رئيس مجلس الإدارة:هشام لطفي سلام
رئيس التحرير:علاء العطار
الجمعة 26 مايو 2017

مقالات



من الشعيرات إلى طنطا.. الرصاصة الأولى فى الحرب الثالثة!

15-4-2017 | 19:24
أسامة الدليل

 
الحروب والفوضى والتخريب.. وكل عمل غير طبيعى يقع فى مكان ما من العالم عادة ما تكون له أصداء فى الجغرافيا سواء المحيطة أم البعيدة، هذا ما استقر عليه الجيوبوليتك لأكثر من مائة عام من الرصد والبحث والتحليل، لذلك ليس مستغربا أن تكون يد الرئيس الأمريكى ترامب ملوثة بدم المصريين فى طنطا والإسكندرية الذى سفك صباح الأحد الماضى، ومن قبلها بدم العراقيين المدنيين الذين قتلهم الدواعش غربى الموصل صباح السبت وبدم الشعب العربى الفلسطينى على يد الدواعش فى مخيم عين الحلوة فى صيدا اللبنانية ظهر الجمعة وبدم الشعب العربى الليبى فى جنوب برقة، حيث تحركت ميليشيات الإرهاب الداعشى فى اليوم ذاته للقضاء على قوات الجيش الوطنى الليبى، وبالتزامن ضحايا الإرهاب فى ستوكهولم بالسويد الأوروبية السبت وقنبلة لم تنفجر فى اوسلو عاصمة النرويج صباح الأحد.. كل ذلك تم خلال 48 ساعة ترتيبا على الضربة الخرقاء التى استهدفت مطار الشعيرات جنوب شرق حمص السورية فجر يوم الجمعة الماضي. 
ما قام به ترامب كان عدوانا تخريبيا محدودا لم يتخط جغرافية الشعيرات والقرى المحيطة، وقد تعافى مطار الشعيرات فى أقل من 12 ساعة واصلت من بعدها الطائرات السورية نهار الجمعة قصف معاقل الإرهاب، لكن المشكلة كانت تكمن فى الرسالة من وراء هذا التخريب المحدود وهى من بندين، أولا: نحن جزء من معادلة النفوذ على الأرض ونصطف إلى جوار كل من يرمى لتغيير الخرائط فى هذه المنطقة، ولا يهم إذا كان اصطفافنا إلى جوار الإرهاب الداعشى مادام هذا الأخير لا يستهدف أمن إسرائيل.. وثانيا: نعم هذا استفزاز علنى لروسيا والصين!! 
إعلان داعش مسئوليته عن التفجيرين الانتحاريين فى وسط وغرب دلتا النيل (طنطا والإسكندرية) يكشف عن حقيقة البند الأول بجلاء، فتوقيع داعش على الأحداث التى تلت الضربة فى العراق ولبنان وليبيا ومصر، وكذلك فى السويد والنرويج يثبت لنا أن الإرهاب قد تلقى تفويضا واسعا بموجب هذه الضربة المحدودة التى يعرف العسكريون فى واشنطن أنها بلا أى قيمة إستراتيجية، وأن مخاطرها وأعباءها أكبر ألف مرة من مكاسبها وأنها وبالنص: تبعث برسائل خاطئة إلى المنطقة بأسرها.  
ثم إن الضربة الداعمة للإرهاب لم تكن ردة فعل على اتهام الحكومة السورية باستخدام سلاح كيماوى، تشهد المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة رسميا على عدم وجوده بأيدى الجيش العربى السورى، وإن توافرت مئات البراهين على وجوده بيد الإرهاب فى العراق وسوريا وليبيا، ذلك أن اختيار المجال الجوى اللبنانى كخط سير للصواريخ الأمريكية لتفادى الدفاعات الجوية الروسية على سواحل المتوسط فى طرطوس برغم إخطار الجانب الروسى رسميا بنية استهداف مطار الشعيرات يعنى أن التزام واشنطن بالمذكرة الموقعة بين الطرفين لمنع الحوادث فى المجال الجوى السورى قد انتهى بالالتفاف عليها، وتم استخدامها فى الخداع ما أفضى بالجانب الروسى إلى إيقاف العمل فورا بها.. وهو ما كان ينتظره الكونجرس الأمريكى الذى كان جاهزا للتوقيع فورا صباح السبت على تفويض ترامب بإرسال صواريخ محمولة كتفا مضادة للطائرات للمسلحين فى سوريا، وهو بالضبط ما كان يرمى إليه التركى أردوغان منذ عامين ليتمكن من قطف ثمرة دعمه للإرهاب فى شمال سوريا.. السرعة التى تم بها التصويت وتزامنها مع تجدد مناشدات أردوغان بإنشاء مناطق حظر طيران بالشمال السورى، يؤكد بما لا يدع مجالا للجدل أن ضرب الشعيرات كان فعلا مبيتا وليس رد فعل.. والتصريحات الرسمية الأمريكية مساء السبت التالى للضربة، بأن ضرب الشعيرات كان رسالة تحذير لأطراف أخرى يؤكد انها (رسالة) وأنها لا علاقة لها بمكافحة الإرهاب وأنها تستهدف جغرافيا أخرى وهنا نأتى للبند الثاني. 
بشكل تلقائى اكتمل الاستقطاب ذلك أن التحالف السورى الروسى الإيرانى ازداد صلابة، والصين لم تتزحزح عن موقفها من الأزمة، بل وشاركت القاهرة مناشداتها للمجتمع الدولى بالتوقف عن العبث من خلال التصعيد فى سوريا والعمل على الحل السياسى بأسرع ما يمكن، تفاديا لإراقة دماء - سالت بالفعل- فى غرب آسيا وشمال إفريقيا ووسط أوروبا فى غضون 48 ساعة .. ولعل ما بين أيدينا الآن من تحرك للقطع البحرية الأمريكية باتجاه شبه الجزيرة الكورية لشن ضربات ضد بيونجيانج (النووية) يؤكد أن نيات إشعال حرب عالمية ثالثة تتواجه فيها القوى التى انتصرت فى الحرب الثانية، قد تجاوزت حدود الخفاء وأن ضربة الشعيرات فى سوريا هى رصاصة البداية، وأن المواجهة الوشيكة ستدع خارطة المنطقة العربية بيد الإرهاب، يرسم فيها ما يشاء ويزيل فيها ما يشاء من حدود .. وأنه لا الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا القانون الدولى يمكنه أن يوقف آلة العبث الغربى فى المجال الحيوى الأوراسى. 
والحق أنه كان علينا أن ننتبه منذ يناير الماضى أننا فى 2017، أى فى مئوية وعد بلفور والثورة البلشفية، وبداية انضمام لورانس للشيخ فيصل، واحتلال القوات البريطانية لبغداد، بعد إخلاء العثمانيين والغزو النمساوى المجرى لفورلانى الإيطالية، وانطلاق معركة رفح على الحدود المصرية مع فلسطين وإعلان أمريكا الحرب على ألمانيا فى سياق الحرب العالمية الأولى. 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg