رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 22 نوفمبر 2017

مقالات



أنت مع الناس إذاً.. أنت الناس!

1-4-2017 | 19:53
سعدى يوسف

 
مُقامي بالأقصُر، وتنقُّلي بين الضفتَينِ، هذه الأسابيعَ، أتاحا لي فرصةَ التأمُّلِ فيما على الفنّان أن يتّبِعه وهو يُقَلِّبُ وجوه العلاقة، علاقتِه، هو، فيما يحيطُ به، ومَن يحيط.
في مُقامي بالأقصُر، حرصتُ على أن أُفَتِّحَ حواسّي حتى أقصاها: عينا، وأُذُناً.
لقد بَعُدَ بي العهدُ، ونأت الديار:
 أنا منذ عقدَينِ في أوروبا المعقَّمة، الكالحة، أوروبا الصامتة بأهلِها المغلَقين، وكِلابِها الصامتة.
لا صديقَ، ولا رفيقَ.
حتى أبناءُ ما كان بَلَدَكَ، أمسَوا  أحياءَ - موتى، لِفَرْطِ محاولتِهم تقليدَ مَن يعيشون في كنَفِهم.
أقولُ: حرِصتُ على أن أفَتِّحَ حواسّي وأنا في الأقصُر.
أجلسُ في مقاهي الجنيهات الثلاثة، أتملّى الوجوهَ، سعيدةً أو شقيّةً. وأُنصِتُ إلى الحديث العابر، والنكتة اللاذعة.
ألتَذُّ بفصاحة أهل الصعيد، وبقربِ لهجتهم من لهجة البصرة الأولى، قبل أن تُجْهِزَ عليها الهجرةُ والحروب.
في أزقّة البرّ الغربيّ المنحدرة نحو النهر العظيم، ألتقي أطفالاً ونسوةً، وأُدعى إلى كوب شايٍ في هذا المنزل المتواضع أو ذاك.
ثمّتَ غرابةٌ في ملْبَسي، تثير لدى أهل البرّ الغربيّ، سؤالاً عن هويّتي، فيحاولون مخاطبتي بإنجليزيّة العابر. وأتذكّرُ الأخطل الصغير، وهو في طريقه إلى بغداد:
وتَطلّعَتْ زُمَرُ الجنادبِ من فُوَيهاتِ الثقوبِ
يتساءلون عن الفتى العربي في الزيّ الغريبِ
يتساءلون وقد رأوا قيسَ الملوَّحَ في شحوبي
والأغنياتِ على الشفاه مخضّباتٍ بالنسيبِ
*
في الأسواق، بين شارع التليفزيون، والمدينة المنوّرة، هنا في الأقصُر، أجِدُني بين أهلي، لم أصطدمْ بأمرٍ، ولم يصدمْني مَظهرٌ.
حتى توهُّمُ أنني أجنبيٌّ لم يصدِمْني.
ما إن أنطق بالعربية حتى تتعالى الضحكاتُ العذبة!
*
لأدخلْ، بعد هذه الديباجة الطويلة، إلى الفكرة التي تزدادُ إلحاحاً عليّ:
أنا آنَسُ بالناسِ.
لكني أشعرُ بالفزَعِ من “المثقفين”.
وإذْ أراجعُ سيرتي أرى أن فترات إبداعي الأكثر امتداداً، هي تلك التي لم ألتقِ فيها بأولئك “المثقفين”:
في الجزائر، بين 1964 و 1971
لم ألتقِ أحداً بإطلاقٍ، لكن تلك الفترةَ كانت لديّ فترةَ غنىً وتجارب، أسفرَتْ عن ديوان “بعيداً عن السماء الأولى”.
وفي لندن، حيث أعيش، كالناسك، في الضواحي، لا أزورُ، ولا أُزارُ، كتبتُ بغزارةٍ لم أعهدْها في حياتي، وأصدرتُ “أعمالي” في مجلداتٍ سبعةٍ، تبلغُ صفحاتُها ثلاثة  آلاف وخمسمائة صفحة، وهذا يعادل كل المتن الشِعري العربيّ، من الجاهلية حتى القرن الثالث الهجريّ.
والسبب؟
لم ألتقِ “مثقفين”!
*
في هذه الأيّامِ، أثبتَ “المثقفون” أنهم الأسوأُ، خَلْقاً وخُلُقاً:
هم لسانُ الحاكمين،  الظالمين، المتلمِّظُ كلسان الأفعى.
هم لاعقو نعالِ الشيوخِ والشّيخاتِ.
هم الرقباءُ الأشدّ ضراوةً على الفكرِ الحُرّ.
هم الوُشاةُ على أهل القلم النظيف.
هم اللاشيء!
*
صحيحٌ أني لا ألتقي مثقفين، لكني ألتقي سياسيّين!
السببُ أني أعرفُ، القاعدةَ الذهبَ، القائلة: إن السياسة هي فنُّ الكذبِ.
أعرفُ أني ألتقي كذّابين. هكذا أُحسِنُ التعاملَ مع السياسيّين. أتركهم يكذبون عليّ ويكذبون، لأحلِّلَ ما قالوه، في ما بَعْدُ.
*
أنا مع الناس..
إذاً: أنا الناس!
أنتم الناسُ أيّها الشعراءُ..
لكنْ: أين الشعراء؟
هل أمسى الشعراءُ، هم أيضا، “مثقفينَ”؟ 
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg