المجلة



قصص تفوق الخيال.. آلاف الضباط والجنود السوريين لم يغادروا الثكنات لسنوات

21-2-2017 | 17:51
مصطفى السعيد

 
مئات القصص الحية عن تضحيات وبطولات تفوق الخيال، عشرات الآلاف فى سوريا أمضوا سنوات داخل معسكراتهم، لم يخرجوا في إجازة واحدة، ولم يروا إلا زملاءهم داخل الثكنات، خاضوا الكثير من المعارك أثناء الحصار، وحملوا أصدقاءهم الشهداء والجرحى، واقتسموا القليل من الطعام والخبز الجاف، هذه البطولات حدثت في مطار كويرس الذي حاصره ذئاب داعش نحو 3 سنوات، ومطار ومدينة دير الزور والمحاصرين للعام الرابع حتى الآن،  ونبل والزهراء اللتان تحررتا العام الماضي، ومطار حلب المحاصر من داعش في الشرق والنصرة وأتباعها في الغرب، والفوعة وكفريا المحاصرتين حتى الآن، وثكنات عديدة ظلت جماعة القتل والحرق والذبح من الدواعش والنصرة تحاول السيطرة عليها، وتهدد بأنها سوف تلحق بهم أشد أنواع العذاب إذا لم يستسلموا.
أمهات تركن أبناءهن وشاركن في القتال المباشر مع مسلحي داعش، ينمن داخل حفر، ويراقبن أي محاولة تسلل ويشتبكن مع المسلحين، وسقطت مئات الشهيدات على جبهات القتال، ورفضن الاكتفاء بالبقاء في المواقع البعيدة عن نقاط الاشتباك.
أهالي الشهداء ضحوا بفلذات أكبادهم، لا يمكن الكتابة على آلاف قصص التضحيات، لكن عندما كنت في حلب سمعة بقصة التوأمين ياسين وحسان اللذان أصرا على الالتحاق بالخدمة العسكرية معا، وحاول والدهما إثناء أحدهما، والاكتفاء بوجود واحد على جبهة القتال، لكنهما تمسكا بأن يكونا معا، وعندما أصيب ياسين، رفض شقيقه التوأم أن يتركه، وظل يقاتل إلى جانبه حتى استشهدا معا، مثلما ولدا معا. 
التقيت العقيد فادي عباس وعدد من ضباط وجنود ملحمة مطار حلب، الذي كانت تسقط عليه القذائف كالمطر من كل صوب، لكن حاميته ظلت نحو 3 سنوات تدافع عنه تحت حصار مرعب، وقال لي العقيد فادي الذي لاحظت وجود سريره داخل مكتبه، وصوت فيروز يصدح في المكان، كنا ندرك أن سقوط المطار يعني سقوط حلب، ولا يمكن أن نحتمل فكرة أن تسقط حلب، فحلب ليست مجرد مدينة، فهي تاريخ ورمز له قيمة لا يمكن التفريط فيها، فهي مدينة الفن والثقافة والإنتاج والعمل، إنها روح سوريا التي لا يمكن التفريط فيها مهما بلغت التضحيات، ولهذا مرت علينا أيام طويلة لا نذوق فيها طعم النوم، فحماية المطار الواسع، الذي يحيط به آلاف المسلحين ومئات السيارات المفخخة ومدافع جهنم والهاون والمدرعات والانتحاريون تحتاج أن تكون القوات في حالة استنفار دائم، وعلى أهبة الاستعداد لصد أي هجوم، وكنا نقضي الليل والنهار إما في قتال مباشر، أو ترقبا لهجوم على أحد جوانب المطار، وعشنا هكذا شهور وسنوات لم نعد نحصيها، فلم نكن نعرف في أي يوم نحن ولا التواريخ، وكل ما يشغلنا هو عدم سقوط المطار.
كانت تصل لنا الإمدادات بطائرات صغيرة، نجهز لها أحد المدارج، ونحاول إصلاح المدرج من آثار القذائف حتى تتمكن الطائرة من الهبوط ليلا، وبلا إضاءة، تجنبا للنيران، وهو تحد خطير من الطيار، الذي يسترشد لمعرفة مكان الهبوط بالقليل جدا من الضوء، ومع ذلك كانت تتعرض الطائرات لوابل من النيران عند هبوطها، وإحدى الطائرات تمكنت من الهبوط رغم إصابتها ب38 طلقة من مدفع رشاش ثقيل، وأحدث بها إصابات مؤثرة، وحطت بمعجزة.
كانت الطائرة تحمل لنا القليل من الذخيرة والطعام، وتأخذ الجرحى والشهداء من أصدقائنا الضباط والجنود، ولأننا كنا في حاجة ماسة للذخيرة، فكنا نضحي إلا بالنذر اليسير من الطعام والشراب.
كنت أسمعهم وهم يهددوني باسمي في مكبرات الصوت، ويتوعدون بأنهم سوف يسلخون جلدي قبل حرقي حيا، ولأني أدرك أنهم جادون فقد طلبت من زملائي أن يطلقوا الرصاص لقتلي إذا تمكنوا من اقتحام المطار، وعجزت عن قتل نفسي .. هذه كانت وصيتي لهم. كانوا قد طلبوا التفاوض، فذهبت إليهم، وعند دخول مقر قيادتهم وجدتهم وضعوا جثامين بعض جنودنا الأسرى بلا رؤوس، ورغم قسوة المشهد فقد تحاملت وصممت إما أن نموت ونحن نحمي المطار أو ننتصر.
قال لي الجندي محمد همامي: لقد كنا نتقاسم معا كسرة الخبز، وكنا من كل الطوائف، لكننا كنا معا على قلب وطن واحد، وقد مددت خدمتي في الجيش رغم إنهائي فترة التجنيد.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg