهيد من سكانها، فقد نظمت مجموعات متطوعين تحارب الجماعات المسلحة بالتنسيق مع الجيش، وتولى المتطوعون توفير أماكن للنازحين، ونقل الجرحى والشهداء إلى المستشفيات، وإطفاء الحرائق وتوفير المواد الغذائية والمياه والمحروقات.
ويقول فؤاد الجزائري رئيس الجالية الجزائرية وحفيد المناضل عبد القادر الجزائري في حلب، إنه رفض الخروج من المدينة، بل كل الجالية العربية، وربطنا مصيرنا بمصير حلب، فهي مدينة تعني لنا الكثير في التاريخ والحضارة والثقافة والفن والإنتاج، وهي مزيج من كل الطوائف الذين عاشوا معا في تسامح وحب طيلة قرون، ورفضت عرض الرئيس بوتفليقة بتخصيص طائرة لنقلنا، وتلاحمت المدينة في صد هجمات الجماعات الهمجية.
ويقول رجل الأعمال أبو ناصر: إن لديه أملاكا ومصانع في أكثر من بلد عربي، ومنها دبي، وأنه رفض الخروج من المدينة رغم القصف اليومي والضحايا، وكنا نرى الموت كل يوم، وتعرض غرب حلب للحصار فترات طويلة، كنا نعاني فيها من شح الغذاء وانعدام الكثير من الخدمات، إلا أن فكرة ترك حلب لهؤلاء المسلحين تعني أننا فرطنا في كرامتنا وحياتنا، وكنت أجهز 23 ألف وجبة يوميا للسكان في مطبخ مجهز، لكن أصابته قذيفة، واستشهد أحد العمال، لكننا واصلنا، وسوف نعيد بناء حلب، لتعود أفضل مما كانت.
6 معارك كبيرة أنهت وجود الجماعات الإرهابية في حلب، التي دخلت ثاني أكبر مدن سوريا عام 2012 بهجمات من الشمال على شرق المدينة الأكثر فقرا والأقدم، وهرب معظم السكان إلى المنطقة الغربية، ويؤكد سكان حلب أن مدينتهم لم تشهد مظاهرات ضد النظام، وسعت مجموعة صغيرة من جماعة الإخوان لاثارة السكان في المساجد وجامعة حلب، وفشلت في تنظيم مظاهرة كبيرة، ورد السكان بتنظيم مسيرة ضخمة تؤيد الدولة وترفع علمها الوطني، وجابت شوارع المدينة، لتؤكد رفضها للجماعات.
أول معركة كانت السيطرة على طريق الكاستيلو، وهو الشريان اللرئيسي الذي يربط حلب بالشمال، وحتى الحدود التركية، والمعركة الثانية هي موجات الهجوم المعاكس للجماعات الإرهابية لاستعادة طريق الكاستيلو، وتحطمت جميعها، واستغلت الهدنة بعدها لتجميع قواتها في جنوب غرب حلب، وشنت موجات من الهجمات، نجحت في فتح ثغرة، أمدت المقاتلين المحاصرين بالذخيرة والسلاح والأغذية وجميع الاحتياجات، وأعداد إضافية من المقاتلين، والمعركة الرابعة شهدت تكثيف الضربات الجوية وهجمات بالصواريخ والمدفعية للقضاء على الثغرة، وبالفعل جرى إعادة الحصار الشامل، والمعركة الخامسة جاءت بعد هدنة جديدة، أعاد فيها المسلحون تجميع القوات غرب حلب، على محور جديد، وفشلت كل الموجات في الاقتراب من المحاصرين، ثم اجاءت المعركة السادسة لتحرر معظم شرق حلب في أقل من أسبوعين، بخلاف التوقعات التي كانت تؤكد أنها تحتاج لشهور، وفقدت الجماعات الإرهابية في المعارك الستة آلاف من أفضل مقاتليها وقياداتها الميدانية، ولهذا كانت معركة بالغة التأثير على مجريات الحرب في سوريا، خصوصا أن السيطرة على حلب يمنع إلى حد كبير تنفيذ أي مخطط للتقسيم.
جاءت الهجمة الإعلامية والدبلوماسية حول وجود مجازر وإعدامات وقتل للأطفال وكل ما يمكن أن يقال، بسبب النجاح السريع والحاسم للمعركة، إلى جانب ما تردد عن القبض على عدد من الأجانب من جنسيات عربية وأجنبية، ينتمون إلى أجهزة مخابرات وقيادات عسكرية، وتردد أن خلافا وقع بين روسيا وكل من إيران وسوريا، عندما رأت روسيا إخلاء شرق حلب من الإرهابيين باتفاق مع تركيا، بينما رأت إيران استكمال المعركة حتى سقوطهم أسرى، لحسم الحرب بدرجة كبيرة، وتجاوبت روسيا مع المساعي الغربية لإنهاء مشكلة الأجانب، ونقل المسلحين، الذين سيتوزعون بين إدلب، حيث جبهة النصرة، وشمال حلب حيث قوات درع الفرات، وتقودها تركيا بشكل مباشر، والداخل التركي للباقين، مع نقل المدنيين المحاصرين منذ نحو عامين في بلدتي الفوعة وكفريا وأغلبهم من الشيعة، حتى لا يتعرضوا لحملة إبادة انتقاما لهزائمهم، وغضبت واشنطن بشدة لتهميش دورها في هذه الاتفاقيات، التي انحصرت بين روسيا وإيران وتركيا، ورفضت تركيا تمثيل سوريا بشكل مباشر، مع وعود بإعادة النظر في الموقف التركي لاحقا، وحاولت الولايات المتحدة القضاء على الوجود السوري في الشرق، بهجوم على دير الزور بالتنسيق مع داعش، لمحاولة إنشاء كيان سني برعاية أمريكية، يفصل سوريا عن العراق، وادعت أمريكا أن الضربات الجوية وقعت بالخاطأ، ثم دفع الدواعش للهجوم على تدمر، برغم أن داعش في موقف دفاعي لا يحسد عليه في الموصل وكامل محافظة نينوى، وجاء عرقلة واشنطن تحرير الموصل حتى تحول دون مشاركة الجيش العراقي والحشد الشعبي لملاحقة داعش في شرق سوريا، وهو ما يزيد من قوة التحالف الروسي السوري الإيراني، المتفوق أصلا على الأرض، وينهي المخطط الأمريكي تماما.
وتراجعت الحملة على الإعلامية والدبلوماسية على روسيا مع إنهاء أزمة الأجانب وترحيل الإرهابيين المحاصريت، واعتذرت عدة صحف وقنوات عن استقائها أخبار المجازر من طرف واحد، وقالت إن المعلومات كانت خاطئة أو مبالغ فيها، وتم الاتفاق مع فرنسا على تعديل مشروع قرار لمجلس الأمن، ليكون نشر مراقبين بموافقة سورية، لكن الغضب الأمريكي لم يفتر تجاه كل من بوتين وأردوغان، لتهميشهما الدور الأمريكي في مفاوضات تستهدف إيجاد حل شامل للأزمة.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg