رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 22 نوفمبر 2017

مقالات



هانامى!

28-3-2017 | 20:05
عاطف أبو باشا

 
انظر.. إننا نحسب سني أعمارنا بالربيع!
ولدت الأساطير في السهول عند الأنهار، في وجود البشر وبدعمهم، لكن هؤلاء غالباً كانوا بشراً ليس ككل البشر.
الفلاسفة والشعراء يستطيعون معالجة أسطورة ويستطيعون تلقيها وهي تتدحرج مع صخرة من أعلى قمة جبل، كما يستطيعون صيدها وهي تغوص وتطفو في رحلتها الطويلة من منبع  إلى مصب! 
الرجاء الذي هو مقابل اليأس، والربيع الذي هو ضد الخريف، والروح التي تحارب لتكسر سجن البدن!
كل هذه الأقمار التي امتدت إليها أيدي البشر في جميع الحضارات، ونسجت حولها الأساطير وضربت لها مواعيد احتفالية في أكثر أيام العام الفواحة بالعبير، في احتفاليات وأعياد شم النسيم والنوروز، وفي (هانامي)، وتعني في اليابانية: تأمُل شجر الكرز.
بداية الخلق كانت ربيعاً، إن البتلات الصغيرة تبزغ في بداية فصل الربيع، ومع نهاية شهر مارس من كل عام تزهر أشجار الكرز في اليابان، التي يعرفونها باسم (ساكورا).
لكن البشر في اليابان يحتفلون بطريقة مختلفة مدهشة حد التأمل، حيث يجلسون في جماعات يتأملون (ساكورا) ويتضرعون إليها كأنما هي ربة تسمع وتعي وتوشك تستجيب!
كأنما هؤلاء البشر هم أنفسهم أصحاب الأخدود الذين عبدوا شجر الصنوبر وتضرعوا له، وللشياطين التي تسكنه!
البدن مثل تابوت خشبي، لكن اليخضور أو الكلوروفيل هو الروح التي تحقنه بالحياة، وتهب خلاياه فرصة أن تنمو وتتنفس وتضحك.
من أجل ذلك فإننا ببساطه وفرح، نقول: العيد فرحة وأجمل فرحة، ونحن نمد أيدينا بعضنا بعضاً لتتشابك ونرقص وننشد مع الكورس أو المجاميع. أليس العيد هو الرقص والغناء والفرح وصناعة المجاميع المتآلفة من البشر؟
انظر كيف تتعامل حواسنا مع أفعال الرقص والغناء والفرح؟ 
كيف يحطم عبير الورود تماثيل أنوفنا ثم يعيد نحتها وهندستها من جديد بل يعيد هندسة وجوهنا وأجسامنا؟
 (ساكورا) سرقت ألباب البشر في اليابان وشقت صدورهم وغسلتها وتركت في تربتها نطفاً تورق كل ربيع، بل تصنع في كل يوم من أيام العام ربيعاً في الصدور الغنية بالكلوروفيل.
في عيدي الفطر السعيد والأضحى المبارك، يصلي المسلمون في الخلاء، وليس في المساجد. أليست هذه دعوة للفرح وتأمل الطبيعة التي أحسن الله خلقها، وإذن مامفردات الفرح؟ ماالعيد؟ وأول أعياد العام في جميع الأساطير التي تناولتها الحضارات القديمة، كان الربيع، بداية الأزهار التي هي تبسُّم الشجر والنبات وتغريد الطيور وطلاقة الكون واتساعه وتلوينه بجميع أنواع الألوان من زيت وماء وخشب وفلوماستر، حتى لكأنه يتجهز لفرح، أو لكأنه عروس تجهزت ليوم عرسها!
الربيع ليس شجرة وحوض أزاهير وسرب طير، لكنه الفن والإبداع كله، فيه مولد السحر والخيال والإلهام، وفيه قول البحتري: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلم.
وفيه قول شوقي أمير الشعراء: آذار أقبل قم بنا يا صاح حي الربيع حديقة الأرواح.
فيه ملكوت القصيدة والأغنية وفيه رسم بوتشيللي لوحة (بريمافيرا) الربيع العبقرية، وفيه رسم مانيه لوحة السيدة ذات القبعة التي تتناول الربيع، وله غنى فريد الأطرش: (آدي الربيع عاد من تاني/ والبدر هلت أنواره).
الربيع هو الجنة، وهل دلت هذه الكلمة (الجنة) إلا على الربيع؟ بكل مفرداته من شكل ولون وعبير وأشجار وحياض ورود، مدونة في دفتر الجمال.
أن تتأمل شجرة، مثل أنتتأمل لوحة منقوشة في جدار معبد أو مرسومة معلقة على جدار متحف أو قصيدة في ديوان شعر. أليست هذه بعض مفردات الجمال؟ وبعض حقن اليخضور التي تزهر خلايا البدن من جديد!
وإذن ما الجمال، وإذا كنا نسأل عن الجمال فهل بإمكاننا أن نسأل عن الربيع، ونتوقع إجابة واحدة؟
ليس للجمال وحدة قياس، لكنه مرتبط على نحو إيجابي بالشعور والعاطفة والإدراك، وهذه الأوزان جميعا هي أوزان الربيع، التي عندما ندركها، نقول: الله.
بطل قصة الأمير الصغير، التي كتبها أنطوان سانت أكزوبري، رسم رسماً لثعبان يحاول هضم فريسته في معدته، وعندما عرض رسمته على بعض كبار السن وهو يسألهم: ألا تخافون من هذه الرسمة؟
أجاب أحدهم: هذه رسمة لقبعة، وهل تتوقع أن نخاف من قبعة؟
سوف نكون مستعدين لإدراك أن هذا هو الربيع، عند قدومه.
إن من حسن الفطن أن نجري صيانة لحواسنا تليق بجمال الربيع!
أما الشجرة التي سوف نتأملها فهي الشجرة التي نعرفها ونتنفس الأوكسجين الذي تصنعه، الشجرة التي نعرف عبيرها ونشم رائحتها سواء كانت في حديقة أم شجرة صفصاف باسقة على مجري جدول ماء!

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg