رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 28 يوليو 2017

مقالات



ضمائر للبيع

26-3-2017 | 18:12
جيهان محمود

"كلنا فاسدون .. كلنا فاسدون لا أستثنى أحدا .. حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة.." كلمات صرخ بها النجم الراحل أحمد زكي في مرافعة له بفيلم "ضد الحكومة" للمؤلف بشير الديك وإخراج عاطف الطيب.. منذ سنوات مضت ولا تزال نفس حالة الفساد تزكم الأنوف وتلهب الضمائر، التي صارت جاهزة للبيع، لمن يستطيع الدفع أكثر، فلا تذهب إلى مصلحة إلا وتجد بعض الموظفين يعرقلون حاجات المواطنين لفساد ضمائرهم، التي لا تشبع ولا تقنع بما تيسر لها بالحلال، فهم لا يخشون الله، ولا يخشون أحد، اعتقادًا أن لا مراقب عليهم..

تبدأ بالمطالبة بحق الشاي الذي يحددون سعره بـ20 جنيها فيما فوق، هذا إذا كنت مواطنا عاديا تحتاج إلى إجراءات روتينية بسيطة، كاستخراج شهادة أو التوقيع على طلب، أما إذا كنت من أصحاب العقارات أو المحلات فلا بد أن تدفع المقابل لاستكمال التراخيص والأوراق، وعليك أن تنفذ طلبه حسب نشاطك، فإذا كان صاحب الطلب لديه مطعم فعليه أن يقدم وجبات يومية إلى الباشا، وإذا رفض، تتوالى عليه المخالفات والغرامات التي لن تتوقف إلا إذا ما لبيت له طلبه، وليس مهمًا أن يكون مخالفًا أم لا، وليس مهمًا حياة الناس، المهم الباشا يحصل على "المعلوم".

ولا تخلو مصلحة في مصر إلا وبها هؤلاء معدومي الضمير، ومن السهل لهم أن يلفقوا التهم إلى الممتنع عن دفع الرشاوي أيا كانت قيمتها..

وإذا توجهت بشكوى إلى جهة مختصة - أطمئن فهي في أيدي أمينة، ستتم إجراءات الشكوى بكل مرونة - .. (إذا ما كان المسئول الذي تقدمت إليه كفئًا ويرعى الله في عمله ويتقنه) وتأخذ الشكوى مجراها حتى تصل إلى الحي التابع له الشكوى.. فهنا ترتدي "طاقية الإخفاء" وتصبح لا وجود لها.. وتتكرر الشكوى وتظل تدور مع طواحين الهواء، لكنها في النهاية مقرها لدى مكتب رئيس الحي، وكأن شيئًا لم يكن..

وتتفاقم المشكلة إذا كنت تقطن في عقار صاحبه تكثر مخالفاته، وعندما تتوجه له مطالبًا إزالة تلك المخالفات، لا يبالي، وتزيد مطالب السكان فتجده يتحدى الجميع أن يناله أحد، أو يعاقبه مسئول أيًا كان مركزه أو منصبه.. مطمئنًا أنه قد أرضى السيد رئيس الحي، ونوابه، وكل ما يتبعه..

وقد حكى أحد الأصدقاء الذى ذهب إلى أحد أقسام الشرطة لعمل محضر رسمي ضد صاحب شركة عقارية لكثرة مخالفاته، فما كان من أمناء الشرطة إلا أن قالوا له: أذهب من هنا، لا نعمل محاضر.. آه والله هذا حدث، لأن كثيرًا منهم يتقاضي مبالغ شهرية، أو المسئول الكبير حصل على شقة، مجهزة بأحدث الأجهزة الكهربائية.. فمن الطبيعي أن يدافع عن مصالح من جاء له بسكن لم يكلفه سوى غياب ضميره..، ويعمل نظيرها على حماية صاحب الفضل.

والأمثلة كثيرة على فساد كثير من المسئولين بالمصالح الحكومية، لا سيما المحليات، ومنها أن صاحب أحد المشروعات السكنية، حوَّل الجراجات أسفل العمارات إلى محلات، وكان يدفع رشاوي شهرية إلى مسئولي الحي التابع له، وفجأة توقف عن هذه الرشاوي الممنوحة إليهم، وهنا طلب المسئول أن تتحول إلى منحة عينية متمثلة في شقة ومحل، ورفض صاحب الشركة، وجاءه الرد سريع بعشرات المخالفات، التي هي معظمها حقيقي وقديم، لكنها كانت متوقفة لما كان يحصل عليه..

ومنهم من يعطي لشخصيات معروفة وشهيرة في عالم الفساد شققًا حتى يسانده إذا ما وقع في يومٍ ما.. ومنهم من قام بتجهيز أقسام شرطة كانت أُحرقت إبان ثورة 25 يناير، وأعادها أفضل مما كانت عليه، وقبلها كثير من المواقف المشابهة، وبعضهم يتقدم المتبرعين إلى أفعال الخير على شاشات الفضائيات، ويظهرون في الإعلام وأمام كبار الدولة أنهم رجال خير ومحبي الوطن.. وهم في الحقيقة كارهون للوطن والمواطن، لا يحبون سوى أنفسهم وزيادة ثرواتهم.. كل شيء مباح لهم بيعه وليست ضمائرهم فقط..

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg