رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 22 نوفمبر 2017

مقالات



المسافر بلا مناسبة

21-3-2017 | 21:32
مهدى مصطفى

> >   يقترب القطار من المحطة الأخيرة. يستعد المسافر للنزول. يختفى فى الزحام. لا ينتظر أحدا على الرصيف. على جبينه كتابة محفورة. يذهب وحيدًا ويعود وحيدًا، آية بيضاء من غير سوء.
> >  يرتب المسافر حقيبة الذاكرة. يتخلّص من المعارك التى لم تحدثْ، والغرام الذى لم يقع، والرفاق الذين لم يعرفوه.
> >  يستعيد حقيقة ما جرى. كان لا يخشى أشباح الليل كالصغار الآخرين. وكان يصعد النخيل فى الليل. وكثيرا ما كان يسقط من أعلى النخل ولا يحكى، يجرحه سِلُّ النخل المسنن كالرماح، يمسح الدماء بالجلباب خوفاً من اكتشاف ألعابه الشقية، فينال العقاب الشديد.
> >  كان أبوه يتوضأ لصلاة العصر. عاصفة أمشير تضرب بعنف، تهتز نخلة الدار العالية، تترنح وتسقط، وتختاره من دون العائلة، يحتضنه الجريد الأخضر، تصرخ أمه المسكينة، يسحبه أبوه ذو القلب الشجاع، يخرج ضاحكا من فعل النخلة، يظن الجميع أن الجن قد مسَّه فى القلب.
> >  النخلة ذات البلح الأحمر فضّاحة. جاء الناس من كل فج عميق. رأوا عجبا، جدران البيت المهدمة والنخلة التى تنام على الأرض، قالوا مات ابن الرجل الطيب، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وماتت معه الأبقار. كان أبوه يصلى، لم يسمع ما قالوا. انصرفوا مبهوتين!
> >  جاء الأعمام والأخوال والجيران. سمعوا ما قال الناس. اطمأنوا على الأبقار، شعروا بالحزن على بلح النخلة. قالوا سنبنى الجدران، ونزرع واحدة أخرى.
> >  يفر المسافر إلى أقرانه الصغار، يروى مبهورا ما فعل أبوه. كان الأقران الأشقياء ينظرون إلى عينيه، ولا يصدقون!
> >  حكاية النخلة طواها النسيان. وجاءت حكاية السقوط من أعلى الحائط. ليتعلق المسافر من رأسه فى مسمار كبير مدقوق فى الحائط. فيغرق الجلباب فى الدماء، ولا تجد الأم المسكينة إلا الصراخ المتواصل، ولا يشعر المسافر بالألم إلا حين كان حلاق الصحة يعالج الجرح الغائر فى الجبهة، وكأن المسافر خاض معركة بالسيوف فى زمن سحيق!
> >  لا يخلو جراب المسافر من الأفاعى. وهذه المرة راح يعبث من جِمال الجد ذى المائة عام ويزيد. كانت الجِمال صائمة، وأوعز له الشيطان أن يركب واحدا من الجِمال ويضربه بالعصا كما يفعل الخال، يا للعجب استجاب له الجمل الصائم، ومشى به، قاده المسافر بفرح، لكن الجمل الماكر تخير مكانا لا بشر فيه، وتوقف، ورفع رأسه، ثم أداره، ليتناول المسافر بين فكيه كعصفور صغير، ويصرخ المسافر صرخة أتت بخاله صديق الجِمال، فيعود المسافر حكاية للصباح والمساء.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg