ش فى سوريا: المصالحات .. انتصارات دون قتال ! - الأهرام العربي

المجلة



فى سوريا: المصالحات .. انتصارات دون قتال !

21-2-2017 | 17:45
مصطفى السعيد

 
نجحت لجان المصالحات في تسوية أوضاع نحو 10 آلاف مسلح، كانوا ينتشرون في مناطق واسعة تمتد من درعا وريفها والشيخ مسكين في الجنوب قرب الحدود الأردنية، وحتى القنيطرة والجولان في جنوب غرب دمشق، وبالقرب من حدود الكيان الصهيوني، وامتدت المصالحات إلى أهم معاقل الجماعات المسلحة في ريف دمشق الغربي والشرقي وحتى حمص وحلب. جاء نجاح المصالحات بسبب عاملين رئيسيين، أولهما أن سكان الكثير من المناطق عانوا من حكم الجماعات المسلحة، الذين أهانوهم وغيروا نمط حياتهم وتدخلوا في أشد خصوصياتهم حساسية، وبدأوا يفرضون الأتاوات على السكان، ويرغموهم على تزويج بناتهم من المسلحين، وإجبار الشباب على القتال بجانبهم، وما زاد المعاناة أنهم لم يمتثلوا لإلحاح السكان بوقف قصف الجيش السوري من داخل المناطق السكنية، حتى لا يرد الجيش السوري أو يفرض الحصار حولهم، فلا يتمكنون من رعاية مصالحهم أو الخروج لعملهم، بل كانت الجماعات المسلحة تتعمد إطلاق القذائف من أكثر الأماكن ازدحاما بالسكان.
 
سقطت رهبة الجماعات المسلحة بعد أن سقطت هيبتها، فقد كان دعاتها يقولون إن الخير والبركة ستعمان على مناطقهم، لأن الله معهم والملائكة تحارب في صفوفهم، وإذا بالخراب والدمار يحل مع هذه الجماعات، وعندما ضج الشباب منهم وبدأ يرفض الانضمام إليهم استخدموا ضدهم كل وسائل العنف والترهيب من القبض عليهم وعلى أسرهم وأقاربهم، وجرى قتل بعضهم، ظنا أن الترهيب سوف يجبر السكان على الاستسلام والرضوخ، لكن استمرار الضغوط والانتهاكات وإهمال الجماعات المسلحة لكل شئون الحياة، جعل السكان ينقلبون عليهم، وزادوا من ضغوطهم على المسلحين لكي يرحلوا عن مناطقهم.
 
خرجت الكثير من المظاهرات التي تطالب المسلحين بالرحيل، وترفع أعلام الدولة السورية في تحد واضح لكل أساليب الترهيب، وجرى إطلاق النار على بعض هذه المظاهرات فزاد السكان إصرارا على رحيلهم.
أخذت الانشقاقات تدب في الجماعات المسلحة داخل الأحياء والبلدات التي يسيطرون عليها، وبدأوا يوافقون على التفاوض من أجل خروجهم، لكن قطاعات كبيرة من الشباب التي انخرطت في صفوفهم رفضت الرحيل، وتمسكت بتسوية أوضاعهم، والاستفادة من العفو العام.
تراجعت الجماعات المسلحة أكثر من مرة في مفاوضات الرحيل أو التسويات، ووافقت الحكومة السورية على نقل المسلحين وأسرهم إلى أي مكان يرغبون في الانتقال إليه، وتوفير حافلات تقلهم إلى تلك الأماكن، لكن تراجع المسلحين جاء بسبب ضغوط دول أجنبية هددت بوقف تمويل أي مجموعة مسلحة توافق على الترحيل إلى إدلب أو أي مكان آخر، بالإضافة إلى خوفها من رفض معظم شباب هذه المناطق الانتقال معهم، والتمسك بالبقاء وعقد تسويات، فتقدم المسلحون بشروط يصعب على الحكومة السورية قبولها، منها إطلاق سراح أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات الإرهابية، لكن الحكومة وافقت على إجراء عمليات محدودة لتبادل الأسرى، وكان يجري إطلاق أعداد كبيرة من المسلحين، مقابل إطلاق سراح المخطوفين من النساء والأطفال الذين تحتجزهم الجماعات المسلحة، أو بعض من اتهمتهم بالتعاون مع النظام، وجاءت هذه التنازلات لتجنيب السكان مخاطر القتال داخل الأحياء السكنية.
شارك في مفاوضات التسويات وزارة المصالحات التي كانت على اتصال بجميع أجهزة الدولة الأمنية والخدمية، بالإضافة إلى مشاركة القوات المسلحة وأعيان تلك المناطق وممثليها الشعبيين، نجحت الكثير من المصالحات التي وصفها البعض بأنها مجحفة في حق الدولة، وأن القضاء على المسلحين كان الأفضل والأسهل، لكنها شجعت على دخول أعداد أكبر في مفاوضات المصالحات، وامتدت الشروخ في جماعات المسلحين، وزادت الضغوط الشعبية عليهم من أجل مغادرة مناطقهم، وحدثت اشتباكات مسلحة بين الأهالي والمسلحين، دفعتهم إلى تسريع وتيرة المفاوضات، والتخفيف من الشروط التعجيزية.
كشف شباب القرى عن الانتهاكات والفظائع التي كان يرتكبها المسلحون، وأدلوا باعترافات خطيرة حول علاقتهم بجهات أجنبية، والمبالغ التي يدفعوها لضم الشباب، وسلموا الأسلحة إلى الجيش السوري، وكشفوا عن مخازن الأسلحة والألغام التي زرعها المسلحون قبل ترحيلهم، وعاد الشباب لأداء الخدمة العسكرية، ومحاربة الجماعات المسلحة التي كانوا في صفوفها، وحظت المصالحات بارتياح كبير، وكانت الأحياء والبلدات تنظم مهرجانات احتفالا بالعودة إلى الدولة ومغادرة المسلحين لمناطقهم.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg