مقالات



المقاهى الثقافية فى العالم

18-3-2017 | 17:22
د.عمار على حسن

هذا عنوان الكتاب الممتع والمفيد الذي كتبه الكاتب والباحث الأستاذ كامل رحومة، وطاف بنا عبر سطور رائقة في مشارق الأرض ومغاربها، ليسرد ويشرح ويرسم صور المقاهي الثقافية في مختلف البلدان، فاتحا مفهوم الثقافة على السياسة والمجتمع والسوق، وراحلا في الأزمنة عبر قرون وفي الأمكنة بين القاهرة وباريس ودمنهور ليخبرنا، بعد أن راجع كتبا ودراسات ومقالات عديدة وعايش وتأمل وتدبر، أن المقاهي لعبت دورا مهما في تاريخ الإنسانية، فمنها انطلقت حركات اجتماعية وسياسية، واندلعت ثورات، وأًبدعت أفكار ورؤى. 
 
يبدأ الكتاب بالإجابة عن سؤال: لماذا يرتاد الناس المقاهي؟ ليحدثنا عن المتعة والصحبة وفهم المجتمع وتزجية وقت الفراغ، وقضاء المصالح، ثم يعرج على تاريخ القهوة، التي كانت هي محرك التاريخ في زمن مضى، وبعدها تاريخ المقاهي، وكيف نشأت المقاهي الثقافية؟ وما الدور الاجتماعي الذي لعبته؟ وكيف أنها أشبه بجماعات الرفاق والأندية الاجتماعية والرياضية؟ ليحكي لنا بأمثلة ناصعة أنشطة المقاهي ببلادنا في زمن مضى، حيث الأدباتي والحكواتي، وممارس فن الأرغول، والأراجوز، وخيال الظل، وحكايات بتوع رمز، وإطلاق النكات، وفن القافية (الإفيه) وشعراء السير والملاحم، وممارسي الإنشاد الديني والشعري، وصولا إلى الفنون التشكيلية، ثم كيف صارت المقاهي سوقا، يباع فيها ويشترى، لاسيما من الباعة الجائلين، وماسحي الأحذية، وأخيرا المتسولون.
 
أما عن المقهى والسياسة، فيبرز لنا دور مقهى متاتيا بحي العتبة، وهنا نتذكر العبارة الأثيرة:»هذا الشيخ الجليل الذي كان يجلس على قهوة متاتيا، يوزع السعوط بيمناه، والثورة بيسراه».. التي قرأناها في كتاب أحمد بهاء الدين «أيام لها تاريخ» عن المفكر الثائر جمال الدين الأفغاني، واضعا لافتة عريضة عن حالة زخرت بها مصر في نهاية القرن التاسع عشر، وكان أحد المقاهي الشهيرة وقتها، يقع في قلبها، صانعا مكانا أليفا يلتقي فيه قادة الرأي والفكر والسياسة، وتلك الألفة انعكست في حديث رواده عنه، فوجدنا رجالا مثل عبد الله النديم، وسعد زغلول، وطه حسين، وأديب إسحق، وعباس العقاد،  ومحمود سامي البارودي،  وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وعبد السلام المويلحي، وعبد العزيز البشري، وإبراهيم اللقاني، وعبد القادر المازني، والحبيب بورقيبة، يأتون على ذكر هذا المقهى التاريخي.
 
في متاتيا ألقى الأفغاني إحدى خطبه الشهيرة، التي كان يلهب بها حماسة الناس في كل بلد يزوره، كي يثوروا على الاستبداد والفساد والاحتلال، وقال في تلك الخطبة، وصوته يهز جدران المقهى: إنكم معاشر المصريين قد نشأتم فى الاستعباد وربيتم بحجر الاستبداد وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك الرعاة حتى اليوم وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين، وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين تسومكم حكوماتكم الحيف والجور، وتنـزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون بل راضون، وتستنزف قوام حياتكم ومواد غذائكم المجموعة بما يتحلب من عروق جباهكم بالمقرعة والسوط، وأنتم ضاحكون، تناوبتكم أيدى الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد، والمماليك، ثم الفرنسيين والعلويين كلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفه وأنتم كالصخرة الملقاة فى الفلاة لا حس لكم ولا صوت، انظروا أهرام مصر وهياكل ممفيس وآثار طيبة ومشاهد سيون وحصون دمياط شاهدة بمنعة أجدادكم، وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرشيد فلاح. عيشوا كباقى الأمم أحرارا.. أو موتوا شهداء مأجورين». لهذا حاربت الأنظمة الحاكمة في بلادنا وفي إنجلترا وفرنسا وغيرها المقاهي لأنها كانت مكانا لانطلاق حركات التمرد، ومناقشة القضايا العامة.
أما عن المقاهي والأدب فيبين لنا الكتاب كيف صارت المقاهي مكانا سرديا بامتياز، فكان المقهى مكاناً لإلقاء الشعر ومنبراً معتمداً لدى الشعراء لإلقاء قصائدهم على الجمهور المثقف، حيث تعقد الأمسيات والملتقيات الشعرية، بل إن أديبنا الكبير نجيب محفوظ سمى بعض رواياته بأسماء مقاه مثل «قشتمر» و»الكرنك»، فيما اعتمد الكاتب السوري فواز حداد مقهى (الهافانا، والروضة) مكانين أساسيين تدور فيهما أغلب أحداث رواياته وخصوصاً «مشهد عابر» و»مرسال الغرام» ، واعتمد الروائي هاني الراهب المقهى مكاناً أساسياً تدور فيه  أحداث رواياته «الزمن الموحش» و «شرخ في تاريخ طويل» و «ألف ليلة وليلتان»، كما كان حضور المقهى واضحاً أيضاً في روايات وقصص حنا مينة ومحمد البساطي وزكريا تامر وقصص محمد المخزنجي.
 
فقد منحت المقاهي فرصة للأدباء للتعرف على نماذج بشرية صارت شخصيات لقصص وروايات وحكايات، علاوة على أن المقاهي كانت مكانا لتبادل الخبرة بين الأجيال الأدبية ومناقشة الأعمال الإبداعية مثل مقهى عبد الله في الجيزة وريش والفيشاوي وزهرة البستان، لذا كان بدر شاكر السياب ومظفر النواب وجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار المقهى يعتبرون المقهى أحد أهم الأماكن التي تحفزهم على الكتابة، وهو المحرض الأول لمخيلتهم الأدبية والمنهل الأساسي لاستقاء قصصهم، وهو المكان الأمثل للتباحث والتداول في هذه الشئون، ويتخذها العديد من المبدعين مكاناً أساسياً لرصد حركة الشارع، ويتخذها العسس مكانا لقياس موقف الرأي العام من السلطة، والمكان الأفضل لممارسة القراءة والمطالعة. 
 
لكل هذا يقول الشاعر اللبنانى شوقى بزيع فى أبيات تاريخية عن أهمية المقهى فى وجدان الناس:
«أيها المقهى كلانا لم يعد يعرف هل تحمله الصخرة أم يحملها وأنا مثلك مرفوع على أجنحة الحبر التى شاخت
ولا أدرى متى أسقط عن ظهر السماوات التى تسندنى”.
 
لم يكتف الكاتب بهذا بل عرض لنا عددا كبيرا من أشهر المقاهي في العالم العربي وأوروبا، لينتهي بمقهى عبد المعطي المسيري في دمنهور، ويعطيه، وهو يستحق هذا بالفعل، حيزا عريضا من كتابه، ويلقي الضوء على صاحبه وكتبه والأدباء الذين ارتادوا مقهاه ودوره في الحركة الثقافية.
 
وأعتقد أن الكاتب في طبعات متلاحقة سيكون عليه أن يزيد من عمق بحثه المهم فيتناول أشباه المقاهي في بعض المجتمعات مثل المجالس والديوانيات في المجتمعات الخليجية، والأندية الاجتماعية في بلادنا، والبدائل التي اتخذها التيار الديني للمقاهي من خلال استغلال المساجد والزوايا في الوعظ والحشد والتعبئة، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي على المقاهي، والفروق التي ظهرت بين مقاه يرتادها الأثرياء وأخرى للطبقة المتوسطة وثالثة شعبية، وقد يستطلع رأي عينة معتبرة يجيب كل فرد فيها عن سؤال محدد: ماذا يمثل المقهى بالنسبة لك؟

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg