المجلة



التصعيد العسكرى بين أمريكا وكوريا الشمالية.. تهديد حقيقى أم مجرد تلويح بالقبضة الحديدية؟

20-4-2017 | 22:35
رشا عامر

 
الصين تحتاج إلى كوريا الشمالية باعتبارها منطقة عازلة
 
أمريكا تطمئن نفسها بأن صواريخ كوريا لن تستطيع الوصول إليها
 
ترامب يضغط على الصين لتصبح أداته فى وقف نشاط كوريا الشمالية
 
لا أحد يعرف على وجه التحديد الترسانة الحقيقية لبيونج يانج
 
ثمة قلق شديد انتاب الصين ذلك الحليف التاريخى لكوريا الشمالية إزاء التوترات مع الولايات المتحدة. فالجار الصينى العظيم ينظر بجدية للمواجهة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية التى يمتلك كل منهما زعيما لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، لذا اعتزمت الصين التوسط باستخدام الدبلوماسية كالمعتاد، حيث دعت روسيا للنزول بثقلها لتخفيف حدة التوتر فالصين لا تريد حربا فى ظل تصعيد حال قيام كوريا الشمالية بتجربتها النووية السادسة والتى من المحتمل أن تحدث فى أى وقت، خصوصا أن الأمريكان مستعدون للرد بقوة بعدما أرسل دونالد ترامب حاملة طائرات بالقرب من شبه الجزيرة الكورية الشمالية فى الوقت الذى لا تريد فيه الصين حروبا خشية تدفق اللاجئين الكوريين الشماليين على حدودها، فضلا عن عدم رغبتها ولا ارتياحها للوجود الأمريكى على مقربة من أراضيها.
هناك عدة أسئلة تطرح نفسها بقوة الآن على الصعيد السياسى
السؤال الأول هو لماذا يرغب الرئيس الأمريكى فى إظهار عضلاته؟ وأما السؤال الثانى فهو .. هل إعلان كوريا استعدادها للحرب مع الولايات المتحدة هو مجرد استعراض للقوة أم تهديد حقيقى ؟
مجلة فرانس إنفو الفرنسية أجابت عن هذه الأسئلة حيث قالت إن الولايات المتحدة تسعى إلى عدة أهداف:
1 – الرد على التجارب النووية الباليستية التى تقوم بها بيونج يانج وقد ظهر ذلك فى التصريح الذى أدلى به وزير الخارجية الأمريكى عن أنه يجب على الولايات المتحدة ناقمة وفى قمة السخط، ولذا يجب أن تتصرف حيال إطلاق بيونج يانج صاروخا باليستيا جديدا فى بحر اليابان. فمنذ عدة أشهر والعالم كله يلاحظ التسارع الملحوظ للبرامج الباليستسة والنووية الكورية. ففى عام 2016 أجرت بيونج يانج تجربتيها الرابعة والخامسة ووفقا للعديد من المراقبين فإن هناك احتمالا قويا لإطلاق صاروخ جديد أو القيام بتجربة نووية فى الأيام المقبلة، وكإجراء احترازى تجاه نظام منبوذ حاليا بسبب قدراته النووية تم إرسال حاملة الطائرات كارل فينسون بقاذفات صواريخها ومدمراتها إلى شبه الجزيرة الكورية الشمالية التى أصبحت تنتهك القانون الدولى والاتفاقات الدولية والالتزامات بطريقة تشكل تهديدا للآخرين مما يستلزم الرد.
2 – الضغط على الصين
منذ سنوات عديدة وواشنطن تضغط على بكين باعتبارها أقرب حلفاء بيونج يانج لوقف برنامجها النووي، وفى 2016 وأثناء إحدى المناظرات بين هيلارى كلينتون ودونالد ترامب اقترح هذا الأخير دخول الصين لكوريا الشمالية لحل المشكلة. فالولايات المتحدة ترغب فى قيام الصين بتطبيق العقوبات التى أقرتها الأمم المتحدة. ففى عام 2006 وبعد أول تجربة نووية فى كوريا الشمالية، فرض مجلس الأمن على أعضائه منع تقديم أية معدات أو خدمات متعلقة بالتسلح لكوريا الشمالية، وبرغم تصويت الصين بالموافقة على هذه العقوبات فإنها قلما تطبقها فهناك تقارير عديدة تشير إلى أنه ما زال هناك تهريب على الحدود بين الصين وكوريا الشمالية بمباركة بكين التى تخشى انهيار نظام بيونج يانج، لأنه فى هذه الحالة ربما تتفق كوريا الشمالية مع كوريا الجنوبية حليفة الولايات المتحدة ليزداد النفوذ الأمريكى فى المنطقة. الأمر الذى لن يريح الصين بأى حال من الأحوال، فالصين تحتاج لكوريا الشمالية باعتبارها منطقة عازلة.
3 – تأكيد أمن الولايات المتحدة الأمريكية
وفقا لكوريا الجنوبية فإن الصاروخ الذى تم إطلاقه فى مارس الماضى قد يكون صاروخ باليستيا عابرا للقارات وقادرا للوصول إلى الولايات المتحدة، ووفقا للاستخبارات الأمريكية فإن كوريا الشمالية من الممكن أن تمتلك فى خلال عامين صاروخا بنفس القدرات مزودا برؤوس نووية، وفى الوقت الراهن فإن الترسانة الكورية الشمالية يمكن أن تصل إلى اليابان وكوريا الجنوبية، ولكن ليس إلى الولايات المتحدة إلا إذا استمر الكوريون فى تطوير برنامجهم النووي. ولكن ليس من المؤكد أن استعراض القوة التى سيمارسها ترامب كافية لإثناء نظام  كيم جونغ، أون عما يقوم به خصوصا مع تصريحاته التى توعد فيها بالرد على أى هجوم ضده. الشىء الذى لا يعرفه الكثيرون هو أن هو أنه مهما كان التهديد النووى الذى تحمله كوريا الشمالية لواشنطن فإنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة فى تغيير النظام فى كوريا الشمالية، لأن ذلك ببساطة ليس هدفها، فالولايات المتحدة لديها مصلحة قوية فى تهديد بيونج يانج لجيرانها خصوصا اليابان وكوريا الجنوبية وهو ما يبرر وجودها العسكرى فى هذه المناطق.
4 – الإبقاء على التأثير الأمريكى فى كوريا الجنوبية
من خلال الهجوم على كوريا الشمالية تبحث واشنطن بالمثل الحفاظ على سلطاتها على حلفائها وتحديدا كوريا الجنوبية التى يسعى ترامب إلى إخافتها لتظل دائما فى حاجة لحماية الولايات المتحدة. فمنذ إقالة بارك جيون هاى فى مارس الماضى ولا يوجد رئيس شرعى للبلاد، لذا فإن الولايات المتحدة تريد تخويف الناخبين بتصعيد التهديد ضد الجارة الشمالية وتعزيز انتخاب مرشح موال للولايات المتحدة. ويبدو أن هذا التكتيك قد بدأ يؤتى ثماره، فعلى شبكات التواصل الاجتماعى نجد العديد من الكوريين قلقين جدا على الوضع. بل إن هناك كثيرين مقتنعين أن هناك مؤامرة كبيرة لإشعال فتيل الحرب الحرب بين الكوريتين على يد الولايات المتحدة، لإنعاش الاقتصاد العالمي. ففى أثناء الحرب الكورية (1950 – 1953 ) اعتقد الكثيرون أن الصراع بين البلدين هو استكمال للحرب العالمية الثانية. فى النهاية تظل كوريا الشمالية فى الواقع جزءا صغيرا من سياسة الولايات المتحدة تجاه آسيا المرتكزة على كوريا الجنوبية والصين.
5 – ترسيخ دوره كرئيس
بضربه للنظام السورى ثم إرسال حاملة طائراته إلى المحيط الهادى يثبت المستأجر الجديد للبيت البيض أنه لا يخشى أبدا استخدام القوة العسكرية، والحكاية ببساطة أنه يحاول إخفاء فشله الداخلى بصرف النظر عن قدرته على إمكانية إدارته للأزمة فى الشرق الأوسط وآسيا أم لا.
تصف مجلة ليبراسيون الفرنسية هذا العمل بأنه رادع ونتج عن نهاية الصبر الأمريكى المسمى بالصبر الإستراتيجى الذى كان ينتظر من الصين وكوريا الجنوبية الضغط على نظام كوريا الشمالية لوقف برنامجها النووى. وتظل الإيماءات العسكرية بين البلديم مقلقة جدا، فالصين من جانبها وضعت 150 ألف جندى على حدودها مع كوريا الشمالية، بينما أرسلت الولايات المتحدة 30 ألف جندى إلى حدود كوريا الجنوبية. وإذا كانت الولايات المتحدة لا تبدو عازمة على "ضربة البداية" فهناك دائما "احتمالية الخطأ" وهى إطلاق نار على سبيل الخطأ أو تنفيذ أمر عسكرى بشكل مغاير.
بعد أن استعرضنا الأهداف الأمريكية وراء التهديد بضرب كوريا الشمالية نأتى للسؤال الثانى وهو ما الخطر الحقيقى الذى تمثله بيونغ يانغ؟ وما  القدرة العسكرية الحقيقية لكوريا الشمالية وسط كل ما نسمعه من قنابل نووية وصواريخ وجيش؟
البرنامج النووى لكوريا الشمالية هو مصدر كل التوترات، فكل المراقبين بمن فيهم الرئيس الكورى الجنوبى متوجسون خيفة أن تقوم كوريا الشمالية بتجربتها النووية السادسة، وبرغم ذلك ليس هناك ما يدل على أن كوريا الشمالية قد تستخدم أسلحة نووية. صحيح أنها نفذت خمسة اختبارات ما يدل على قدرتهم على إحداث تفجير نووي، إلا أن لا أحد يعرف إذا كانوا يستطيعون تصغير السلاح ووضعه على صاروخ، وقد أعلن كيم جونغ أون أن العلماء الكوريين توصلوا فى مارس 2016 إلى إمكانية وضع القنبلة على الصاروخ، ولكن الخبراء العسكريين يشككون فى ذلك، فأقصى ما تستطيع كوريا فعله هو شن ضربة نووية على كل أراضى كوريا الجنوبية والقواعد الأمريكية هناك وشمال اليابان وصولا إلى طوكيو ولكن المستحيل الوصول إلى الولايات المتحدة. فالصواريخ والمدفعية قادرة على إصابة جيرانها.
وإذا كانت درجة التهديد الذى تشكله الأسلحة النووية الكورية لا تزال غامضة، فإن ذلك يزيد من الشعور بالقلق من المحيطين بها، لأنه مع الاختبارات التى تجريها فإن كوريا الشمالية تحاول التغلب على الأنظمة المضادة للصواريخ الباليستية التى تنشرها كوريا الجنوبية واليابان.
تهديد آخر تحمله كوريا الشمالية وهو قدرتها على إطلاق رؤوس حربية تحتوى على غاز "السارين" وهو سلاح كيميائى، وهم بالفعل لديهم مخزون من الأسلحة الكيميائية. ويظهر سؤال آخر على السطح  هل كوريا الشمالية قادرة على إطلاق صواريخ فى الظروف الحقيقية؟ والإجابة أنه ستكون هناك حالة من الفوضى فى حال القيام بأى ضربة.
المشكلة الحقيقية على حد تعبير الخبراء العسكريين أنه لا أحد يعلم على وجه الدقة مدى أو قدرة الصواريخ الكورية فى حال قيام الحرب.
إضافة إلى أنه فى الماضى كان مشكلة الصواريخ الكورية أن خزان وقودها يتطلب بعض الوقت لملئه، نظرا لكون الوقود سائلا، ولكن فى فبراير أجرت بيونج يانج تجربة صاروخ الوقود الصلب الذى أحدث نقلة قوية فى عالم الصواريخ. كما أنها تمتلك أسلحة حديثة جدا جعلتها تحشد مدفعيتها على الحدود، وعلى الرغم من كونهم ليسوا فى حالة ممتازة فإنهم قادرون على شن غارات ضد سيول التى تبعد 50 كم من الحدود. 
الجيش الكورى يبلغ تعداده 1.2 مليون جندى ولكن تظل القدرات الباليستية فى البلاد هى الوحيدة التى تسمح لكوريا الشمالية لإقامة توازن القوى. أما فى حالة نشوب حرب غير متكافئة بين دولة صغيرة ودولة عظمى مثل الولايات المتحدة فإن قدرات القوات البحرية الكورية الشمالية غير مؤكدة إذ يقال إنها بدأت فى الحصول على غواصات لإطلاق الصواريخ.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg