المجلة



أقام معرضا جديدا بعنوان «حلقة مفقودة».. مصطفى كمال يحمل فرشاته ويندفع مع الزمن

18-4-2017 | 22:41
عزمى عبدالوهاب

 
مغامر يستحيل العالم بين يديه إلى بحار متلاطمة الأمواج وصحراوات بغير نهايات
 
لديه ابتسامة تجمع فى آن واحد بين الرضا والمرارة
 
تحت عنوان «حلقة مفقودة»، أقام الفنان التشكيلى «مصطفى كمال» معرضا بمركز مختار الثقافي، وعبر لوحات المعرض تنعكس تراكمات الفنان الداخلية، وتتسرب من ذاكرته صور واقعية، إنها الذاكرة البصرية، والخيالات التى استدعاها الفنان، ومزج بينها وبين واقع معاش، ما حقق للمشاهد متعة حسية وذهنية ونفسية، متعة خاصة، وجماليات تفرد بها الفنان فى رسومه، فى حوار تصويرى جرافيكى، تمثلت فيه شخصيته التى تطغى بصفة مستمرة على أعماله ومعارضه الفنية، إنها دعوة للحلم وتعايش مع الجمال، فخطوطه سريعة، وفرشاته تلاحق فى سرعتها الذاكرة.
فى شهادة للفنان الكبير محمد طه حسين، فإنه يرى أن أسلوب الفنان مصطفى كمال الفني، اتجه فى بداية ممارسته للإبداع التشكيلى نحو الواقعية، ثم سار فى اتجاه التعبيرية الحرة، بمعنى أنه كان يوظف تقنيات فن الحفر تحت سيطرة طاقته الإبداعية فى سبيل التعبير عن مضمون الفكرة، التى انفعل بها، وأراد نقلها عبر الوسيط الجرافيكى، وقد استمرت رحلة ممارسته لفن الحفر مسيطرة على إنتاجه الفنى بانفراد حتى عام 1974، حيث سافر فى بعثة إلى إنجلترا ثم إلى فرنسا، واستقر به الوضع فى شمال إيطاليا، حيث عايش تجربة جديدة داخل مناخ أعرق معهد أكاديمى فى فنون الحفر والجرافيك بمدينة أوربينو، العريقة والشهيرة بهذا الفن على مستوى العالم.
كانت ممارسة مصطفى كمال فى مجال فن الحفر حتى عام 1975 ومع ذلك كانت هذه الفترة فى حد ذاتها هى مدخله المباشر إلى مجال تصوير الزيتى، حيث أنتج أعمالاً تصويرية، ذات رؤية تشكيلية بين التعبيرية والتأثيرية، المتجهة فى قالب خاص، تغلله فلسفة ميتافيزيقية، وقد جاءت تجاربه التصويرية متأثرة بخبراته فى مجال الحفر، حيث كتب عنه النقاد تحليلاتهم لأعماله، عبر مراحل تطوره بين فن الحفر والتصوير.
ومنذ عام 1975 حتى عام 1981 كانت انعكاسات وتعبيرات مصطفى كمال، تدور حول قضايا إنسانية، من خلال معايشة العلاقة الثلاثية الطبيعية بين عناصر الحياة، ثم بدأت تعبيراته بعد ذلك تتجه إلى التأثيرية البحتة، من خلال ظهور رغبة حذره فى الاهتمام بالانعكاس البصرى للشكل، دون الخوض فى تفصيلاته الدقيقة، ويظهر هذا فى مجموعة الورود، التى قدمها فى المرحلة من 1990 حتى 1994 وأيضاً فى مجموعة المناظر الطبيعية، لتكون مرحلة متميزة فى إنتاج الفنان، حيث يشعر المشاهد بمكنونات المنظر الطبيعى، دون الخوض فى تفصيلات محددة. 
إن أعمال مصطفى كمال – كما كتب الفنان الكبير الراحل حسين بيكار يوما – تراوح بين الالتزام وبين التجديد، كما تجمع أيضاً بين التشخيصية والتجريدية، فبينما يلتزم فى جميع مراحل حياته الفنية بالعنصر الإنسانى، يستخدمه كوسيط، ينقل من خلال فلسفته وأفكاره ونظرته للحياة، فإنه لا يتوقف عند أسلوب معين، بل يساير العصر فى سرعة إيقاعه، وينتقى من العطاء الفنى الشامل ما يتواءم مع تفكيره، ويجعل منه لغة تشكيلية خاصة، يحقق بها ما يعن له من أفكار، لا تخرج عن مضمونها الإنسانى، الذى التزم به.
أما الفنان حازم فتح الله فإنه يرى أن عالم مصطفى كمال بلا حدود، عالم خارج الزمان والمكان، فهو مغامر، مرتحل، يستحيل العالم بين يديه إلى عوالم يرتحل إليها: بحار متلاطمة الأمواج، صحراوات بغير نهايات، سماوات رحبة، كل هذا يمتزج فى آن معا، فعالمه يختلط فيه الواقع باللا واقع، الحقيقة بالخيال، وإن كان يحاول أحياناً أن يمسك بعناصره: حصان منطلق، امرأة كالمهرة الجامحة، قط يتربص، وفى محاولته يجرى بخطوط، فى حريتها وانطلاقها، تؤكد حركة العناصر، فالحركة مستمرة حتى فى المكان.
هذا فى حين يرى الفنان مصطفى الرزاز، أن كمال لديه ابتسامة تجمع فى آن واحد بين الرضا والمرارة، تلك الابتسامة المركبة تعبر بقدر كبير عن شخصيته الفنية، فهو يجمع فى لوحاته بين هواء نقى محلق فى صفائه وبين دوامات انفعالية عنيفة، بين الرسم الناعم للوجوه الصبوحة وبين شلالات الألوان الصاخبة، التى تغلف تلك الوجوه والشخوص والخيول، ذلك الجمع بين النقيضين، هو الذى يفصح عن الشخصية الفنية لمصطفى كمال، وفى هذا الإطار يبحر الفنان فى عوالم التجريب، ليحيل الألوان والعجائن واللدائن إلى نغمات، يتآلف بعضها ويرتطم البعض الآخر، فيحدث طفرات صوتية صاخبة، ويحرك هدوء الألحان.
إن تجربة مصطفى كمال محاولة جادة للجمع بين الحس والعقل، وكلاهما فى صراع دائم، وينتصر العقل من خلال عقلانية الفكر المتحد، فى لوحاته، ويتحقق هذا فى كثرة أعماله، فسرعان ما تفاجأ بالعقل، وسرعان ما يأخذ الحس مداره الحقيقى، وهى حقيقة الفن، على حد تعبير الفنان صالح رضا، فهو يمثل وجهة نظر الفنان الحديث، حيث يربط عالمه التصويرى بين نقيضين شديدى الغرابة، بحيث يحدث صدام جمالى على نحو فريد، فوق مساحة متوترة، وتمثل أعماله فى جملتها تصعيداً ذهنياً وشكلياً للجمال.
وفى رأى الفنان محمد رزق، فإن مصطفى كمال يستثمر على قماشة الرسم كيانه كله، جسداً وفكراً ومتخيلا، ليلتحق بالاندفاعة الأصلية، ورعشة المادة الحية فى بداياتها، حيثما ينبثق الليل والضوء والعناصر الأولى للحياة والحقول المتعددة للطاقة، حيث يمحو كل تعارض بين التجريد والتشبيه، بين الخط واللون، إن اللون يتقدم ويقتحم السطح، ويتجاوز الحجوم والمساحات، ويحمل نبوءة العين، وتغامر مساحاته فى المجهول وتطارد الفراغ، فيتناثر الضوء فيها فى نقاط مكثفة ملونة متوهجة أو خابية، تنتشر فى نظام رياضى محكوم، لكن ببساطة وعفوية الحياة ذاتها، وقدرتها النشيطة والتكوينية والطبيعية، فتتحول طاقة التناقض تلك إلى مثير تعبيرى حاد، يجعل الأشكال فى حالة توهج دائمة.
لهذا لا تأخذ لوحات مصطفى كمال جمالياتها الخاصة، من كونها شكلاً مكتملا، يتحدد بالمظاهر المحسوسة، وإنما تأخذها من كونها نسيجا، تتجلى فيه أبعاد العالم النفسى، أو ما يمكن أن نسميه بانفجارات الداخل المسكون بأثقال الخارج، وتحمل هذه الانفجارات عذاب القلق والتوتر، لكنها تحمل كذلك حيوية الغبطة والفرح، التى تحتضنها حركية المساحات وتحولاتها، حتى ليمكن القول عند تأمل اللوحة: حقاً فى الإبداع يموت الموت.
تتخطى عمليات التفاعل مع إبداعات مصطفى كمال نطاقها المحلي، لتجد عيونا أوروبية تستطيع أن تقرأ الألوان والأضواء والظلال والكتلة والفراغ، فالناقدة الإيطالية سلفيا ساسى كوبينى، تؤكد أن فن مصطفى كمال يعطينا حس وعبق أرضه، من خلال الموضوع المختار، وتنعكس طاقته الفنية، لتعبر عن رؤيته المستقبلية المشحونة بالأمل وبمعنى الحياة، حتى وإن ظهرت مؤشرات عن مواقف صعبة فى الحياة، ومن ناحية أخرى فإن التعبيرات تعطى المعنى، وتحكيه بذاتية كمال وفلسفته المبنية، على حساباته الدقيقة، كفنان مبدع، من خلال عناصر الحياة الرئيسية: الإنسان، والنبات، والحيوان.
ويحاول الناقد الإيطالى جوزيف ماريا قراءة الخطوط، مؤكدا أن هناك علامتين واضحتين تحددان طبيعة محتوى أعمال الفنان مصطفى كمال: نقطة انطلاقه وتعبيره، وواقعيته المحسوبة، التى تذكرنا بمعان عميقة كتبها أدباء مصريون مثل عبد الرحمن الشرقاوى ويوسف إدريس، بينما يشير الناقد جيوفانى فارونى أنه فى الفن المصرى يظهر الحس المتدفق للحياة، من خلال تعبيرات فنانين، بحثوا دائماً عن البعد الشكلى المعبر بعمق عن المضمون والقيمة، من خلال الخط واللون، لبلورة الشكل المعبر، وتوثيقه لمعانى الحياة وأيامها المتتالية المبهجة، كحرب موجهة ضد الموت أو الفناء، ومصطفى كمال فنان يحمل فرشاته بعقلية الإنسان المصرى ويندفع مع الزمن بلا توقف.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg