رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 28 يوليو 2017

مقالات



المسافر بلا زاد

28-3-2017 | 20:11
مهدى مصطفى

> > بلغ من الكِبَرِ عتيًا. لكنهم احتفظوا به، قالوا إنه مبروك. لقبوه بالجحش الكبير. لا يمتطيه إلا الجَد ذو المائة عام ويزيد. هذا الجَد من ناحية الأم!

> > كان جحشًا ذهبيًا. يأتى أقرباؤه، ويذهبون، ويبقى هو طليقا يناوش الجمال والمواشى، لا ينهره كبير أو صغير، ولا امرأة ولا صبية.

> > سقطت النخلة عليه فى صلاة أبيه للعصر ونجا. انغرس فى جبهته المسمار، وعبر الموت. غدر به الجمل الصائم ثم أنقذه الخال صديق الجمال، لكنه لم يرتدع!

> > وحده الجحش الكبير فى الدار. الجَد ينام ويغرق فى الشيخوخة، راح يمشى على أصابع قدميه، يسحب الجحش الكبير ويطاوعه دون اعتراض، فيخرج به، يقترب من حَجَر قديم يعلو الأرض، يصعد إليه، يقفز، يصبح الآن على ظهر الجحش، كان أطول من كل الحمير التى رآها من قبل، يسمع من خبراء الحمير أنه (حصاوى)، يمسك بلجامه، يوخزه بالعصا وخزة خفيفة، يمشى الجحش بلا ممانعة، ولما يرى الطريق الواسع ينطلق كغزال، كان الراكب الصغير يرى الغيطان تعلو وتهبط، يشعر بدوار عنيف، كأن زلزالا ضرب الأرض تحت قدميه، يتمسك باللجام، يضم ساقيه على ظهر الجحش المنطلق كالسهم، يصرخ فى رعب قاتل، بينما الجحش لا يلوى على شىء، يلهو كطفل، ثم يندفع عمدا فى ترعة عميقة، يرمى به فى الماء، ولولا وجود عابر ما تم إنقاذه من موقعة الجحش.

> > تمزقت الثياب، غطت الجروح الصغيرة جسمه النحيل، أصابه الخوف والارتعاش، أخرجه العابر من المياه، كان مثل كتكوت غارق، راح يبكى خوفا من عقاب سيناله من أبيه الصارم، ومن غضب سيطاله من الجَد ذى المائة عام ويزيد!

> > أين ذهب الجحش الكبير؟ لا يدرى. غاب عن الأنظار. طارت الحكاية إلى أبيه، حضر كالبرق، أمسك به، علقه بحبل فى نخلة قريبة من الترعة، تركه وذهب يبحث عن الجحش الكبير، لكن الجحش، كان قد عاد وحده إلى بيت الجَد يأكل العلف ولا يلوى على شىء.

> > فرح الجَد بعودة جحشه المبروك. سأل عن مصير الولد الشقىّ. قالوا: علقه أبوه فى نخلة مربوطا بحبل غليظ. أمرهم بأن يفكوه ويأتوا به فى الحال، ظنوا أن سيعاقب الولد بنفسه، تذرعوا بأن أباه قد قام بالمهمة، صرخ فى وجوههم: أريد ابن بنتى حالا.

> > جاءوا بالولد، كان ممزق الثياب، ملطخاً ببقع الدماء، قدموه للجَد الذى ابيضت عيناه مع الزمن، قال : قربوه. اقترب الولد، فراح الجَد يحتضنه بكلتا ذراعيه، ويأمر الجميع: لا يمتطى الجحش الكبير إلا أنا، وهذا الشقىّ.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg