رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 23 سبتمبر 2017

مقالات



مسافر صديقه (الفشّار)

11-4-2017 | 19:57
مهدى مصطفى

>> القاموس المحيط يعرفنا بأن الفاشِريُّ: دواءٌ ينْفَعَ لِنَهْشِ الأَفْعَى والهَوامِّ.
والفُشارُ: الذي تَسْتَعْمِلُهُ العامَّةُ بمعنى الهَذَيان، ليسَ من كلامِ العَرَبِ.


>> نحن العفاريت الصغار. نختفى من البيوت.  نعشق الشوارع  ونراها جنة الأحرار. نتجمع تحت عمود نور. نحكى عن بطولات صغيرة ارتكبناها أو تخيلناها. وكانت  موقعة الجحش الكبير حديث تلك الليلة، ضربت السعادة أرواح  الرفاق،  تمنوا أن يشاركونى جحش الجد ذى المائة عام ويزيد، ألست بصاحبهم؟


>> كان من بيننا رفيق. لا يحكى فى أول الليل. يتركنا نثرثر. يتصنع الصمت العميق كأنه حكيم الزمان. وحالما ننتهى  يغرف هو من بئر الخيال، وكان خيال تلك الليلة أوسع من السماء التى نراها!


>> قال لا فض فوه: أخى الصغير مات. نظرنا إليه فى دهشة، فأخوه كان جالسا بيننا وصدّق على روايته!. واصل الكلام بثبات: مات ودفناه، وعاد بعد ثلاثة أيام!


>> نعرف صاحبنا، وشطحاته، ونتندّر عليها بيننا وبين أنفسنا، ولكن الليلة شطح بعيدا إلى درجة الجنون، لمح فى عيوننا ضحكات مكتومة، واستمر يحكى بصرامة: مات أخى، وصرخت أمى، وشق أبى جلبابه، وغرقت إخواتى البنات فى الطين، أما أنا فلم تعرف الدموع طريقاً إلى عينيّ!


>> قال لى أبى: إنت تكره أخاك، الشاطر فى المدرسة، تحملت ضرب أبى ولم أتأثر بموت أخى. ولما كنت جالساً تحت شجرة الجميز فى الظهيرة، مر علىً أخى قال: السلام عليكم. رددت السلام، وكان يحمل على كتفه « نواة بلح» من نخلة كنا زرعناها فى الغيط.  كنا نكتم الضحكات، واصل  بجدية: كان النواة ثقيلة جدا، وطويلة جدا!


>> قلنا فى صوت واحد: ثم ماذا؟
قال: أنزلت النواة العملاقة عن كتفيه. وارتميت فى حضنه، وأجلسته إلى جوارى، وكان الناس  الذين يمرون يتعجبون، وبعضهم كان يهرول بعيدا، يستعيذون من الشيطان خوفا مما يرون!


>> نحن العفاريت كاتمى الضحكات، قلنا: وكيف عدت إلى البيت بالنواة الطويلة والبيت يقع فى درب ضيق؟
تجاهلنا، واستمر بثبات: حين وصلنا إلى البيت كان أمى تلطم الخدود، وأخواتى البنات يصرخن، وأبى منكس الرأس. دخلنا، كنت أنا فى المقدمة أحمل أوّل النواة، وأخى ورائى يحملها من الطرف الآخر. قلنا: السلام عليكم. أطلقت أمى زغرودة، أغلقت فمها بيدى، ارتمت إخوتى البنات على الأرض هلعاً. وقف أبى، سحبته من يده، صرخت فيه: أنزل النواة الثقيلة التى أدمت أكتافنا، فأنزلها، وأمرت الجميع أن يغلقوا الباب حتى لا يعرف الجيران. وجلسنا نحتفل، وقررنا أن نصنع خمسة أبواب و12 شباكاً من النواة التى أحضرها أخى، ثم أشار إلى بيتهم بالشبابيك التى كان قد صنعها المعلم جورج منذ زمن بعيد قبل أن يولد هو وأخوه العائد من الموت!

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg