رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 17 اكتوبر 2017

مقالات



مسافر بين السمين والفشار

18-4-2017 | 19:08
مهدى مصطفى

> > كانت شامخة وحيدة، نسميها النخلة العمود. تشقُّ عنان السماء. تعلو عن أخواتها من نفس الجيل. تتمايل مع الريح. يراها القادم من أى اتجاه. ويتخذها الغرباء دليلا للوصول إلى بلدتنا. عصيّة على لصوص البلح، فلا يستطيع أحد أن يصعد إليها إلا طلاع النخيل ذو القلب الميت.


> >  بمكر الصغار قلنا إن (الفشّار) يستطيع طلوع النخلة العمود. وقررنا اللقاء به بعد غروب الشمس تحت عمود النور الخشبى لإقناعه بالمهمة المستحيلة. جاء الفشّار، ومعه صاحبنا السمين على غير موعد، فهو لا يأتى إلا نادرا، ومشهور بأن الكلام لا يصمد فى صدره إلا دقائق معدودة، فارتبكنا خوفا من افتضاح السر، وكأن السمين تنبأ بما يدور فى أدمغتنا الصغيرة، قال في مفاجأة كاملة: معى بلح من النخلة العمود، ثم أخرج من سيّالة الجلباب حفنة من البلح.


> >  كان البلح من النخلة العمود بالفعل، فلها بلحة مشهورة لا تشبه سواها. نظرنا إلى بعضنا بعضا، وتشككنا فى نية السمين، وراح كل واحد منا يضرب أخماسًا فى أسداس، من أين جاء هذا السمين البطين بالبلح، هل انضم السمين للفشّار، وفتن علينا؟ فهو سمين لا يستطيع طلوع النخلة العمود، ولا يشتهر أحد من عائلته بطلوع النخل!


> >  راحت الظنون وجاءت. لكن السمين قطع الظنون وقال: أنا من طلع النخلة العمود، وقطعت منها هذا البلح. انفجرنا فى الضحك دون مراعاة لمشاعره. تحصّن السمين بالصرامة والجدية والإصرار، فسكتنا فجأة، وانتبهنا لعل السمين يقلد ما نفعله مع الفشّار وينفذه فينا.


> >  كدنا نصدّق السمين. ولم ينقذنا إلا الفشّار الصامت. فقال بهدوء: البلح من النخلة العمود بالفعل، وجاء به السمين، لكنه ليس هو مَنْ طلع النخلة، بل اكترى أبوه طلّاع النخل. قلنا له فى صوت واحد: لكنها ليست نخلتهم حتى يطلعها دون عقاب، وإذا حدث، فالمعلم لويس حارس الجنينة، لن يسكت!


> >  الفشّار لا يعدم الحيلة والكلام والمنطق. قال بجدية: أبو السمين صديق للمعلم لويس. تأكدنا الآن أن السمين انضم للفشار، وكشف له الأسرار. قلنا بيننا وبين أنفسنا " داين تدان"، جئنا لنصطاد الفشار فصادنا السمين!


> >  لكن الفشّار أنقذنا، ووقع فى الفخ برجليه، قال بحكمة تليق بشيخ كبير: أنا طلعت النخلة العمود مئات المرات حتى فى شهر أمشير (أبو البرد والزعابير)، اندهشنا، وقلنا فى صوت واحد: ولكن البلح لا يأتى فى أمشير؟ قال: كنت أتدرب دون أن تعرفوا. أسكتنا جميعا بحكمته. كتمنا ضحكة تكاد تنفجر فى الصدور. فقلنا له: قالوا الجمل طلع النخلة، قلنا هذا هو الجمل وهذه هى النخلة. فصعد إلى المنتصف، ونظر إلى أسفل، وكانت حكاية لها العجب.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg