المجلة



اسمه الحقيقى عازر وينتمى إلى عائلة «زيكى».. الأهرام العربي تحتفى بذكرى رحيل "رجل الصلاة"

13-3-2017 | 20:21
د. مينا بديع عبد الملك

 
شارك عبد الناصر فى بناء وافتتاح الكاتدرائية 
 
الشيخ أحمد الباقورى: البابا كيرلس السادس من الكبار الذين لا تستطيع الكلمات إيفاءهم حقهم من المودة والتقدير.. وصاحب ضمير يقظ
 
ستبقى ذكرى البابا كيرلس السادس مصباحا منيرا ورمزا حيا للمسيحيين بمصر كاثوليك وأرثوذكس
 
فى عهده نشطت الكنيسة القبطية فى مجالات مختلفة وانفتحت على العالم
 
فى 9 مارس 2017 يحتفل المصريون - مسلمين وأقباطاً – بالذكرى السادسة والأربعين على رحيل بطريرك ناسك وأب جليل هو البابا كيرلس السادس (1902 – 1971) البطريرك 116، الذى رحل فى يوم الثلاثاء 9 مارس 1971 فى تمام الساعة الحادية عشرة إلا الثلث صباحاً. وبعد ظهر يوم الخميس 11 مارس 1971 ودعه المصريون بصفة عامة والأقباط بصفة خاصة بالكاتدرائية المرقسية الكبرى بالعباسية.
بعدد مجلة «صباح الخير» الصادر فى 18 مارس 1970 (قبل رحيل البابا بنحو عام) قال مستر «يوجين بليك» سكرتير مجلس الكنائس العالمى – فى ذلك الوقت - للسيد مفيد فوزى المحرر بالمجلة: «إن البابا رجل بسيط ولكنه عميق.. إن عينيه نفاذتان. أصارحك القول إنى لم أستطع أن أتطلع فيهما كثيراً. إن البابا يؤمن بالرهبنة، ويتحدث عنها بعشق شديد» ولمح يوجين بليك لافتة عليها بضع كلمات باللغة العربية، معلقة على باب القاعة التى تم فيها اللقاء . وطلب من  مفيد فوزى أن يترجمها له حرفياً فقال: «إن الكلمات تقول: ازهد فى الدنيا يحبك الله ازهد فيما فى يدى الناس يحبك الناس. من جرى وراء الكرامة هربت منه .. ومن هرب منها بمعرفة تبعته وأرشدت الناس إليه». وهز مستر يوجين رأسه وقال: لقد لخصت لى فلسفة البابا فى كلمات إنه رجل زاهد. يزهد فى كل شيء تلك أظن سر قوته... وذلك شعار الراهب الحقيقي.
وقال عنه الكاردينال أسطفانوس بطريرك الأقباط الكاثوليك بمصر: «.. البابا كيرلس .. رجل تقوى ومحبة وسلام .. أنهك قواه باستقبال الجميع دون تفرقة بوداعة وحكمة .. وذاع صيته خارج الجمهورية... فى أنحاء إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا.. حيث كان الحديث قبله عن الكرازة المرقسية نادراً، إن لم يكن مجهولاً فى القرن الماضي.. ففى عهد قداسته نشطت الكنيسة القبطية فى المجالات المختلفة. ولوحظ انفتاح الكنيسة القبطية فى عهد قداسته على العالم .. كان أول الذين أيدوا قداسة البابا بولس السادس فى تأسيس يوم السلام العالمى، قبل 3 سنوات فى سبيل استنباط المحبة واحتضان الإنسانية المعذبة ومواساتها». وقال فى ذكرى الأربعين: «... إن قداسة البابا الراحل كيرلس السادس كان يمثل المسيحيين المصريين بأجمعهم... وعلى مر الأعوام ستبقى ذكرى البابا كيرلس السادس مصباحاً منيراً ورمزاً حياً للمسيحيين بمصر من كاثوليك وأرثوذكس لا تمحى آثاره إلى الأبد... كان البابا كيرلس وديعاً متواضعاً سمحاً يقصده الجميع ملتمسين بركاته وصلواته. وكانوا يشعرون أنهم أبناء فى حضرته. أما بالنسبة للرؤساء الدينيين، فكانت عاطفة المودة والأخوة الصادقة التى تنبعث من قلبه الكبير تجعلهم يشتاقون لمعاودة زيارته... وشهد بذلك الكرادلة والبطاركة والسفراء والأساقفة الذين زاروه فى مقره البطريركي... لقد فقدنا أخاً كبيراً. وأخوتى الأساقفة الكاثوليك من الطوائف المختلفة يشاركوننى نفس الشعور. أجل لقد فقدنا أخاً كبيراً. لا.. بل يمكن أن أقول إننا فقدنا  أباً....»
وقال عنه فضيلة الشيخ أحمد حسن الباقورى وزير الأوقاف الأسبق: « قداسة البابا الأنبا كيرلس السادس من أولئك الكبار الذين لا تستطيع الكلمات إيفائهم حقهم من المودة والتقدير... وربما طاب لبعض الناس أن يقول فى شأن قداسته ما لا علم له به، استجابة لحدة عاطفية أو نزولاً على حكم مجاملة.. بيد أنى وأنا أتناول القلم لأكتب هذه الكلمات. أتمثل معانى تقتضى حقوقاً لا محيص من قضائها.. ولا سبيل إلى المماطلة فيها».
لم ينخرط يوماً فى السياسة، لأنه كان يعلم أن السياسة كذب ونفاق وهى تتعارض تماماً مع رسالة رجل الدين. ولأنه كان صاحب ضمير يقظ، فكان يقظاً فى حياته واهتم بتحمل المسئولية التى أسندت إليه وهى رعاية شعبه بالبر والتقوى. وفى نفس الوقت كان يدافع عن حق المظلومين أمام المسئولين حتى يعود الحق إلى أصحابه.
ينتمى البابا كيرلس السادس إلى عائلة «زيكى» التى نزحت من «الزوك الغربية» فى صعيد مصر فى أواخر عهد المماليك، إلى بلدة طوخ النصارى بالمنوفية. كان والده «يوسف عطا» يعمل لدى أحد كبار المُلاك وكيلاً عاماً لجميع أعماله بالغربية والمنوفية والبحيرة، ثم أستقر فى مدينة دمنهور. وفى 2 أغسطس سنة 1902م أنجب ابنه الثانى «عازر» (الذى صار فيما بعد البابا كيرلس السادس). وجعل من بيته مقراً لاستضافة الآباء الرهبان الذين وجدوا كل الترحيب وكرم الضيافة من أهل البيت. انتقلت أسرة الوالد يوسف عطا إلى الإسكندرية، حيث عمل وكيلاً لدائرة «أحمد يحيى باشا» وكانت الدائرة مركزاً من مراكز الحركة الوطنية، ومقراً لرجال الوفد بالإسكندرية، وكان للشاب عازر دور فى هذا المجال الوطنى، فأظهر فيه حبه للوطن وتفانيه فى خدمته. بعد أن أتم دراسته الثانوية التحق بشركة «كوكس شيبنج للملاحة» (حالياً مبنى البنك الأهلى بشارع صلاح سالم بالإسكندرية). كان الشاب عازر يُعد نفسه للحياة الرهبانية، فكان يقضى وقت فراغه فى الكنيسة المرقسية الكبرى بالإسكندرية مواظباً على حضور الصلوات بها، ويمضى الليل فى حجرته الخاصة ساهراً يطالع الكتب المقدسة أو مصلياً، أعد حجرته بطريقة خاصة تشبه قلاية الراهب فى الدير، حيث البساطة فى ترتيب الحجرة وإعدادها لحياة الصلاة الدائمة. وفى يوم من الأيام تلقى شقيقه الأكبر «حنا» مكالمة تليفونية لمقابلة مدير عام الشركة التى يعمل بها شقيقه «عازر»، وعندما توجه لمقر الشركة، أبلغه المدير أن عازر قدم استقالته، التى جاءت فى عبارة موجزة: ( بما أن لدى أعمالا مهمة لا يسعنى أن أتخلى عنها، فلذلك أقدم استقالتى من العمل، وأرجو أن يتم قبولها حتى نهاية يونيو 1927). لكن لم يعلم المدير ولا شقيقه سر هذه الاستقالة على الرغم من مركزه الممتاز بالشركة ومحبة الجميع له. فى المساء التفت العائلة حول الشاب عازر وسألوه عن سر الاستقالة فقال: (أيهما أفضل حياة البر والقداسة والسعادة الحقة، أم حياة الشقاء والكد والتعب فيما لا ينفع. وماذا يفيد الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، أو ماذا يعطى فداء نفسه). تحقق له ما أراد وتوجه إلى دير البراموس بوادى النطرون فى صباح 27 يوليو سنة 1927. وبعد رحلة سفر طويلة وصل الدير نحو الساعة الثامنة مساءً ومعه الراهب بشارة البراموسى (فيما بعد الأنبا مرقس مطران طهطا وأبوتيج). أرشده أمين الدير إلى القلاية المخصصة له ليقيم فيها، فقام بإعدادها أفضل إعداد كما أنه انتظم فى الصلوات اليومية بالدير مع بقية الرهبان. وفى الدير تتلمذ على يد أحد شيوخ الدير وهو القمص عبدالمسيح المسعودى من الآباء المتبحرين فى العلوم الكنسية وله العديد من المؤلفات التى تُعد مرجعاً مهماً حتى يومنا هذا. شجعه الأب المرشد على إصدار مجلة دينية باسم «ميناء الخلاص»، فكان يكتبها بخط يده وكان عدد النسخ لا يقل عن خمسين نسخة مكونة من اثنتى عشرة صفحة، وكانت تصدر شهرياً لعدة سنوات. بعد أن اطمأن شيوخ الدير على قوة عزيمته فى تحمل مطالب الحياة الرهبانية من صبر وجلد ونسك وصوم وصمت وطاعة وزهد فى المناصب، زكوه جميعاً ليكون راهباً بينهم، فتمت رهبنته فى يوم 25 فبراير سنة 1928 وتمت طقوس رهبنته ودعوا اسمه «مينا البراموسى». ومنذ ذلك الوقت وضع لنفسه قانوناً التزم به طوال حياته: (أن يحب الكل وهو بعيد عن الكل).
فى عام 1932 طلب من آباء الدير السماح له بحياة الوحدة، وفعلاً توحد فى مغارة تبعد عن دير البراموس مسافة ساعة سيراً على الأقدام وهى عبارة عن نقر فى الصخر لعمق 3 أمتار. عندما توجه إلى المغارة أخذ تعهداً من رهبان الدير ألا يزره أحد أو يهتم به أحد، كما تعهد بالحضور إلى الدير مساء كل سبت للاشتراك فى الصلوات حتى صباح الأحد ثم يعود إلى وحدته مرة أخرى. فى عام 1933 زاره فى مغارته د. حسن فؤاد مدير الآثار العربية فى ذلك الوقت ومعه مدير كلية اللاهوت بنيويورك، فحدثهما الراهب مينا عن الرهبنة القبطية ومؤسسى الرهبنة، وعند أنصرافهما أعطاه السيد مدير الآثار كارته الشخصى. ثم زاره بعد ذلك فى مغارته البابا يؤانس 19 البطريرك 113 ومكث معه بعض الوقت.
حدثت بعد ذلك أحداث أدت إلى أن يستأذن الراهب مينا المتوحد من البابا يؤانس، أن يسمح له بالسكنى فى طاحونة هواء على مرتفع من جبل المقطم يطل على القاهرة. وبينما هو يتجول بين الطواحين سأله الغفير المنوط بحراستها عما يرغب فيه. ولما عرف قصده أبلغه بأنها من مخلفات المماليك وهى تابعة لمصلحة الآثار العربية، وممنوع قطعياً لأى شخص أن يسكن فى إحداها ما لم يحصل على أذن من مدير المصلحة نفسه. وفى اليوم التالى قصد الراهب مينا المتوحد إلى مصلحة الآثار وقدم كارت د. حسن فؤاد للساعى الواقف ببابه وقال له: (من فضلك قل للسيد المدير إن من أعطيته هذا الكارت يرجو مقابلتك). وكم كانت دهشة الساعى كبيرة إذ رأى مدير الآثار يخرج بنفسه ويعانق الناسك المتوحد بحرارة ويدخله إلى مكتبه. وما إن عرف مطلبه حتى كتب خطاباً إلى الغفير يطلب فيه أن يدع الراهب العابد يتخير الطاحونة التى يريدها ويقيم فيها. وقد أعد مدير الآثار عقداً معه لحمايته من أية مضايقات فى المستقبل. وكان الراهب مينا المتوحد قد اختار طاحونة لا سقف لها ولا باب! وبمعاونة بعض القاطنين بالمناطق المحيطة تم بناء سقف للطاحونة وفوقه دور ثان ليكون كنيسة صغيرة، كذلك وضعوا لها الباب والنوافذ اللازمة.
كان بجبل القلمون دير باسم الأنبا صموئيل يرجع تاريخه إلى العصور الأولى، ثم انطوى هذا الدير فى طى النسيان إلى نحو منتصف القرن العشرين. وأراد أنبا أثناسيوس مطران بنى سويف أن يعيد تعميره، فقصد إلى الأنبا يوساب مطران جرجا، وكان فى ذلك الوقت قائمقاماً بطريركاً وأطلعه على رغبته. وأقترح وضعه تحت رئاسة الراهب القس مينا المتوحد، فوافقه أنبا يوساب على طلبه وعلى ذلك قصد الناسك إلى الدير ووجده فقيراً لا أوقاف له وبه عدد ضئيل من الرهبان، فبدأ بتعميره وأقبل إليه عدد من الشباب الجامعى للرهبنة تحت رئاسة الراهب القمص مينا المتوحد، وفى عام 1948 توجه الصيدلى يوسف إسكندر والذى ترهبن باسم الراهب متى الصموئيلى (فيما بعد القمص متى المسكين)، وكانت جميع مراسلات الدير باسم «القمص مينا البراموسى المتوحد». وبعد أن أطمأن على دير الأنبا صموئيل عاد إلى طاحونته بالجبل.
بنشوب الحرب العالمية الثانية طلب منه قائد الجيوش البريطانية أن يترك الطاحونة، فنزل من الجبل وبمعاونة بعض مريديه تمكن من شراء أرض مساحتها 500 متر مربع بمنطقة مصر القديمة أقام عليها كنيسة باسم القديس مينا العجايبى (مازالت قائمة إلى الآن أمام محطة مترو الزهراء)، وبجوارها سلسلة من الغرف بعضها لتعليم أولاد الحى من الفقراء الحرف البسيطة كالحدادة والسباكة والنجارة، ونصفها الثانى للطلبة المغتربين، وبذلك يكون الراهب مينا المتوحد أول من فكر فى إنشاء بيوت للطلبة المغتربين. فى تلك الفترة تعرف على مجموعة من الشباب السكندرى المثقف المهتمين بنشر الثقافة القبطية وكان لديهم مشروع تأسيس جمعية ثقافية، فأوحى اليهم باسم القديس مينا، وفى نوفمبر 1945 تأسست جمعية مارمينا العجايبى للدراسات القبطية بالإسكندرية بإرشاد الراهب القمص مينا المتوحد، واستمرت العلاقة بين الراهب المتوحد (وبعد ذلك البابا كيرلس السادس) بمؤسسى الجمعية وأنجالهم حتى نياحته (وفاته) فى عام 1971. 
وتمر الأيام ويشاء الله أن يختار الراهب المتوحد مينا البراموسى ليجلس على الكرسى المرقسى فى 10 مايو 1959 فكان يوم ذو رنين خاص، فقد أُذيعت صلوات السيامة من محطات الإذاعة مباشرة أثناء تأديتها (لم يكن التليفزيون قد أُدخل بعد فى مصر). إذ كانت سيامته حدثاً جليلاً تهلل له قلوب المصريين لأنها كانت رسامة قانونية بعد العديد من المخالفات التى حدثت منذ تنصيب البابا يؤانس 19 فى ديسمبر 1928. وحين علم الشعب كله بأن البابا الجديد اسمه «كيرلس» كتب عباس محمود العقاد مقالاً فى جريدة الأهرام، قال فيه: (إن اسم كيرلس ذو رنين خاص فى تاريخ الكنيسة القبطية: فكيرلس الأول عامود الدين، والثانى مشرع حكيم، والثالث مرشد يقظ، والرابع أبو الإصلاح، والخامس زعيم روحى قومى من الطراز الممتاز). فى فترة بطريركته أهتم بالعمل الروحى والعمل التعميرى ولم يتوقف عن الدور الوطنى. 
ما أن جلس على الكرسى المرقسى حتى بدأ بالآتى: (1) زار إيبارشيات القطر المصرى حتى أثيوبيا مبشراً بعهد جديد يرجع فيه لكنيسته قوتها وعظمتها وجلالها. لقد أصبح البابا كيرلس فى أيام معدودة شخصية عالمية مشهورة وأكبر زعيم روحى فى العالم، كل الصحف - كبريات الصحف الأوروبية والأمريكية - كتبت عن قداسته ونشرت صوراً رائعة لقداسته، وخصصوا صفحات كاملة للحديث عنه. حتى القرى والمدن المجاورة زارها. زار رشيد، رغم قلة الأقباط بها فإن رشيد خرجت كلها عن بكرة أبيها لاستقبال هذا القديس، ولأول مرة فى تاريخ رشيد ترى زائراً كبيراً عالمياً يترجل فى شوارعها. لقد ترجل قداسة البابا فى شوارع رشيد وذلك بعد زيارته لكنيسة مارمرقص بها، لكى يزور كنيسة الروم الأرثوذكس هناك. وكانت الألوف تهتف وتصفق، فكان يرفع يديه ويباركهم برسم علامة الصليب. (2) أزاح ستار النسيان عن المدينة الرخامية القابعة بمنطقة مريوط باسم مدينة «بومنا» أو مدينة القديس مينا العجايبى، فبادر بزيارة المنطقة عدة مرات ثم فى يوم الجمعة 27 نوفمبر 1959 وضع حجر أساس الدير الحديث بالمنطقة باسم دير القديس مينا العجايبى، ثم الحقه ببيت خلوة ليخلو فيه قصاده فى سكون وهدوء فى تأمل روحى عميق. (3) أيقن أن كنائس إفريقيا ستتلفت نحو كنيسة الإسكندرية – بعد زوال الاستعمار من أراضيها – فبالتعاون المثمر مع الرئيس جمال عبد الناصر بدأ بإنشاء كاتدرائية كبرى بمنطقة الأنبا رويس بالعباسية تحمل اسم كاروز الديار المصرية القديس مرقس. وهذه الكاتدرائية تُعد نصباً تذكارياً خالداً لهمة ذلك البطريرك العظيم. (4) التفت إلى العلم والثقافة والعمل الأجتماعى فخطى بثلاث خطوات إيجابية: رفع من شأن الإكليريكية – العمود الفقرى للإصلاح الروحى – برسامة أسقف فاضل عليها أشتهر بالعلم والورع وهو الأنبا شنوده أسقف التعليم والمعاهد اللاهوتية (فيما بعد البابا شنوده الثالث)، الاهتمام برسالة المعهد العالى للدراسات القبطية فأقام عليه أسقفاً للدراسات القبطية والبحث العلمى هو الأنبا غريغوريوس، من أجل الفقراء والمحتاجون والأستقرار العائلى والخدمة الروحية للأسرة فخصص لهم أسقفاً للخدمات العامة والاجتماعية الذى كان له باع طويل فى هذا الميدان وهو الأنبا صموئيل. فيكون قد أتم بذلك مثلث النهضة الكنسية الحقيقية. (5) شكل لجان للغة القبطية وللتاريخ وللآثار وللفن وللعمارة من رجال الفكر والأدب والعلم، فأحاط هذه الأسقفيات الثلاث بتلك الصفوة حتى يعمل الجميع فى صعيد واحد بروح الجماعة. (6) فى عام 1970 كلف أبناء الكنيسة بألمانيا بإحضار مطبعة من مدينة هيدلبرج أشرف على إحضارها المهندس فؤاد خليل بطرس، ثم بادر بتدشين دار خاصة لها فى حفل أقيم بمنطقة الأنبا رويس بالعباسية استشعاراً منه أن المنطقة ستتحول فيما بعد إلى خلية نحل فى العمل الكنسى، وهذا ما نراه اليوم. (7) فى عام 1969 كلف أعضاء جمعية مارمينا العجايبى بالإسكندرية – التى تخدم التاريخ القومى والثقافة منذ عام 1945 – بإعداد مرجعاً شاملاً لقواعد اللغة القبطية، فكان كتاباً فريداً فى موضوعه وتحمل قداسته تكاليف طباعته وخصص إيراد الكتاب لتعمير دير مارمينا بمريوط. (8) توجه بنظره إلى القارة الأمريكية، فأقام عدداً من الشباب المثقف بالعلوم اللاهوتية والكنسية وأقامهم كهنة عام 1964 على كنائس بمدن تورنتو الكندية ومونتريال الكندية ونيوجرسى الأمريكية، ثم فى عام 1968 توالى الاهتمام بأبناء الكنيسة بلوس أنجلوس الأمريكية. كما توجه بنظره نحو القارة الأسترالية فانتقى واحداً من خيرة الشباب وأقامه كاهناً ليخدم أقباط الجالية الأسترالية، وذلك فى عام 1969. (9) رأى أن دير القديس أنبا مقار – من أقدم أديرتنا القبطية – قد بدأ فى الانهيار من حيث عدد الرهبان الذين تقلص عددهم إلى خمسة فقط!! وأيضاً الانهيار المعمارى، فبادر بمبادرة طيبة فى 10 مايو 1969 وأسند للأب متى المسكين وجماعة رهبانه وتلاميذه المقيمون بمنطقة وادى الريان، وطلب منهم إعادة تعمير وإحياء الدير. وهو ما قد تم حتى تبوأ الدير مكانته الأولى. (10) اهتم بإرسال مبعوثين إلى جميع المؤتمرات الكنسية التى تُدعى إليها ليعبروا عن حيوية الكنيسة بعد أن كان العالم لا يعرف أن بمصر كنيسة وطنية حية. (11) فور نشوب حرب 1967 كلف أسقف الخدمات العامة والأجتماعية الأنبا صموئيل (1962 – 1981) بالذهاب إلى جنيف والتباحث مع مجلس الكنائس العالمى للحصول على أدوات طبية وأغذية ومساعدات للجرحى والمشردين.
وبعد انتهاء رحلة البابا كيرلس السادس أُطلق عليه لقب «رجل الصلاة». وهكذا كمُلت أيام الرحلة المقدسة التى امتدت من 2 أغسطس 1902 حتى يوم الثلاثاء 9 مارس 1971 وقد بلغ من العمر 69 عاماً فقط. حدث أن ظلت جريدة الأهرام – على مدى أربعين يوماً كاملاً – تنشر تعازى الهيئات المختلفة وأفراد الشعب على مدى عدة صفحات، الأمر الذى لم يحدث من قبل ولا من بعد.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg