المجلة

دواعش الداخل والتعفيش.. أخطر مخلفات الحرب فى سوريا

21-2-2017 | 17:50
مصطفى السعيد

 
من أكثر المصطلحات شيوعا في سوريا «دواعش الداخل» و«التفيش» و«الخطف»، والتي ظهرت بعد الأحداث، والمقصود بدواعش الداخل هي الفئات التي استثمرت الحرب وحققت الثراء السريع باستغلال الأزمات، وتشمل قائمة دواعش الداخل أي مسئول أو صاحب نفوذ أو تاجر عمل في السوق السوداء، واستغل النقص الحاد في بعض السلع، ونظموا شبكات للاحتكار، تخفي السلع، لتبيعها بأضعاف أسعارها، وأثرياء الحرب ظاهرة معروفة، لكن امتداد الحرب في سوريا لأكثر من 6 سنوات، واتساع نطاقها بطول البلاد جعل مثل هذه العصابات أكثر عددا وقوة وتنظيما، واستطاع بعضها الحصول على السلع المخصصة للمحتاجين والمحاصرين والمساعدات المحلية والدولية والاتجار فيها، أما الدمار الجظئي أو الكلي لبعض المصانع فجعل من استيراد بعض قطع الغيار أو السلع التي توقف إنتاجها منجما يدر الكثير من الربح.
وبين الجمعيات الخيرية التي عملت على التخفيف من معاناة النازحين والمضارين، توجد جمعيات وهمية جرى تشكيلها لتختلس بعض أو كل ما تحصل عليها من مساعدات غذائية أو ملابس وأغطية، وباعتها في السوق السوداء.
أما ظاهرة «التعفيش» فقد انتشرت في الكثير من الأماكن التي تعرضت للنزوح أو هرب أصحابها وتركوا بيوتهم، فقد تشكلت عصابات لسرقة محتويات هذه المساكن، وتأتي شاحنات كبيرة ويتم كسر أقفال البيوت ونهب ما بها من أثاث وتجهيزات، وتستعين العصابات بأشخاص يبلغون عن المساكن الشاغرة، التي نزح منها سكانها لأي سبب، وتمنحه حصة من عائد السرقات، وتركز العصابات على المناطق الأكثر ثراء والمساكن الفاخرة، فالعصابات مستويات ودرجات، ويعتقد السكان أن هذه العصابات تمكنت من رشوة رجال أمن أو شخصيات لها نفوذ لتحميها، بل إن بعضهم يتهم قوات أمن أو بعض المتطوعين في قوات الدفاع الوطني بالمشاركة في نهب بعض المساكن، وهناك من يبيعون المسروقات فورا، أو من يعيدوا دهانها أو تغيير معالمها وتجديدها، لإعادة طرحها في معارض أو متاجر بأسعار مرتفعة عن البيع السريع، بل هناك من يعيدون بيعها لأصحابها بطرق مباشرة أو غير مباشرة، وتمكن البعض من استعادة العفش المنهوب من خلال أجهزة الأمن أو وسطاء، لكن تبقى ظاهرة التعفيش بقعة سوداء إلى جانب السوق السوداء.
أما أكثر المشكلات الأمنية خطورة وتعقيدا فهي عمليات الخطف، التي يكون في مقدمة ضحاياها أبناء الأثرياء، الذين يمكنهم دفع إتاوات مقابل إعادة أبنائهم، وتستغل هذه العصابات غياب الأمن في بعض المناطق أو تعرض البعض للخطف عن طريق الجماعات المسلحة، وتمارس نشاطها في بعض ضواحي المدن والبلدات، وأحيانا تستدرج أطفالا لشخصيات معينة، أو تقوم بعمليات خطف عشوائية، وتبحث بعدها عن آباء أو أقارب المخطوفين وتساومهم على أبنائهم.
حوادث خطف كثيرة تخفت تحت أقنعة المسلحين، وأخرى ارتكبها المسلحون تحت سمع وبصر الأهالي، وأحيانا كانوا يأخذون بعض الأطفال والنساء ويدعون أنهم سيتخذون منهم دروعا بشرية، حتى لا يطلق عليهم الجيش أو قوات الأمن النار، لكن أهاليهم يتلقون اتصالات هاتفية من المسلحين تطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم، وأحيانا تستجيب عائلات المخطوفين وتدفع الفدية خوفا من الإيذاء البدني أو النفسي أو الجنسي، وأحيانا تتدخل الدولة في المفاوضات، وتعتبرهم من الأسرى، وتدخلهم في عمليات تبادل مع مسلحين أو محبوسين من الجماعات المسلحة، وجرت الكثير من عمليات التبادل، لكن ستظل قضية وجود مختفين، لا يعرف أحد مصيرهم، سواء تعرضوا للقتل على أيدي الجماعات المسلحة أم ضحايا ألغام أم أعمال قتالية أم عمليات خطف تقلق الكثير من العائلات التي تريد معرفة مصير ابنها أو ابنتها الغائبة أو المختفية، في ظل هذه العتمة التي ألمت بسوريا، وسببت الكثير من الجراح الغائرة التي يصعب مداواتها.
 
نفايات التراث بأحدث تكنولوجيا العصر !
كانت الأساطير والأكاذيب إحدى أهم أدوات تحطيم الدولة السورية، وإظهار التكفيريين وكأنهم المنقذ، واستغلوا الدين في إشاعة أساطير منها أن الملائكة تحارب معهم ضد الجيش السوري الكافر، وراحوا يروجون لروايات وهمية عن احتراق دبابات بالطير الأبابيل، وأن صواريخ المجاهدين لا تخطئ أهدافها، بل تدمر عدة أهداف بضربة واحدة بإذن الله، وعشرات الروايات الخرافية التي كان يروجها دعاتهم، ويبثوها بين السكان، ليشعر الناس بأن التكفيريين يمتلكون قوة أسطورية، لا يمكن لأحد الوقوف أمامها، وأن الله يبارك خطواتهم ووعدهم بالنصر المبين.
لم تكن هذه الأساطير كافية لتحقيق الهدف وحدها، بل تضافرت معها أكتذيب تم إنتاجها وترويجها بأحدث تقنيات الدعاية، وتوزعت الأدوار بين منتجي الأكاذيب، فهناك فرق عمل لإنتاج مقاطع مصورة عن مجازر النظام، وهذه الفرق جزء منها في أرض الأحداث وجزء آخر في ستديوهات الإنتاج التليفزيوني، وعادة تستخدم الأطفال، وتأتي يصورة لطائرة تلقي بالقنابل، تأتي بعده بمشهد انفجار، وكأن الطائرة هي من أحدثت التفجير، تليها صور المصابين والقتلى من النساء والأطفال، ولصق المشاهد الثلاثة، والجزء الخاص بالمصابين والجرحى له مخرج وفريق تصوير وممثلون هواة ومحترفون، مع خلفيات صوتية للصراخ والبكاء وهتاف الله أكبر، واستعانت هذه الفرق بمشاهد من تفجيرات في العراق وغزة ومناطق أخرى، لتنتج في النهاية مشهد مجزرة يتم لصقها بالجيش السوري والنظام وروسيا.
وأنفقت بريطانيا 500 مليون دولار لتقديم صورة إيجابية عن التكفيريين، بالترويج لمجموعة أطلقوا عليها «أصحاب الخوذات البيضاء»، وأنتجت أفلاما ومشاهد عن دورهم في الإنقاذ وتقديم المساعدات والإطفاء وعلاج الجرحى، لكن أصحاب الخوذات البيضاء تبخروا عند دخول الجيش السوري شرق حلب، فلم يكونوا سوى ممثلين من الهواة والمحترفين، دورهم الظهور على الشاشات، كنموذج مضيء للجماعات التكفيرية.
وتختلط الأكاذيب التليفزيونية مع الشائعات التي تبثها الخطب في الحشود، لتزيد من لهيب الحماس للقتل والتدمير، وتأتي الإساءة للدين في مقدمة المواد سريعة وقوية الاشتعال، فيتم ترويج شائعة عن قيام ضابط علوي بالتبول على القرآن، أو أن ضباطا روسا وإيرانيين يغتصبون نساء المسلمين، وعشرات الشائعات عن انتهاكات وجرائم تجد في الجنس والدين مواد خصبة للإثارة والتهييج المذهبي الكافي لتأجيج نيران الفتنة.
تساقطت هذه الأساطير والكاذيب تدريجيا، فالتكفيريون خسروا الكثير من المعارك أمام الجيش السوري، ليتساءل الناس عن الملائكة الذين يحاربون في صفوف «المجاهدين»، وهل يمكن هزيمة ملائكة أو الطير الأبابيل الذي يلقي بحجارة من سجيل، تحرق الجيش السوري وحلفاءه؟ أم أن الملائكة تخلت عن «المجاهدين»، ورأت ما يرتكبون من جرائم مروعة، فانقلبت عليهم؟
وكان انفراد الجماعات التكفيرية بحكم بعض المناطق التي سيطروا عليها فرصة كافية لاختبار الحكم الشرعي الذي رفعوا رايته، وهناك عشرات المدن والبلدات التي سيطر عليها المسلحون لأكثر من 3 سنوات، وجميعها عانت من انهيار الخدمات، وتراجع الإنتاج، وعادت إلى حياة العصور الوسطى، فلا مياه أو كهرباء في معظمها، ولا بذور أو خدمات للأرض أو الحيوانات، ولم يهتم أي من المسلحين بزراعة نبتة واحدة أو بناء جدار أو صناعة، سوى تجهيز السيارات المفخخة، وجمع أنابيب البوتاجاز لتحويلها إلى قذائف، باستخدام «مدفع جهنم» الحارق، وهو من أكثر الأسلحة انتشارا بين المسلحين، ويلقون أنابيب الغاز مع المقذوفات لإحداث حرائق واسعة في المناطق غير الخاضعة لسيطرتهم، حتى تستسلم. أما السيارات المفخخة فكانت تستخدم دروعا من ألواح الصلب المستقدم من تركيا، وهو نوع خاص من الصلب صعب الاختراق بالمقذوفات العادية مثل الآر. بي. جي. ويتم وضع كل ما يمكن وضعه في السيارة من قذائف دبابات ومدفعية ومسحوق السي فور التي إن تي، مع كميات من المسامير والقطع الحديدية التي تصبح شظايا قاتلة لمسافات بعيدة.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg