المجلة



ما بعد اغتيال مازن الفقهاء.. «العائق» مشروع إسرائيلى للقضاء على الأنفاق

20-4-2017 | 22:31
كتب - إبراهيم النجار

 
لقد شكل النشاط المكثف للقيادى فى حركة "حماس"، الراحل مازن فقهاء، فى ساحات العمل فى الضفة الغربية، مأزقا معقدا لصناع القرار فى إسرائيل، فأمام ما قدمته الأجهزة الأمنية الإسرائيلية للحكومة، عن مخاطر اغتيال فقهاء، وإمكانية أن تصحو إحدى المدن المحتلة عام 48 على أصوات انفجارات، مما يعجل فى انهيار الائتلاف الحاكم، وربما يخسر نيتانياهو كثيرا، مما دفعهم لاتخاذ قرار الاغتيال الهادئ، بعملية أمنية معقدة داخل قطاع غزة، كانت نسبة النجاح فيها توازى نسبة الفشل، فالحكومة، وكذلك المؤسسة العسكرية والأمنية، لا ترغبان فى الدخول فى مواجهة جديدة مع قطاع غزة فى المرحلة الحالية، وهذه دوافع نفى وزير الحرب الإسرائيلى مسئولية إسرائيل عن الاغتيال، بالإضافة إلى إمكانية التأثير على سير التحقيق، أو تأمين الجناة خارج قطاع غزة، كما يسعى إلى محاولة تفريغ حالة الغضب الشعبى على الجريمة، حتى لا تبقى تشكل ضغطا على قيادة "حماس"، لاستعجال الرد.
 ثمة معضلة تواجه مُقدرى الموقف الإسرائيلي، هو عدم القدرة على التنبؤ بنوايا القيادة الجديدة «لحماس»، وكذلك القيادة العسكرية، وعلى الرغم من الجهد الاستخبارى المكثف بعد الإخفاق الاستخبارى فى تقدير نوايا الجناح العسكرى «لحماس»، خلال عدوان 2012 و 2014 إلا أن المعضلة مازالت قائمة.
قبل عام تقريبا، وصل لعائلة القيادى فى كتائب القسام الجناح العسكرى لـ "حماس"، مازن فقهاء، الموجودة فى مدينة طوباس شمال الضفة الغربية المحتلة، رسالة تهديد واضحة وصريحة من الجيش الإسرائيلي، باستهداف نجلهم وقتله، إن" لم يترك طريق المقاومة".
 رسالة التهديد باغتيال "فقهاء"، وأن يد الاحتلال ستطوله بأى مكان، تسلمها والده بعد اقتحام قوات الاحتلال لمنزلهم بالضفة، وبرغم أن القيادى القسامي، خرج من السجون الإسرائيلية، بصفقة "وفاء الأحرار" الأولى بعد الحكم عليه بتسعة مؤبدات وأبعد لغزة، فإن يد الغدر لاحقته وقامت باغتياله بأربع رصاصات فى رأسه، بواسطة كاتم صوت.
عملية اغتيال "فقهاء"، التى تشير كل المعطيات إلى أن الاحتلال يقف خلفها، تفتح باب التساؤلات واسعا، حول دلالات توقيت العملية، وفحوى رسالة الاحتلال منها، وهل فتحت إسرائيل، ملف الاغتيالات للقيادات الفلسطينية فى الداخل والخارج؟، وكيف سيكون رد المقاومة؟!
إن اغتيال "فقهاء"، فى غزة، يثير سلسلة من التساؤلات المتعلقة بالإستراتيجية التى يجب اللجوء إليها فى الحرب ضد الإرهاب من وجهة نظر الكيان.
من هنا كان موضوع "الاغتيال المركز"، أحد المركبات التى استخدمتها إسرائيل فى الحرب ضد الإرهاب - كما يقولون - لقد تم تفعيل "الاغتيال المركز"، فى سبيل ضرب قيادات مختلفة فى تنظيمات الإرهاب: قادة التنظيمات، والقيادات المهنية للتنظيمات كـ "المهندسين" الذين يعدون العبوات والأحزمة الناسفة، والقيادات التنفيذية المتورطة فى تنفيذ العمليات. هناك فوائد كثيرة لاستغلال أسلوب "الاغتيال المركز"، من بينها، إصابة الجهات التى يمكن لاغتيالها أن تمنع عمليات أخرى فى المستقبل، إجبار جهاز الإرهاب على الانشغال فى صراع البقاء الشخصي، وبالتالى تصعيب عمله ضد إسرائيل. 
عادة ما يدعى من يعارضون "الاغتيال المركز"، بأن كل إرهابى سيتم اغتياله سيأتى إرهابى آخر مكانه، وأن تصفيته ستقود إلى التصعيد والعمل الانتقامي. يمكن الرد على هذا الادعاء بأن تنظيمات الإرهاب فى حقيقة كونها كذلك، ستنفذ عمليات حتى من دون علاقة برغبتها بالانتقام لموت هذا الناشط أو ذاك، وبشكل عام فإن عمليات "الإرهاب" على حد تعبير إسرائيل التى يكرسها التنظيم ظاهرا للانتقام لمقتل الناشط، كانت ستنفذ حتى من دون هذا الرابط. 
تجربة إسرائيل المتراكمة فى هذا السياق، تدل على أن الاستخدام المدروس لأداة "الاغتيال المركز"، كجزء من مجمل الوسائل التى يجرى تفعيلها بشكل متزامن فى الحرب ضد الإرهاب، يمكن أن تسهم بشكل كبير فى نجاح الحرب ضد الإرهاب.
 ونجد المثال البارز على ذلك فى سلسلة عمليات "الاغتيال المركز" فى 2004، التى وقف فى مركزيها اغتيال زعيم "حماس"، أحمد ياسين، ما اضطر التنظيم إلى وقف العمليات الانتحارية والموافقة على التهدئة (وقف إطلاق النار مع إسرائيل).
إن قيادة "حماس" السياسية والأمنية، تحافظ منذ تشييع جثمان "فقهاء"، على صمت مطلق، كما يبدو بفعل قرار رسمى، بعدم إشراك الجمهور بأى تفصيل من تفاصيل التحقيق المكثف الذى تجريه من أجل العثور على طرف خيط يقود إلى منفذى عملية الاغتيال أو مساعديهم. اغتيال "فقهاء"، والعمل المهنى الذى أظهره من نفذ الاغتيال، لفت الأنظار العامة إلى قطاع غزة. 
ولكن على الرغم من الصدى الذى أثارته عملية الاغتيال، فإن الحادث الإستراتيجى الملموس الذى يجب النظر إليه هو ذلك الذى لم يحدث بعد.
 إذا اندلعت حرب أخرى فى القطاع الجنوبي، من المشكوك فيه أنها ستكون بسبب هذا الاغتيال، الذى تنسبه "حماس" إلى إسرائيل، وإنما الاحتمال الأكبر أن تندلع بسبب "العائق" – المشروع الجوفى الضخم الذى يستهدف القضاء على الأنفاق. فمشروع "العائق"، الذى تم النشر عنه لأول مرة فى "يديعوت أحرونوت"(صحيفة إسرائيلية)، يفترض أن يوفر الرد القاطع على مشكلة الأنفاق. والمقصود سور واق، يقوم قسم منه تحت الأرض والقسم الآخر فوق الأرض على امتداد الحدود مع قطاع غزة.
 لقد بدأ العمل هناك قبل عدة أشهر، ولكن على امتداد عدة مئات من الأمتار فقط، وبشكل موضعي. ويتوقع أن يتم تسريع العمل بشكل ملموس فى الصيف، بواسطة مئات الآليات الهندسية الخاصة التى ستحتم توفير حماية كبيرة من قبل الجيش لها.
 وستعمل هذه الآليات فى أكثر من40 نقطة، كما قال رئيس الأركان جادى أيزنكوت خلال النقاش الذى جرى فى لجنة مراقبة الدولة البرلمانية، فى الأسبوع الماضى – النقاش الذى تناول التقرير شديد اللهجة الذى أصدره المراقب حول الجرف الصامد.
 وتصل تكلفة "العائق" إلى ثلاثة مليارات شيكل، بالإضافة إلى 1.2 مليار شيكل، تم استثمارها فى تطوير حلول تكنولوجية لكشف الأنفاق. ويسود التقدير بأن انتهاء العمل فى "العائق" بعد عامين، على امتداد نحو 65 كم حول السياج الأمني، سيضمن بشكل كامل منع تسلل الأنفاق إلى إسرائيل. وهكذا ستواجه "حماس"، معضلة لم يسبق لها مواجهتها، وهى كيفية العمل حين يتم تجريدها من القدرات الإستراتيجية التى تبنيها طوال سنوات؟، من أجل تقليص القدرات الهجومية للجيش الإسرائيلي، وحين يتم تغيير شروط اللعبة تماما.
يمكن التكهن بأن "حماس"، لن تسلم بالحقائق المكثفة وستحاول عرقلتها منذ بدايتها، من أجل منع إقامة "العائق"، حتى بثمن خروجها لجولة أخرى من الحرب أمام إسرائيل. فإن الحرب من دون الأنفاق ليست واردة فى الحسبان، ومن ثم، وعلى الرغم من المقولات المبررة فى الجهاز الأمنى الإسرائيلى حول الردع الناجح منذ الجرف الصامد، يجب على إسرائيل، الاستعداد لإمكانية وقوع جولة أخرى فى الصيف القريب.
 الاستعدادات المتعلقة بإمكانية اندلاع جولة أخرى من الحرب قريبا، تجرى برغم المعطيات التى تدل على فترة هدوء نسبي.  فمنذ عملية الجرف الصامد، أحصى الجيش الإسرائيلى نحو 40 حادث إطلاق للنار. حتى بعد اغتيال "فقهاء"، يسود الاعتقاد بأن "حماس"، ستحاول الرد بواسطة عملية فى الضفة، لكنها ستمتنع عن الرد بواسطة إطلاق صواريخ من القطاع. 
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg