رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 24 سبتمبر 2018

عدد اليسار التذكارى



«حدتو».. قادت المقاومة الشعبية فى بورسعيد وعلمت المساجين فى المعتقلات

14-5-2017 | 18:53
ترصد تاريخها - حسناء الجريسي

 
رفعت شعار " الأرض لمن يفلحها" فى وجه الإقطاع، وشعار " الكفاح المسلح " لطرد الاستعمار البريطاني
 
قامت بتنظيم المقاومة الشعبية والمسلحة فى بورسعيد أثناء العدوان الثلاثى ودعت إلى محاربة الصهيونية بوصفها استعمارا إرهابيا
 
أبدع أبناؤها روائع الشعر والقصة والرواية والمسرحية والفنون التشكيلية والسينمائية علاوة على دورهم فى مجالات النشر، والصحافة
 
تجسد الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى "حدتو "، المرحلة الثانية من تاريخ الشيوعيين المصريين ونضالهم لبناء مصر الاستقلال والحرية والمواطنة. إنجازاتها محفورة فى تاريخ الوطن ومجدولة فى كيانه، فقد أدى وجود حدتو ونشاطاتها منذ أربعينيات القرن العشرين إلى انتقال الحركة الوطنية إلى مرحلة جديدة.  وبرز هذا الأمر بوجه خاص مع تأسيس " اللجنة الوطنية للطلبة والعمال" فى فبراير عام 1946،وكان الشهيد شهدى عطية أبرز المشرفين على تأسيس تلك اللجنة والتى تبنت البرنامج الذى وضعه بالاشتراك مع عبد المعبود الجبيلى فى كتاب" أهدافنا الوطنية ".
يحكى الكاتب أحمد القصير فى كتابه " حدتو .. ذاكرة الكفاح المسلح والمقاومة  أن حدتو هى التى وضعت جدول أعمال الحركة الوطنية، وأنجزت بعض بنوده وهى التى شكلت اللجنة الوطنية للطلبة والعمال التى قادت الهبة الوطنية عام 1946 وهى التى واجهت العداء من القصر الملكى ومن القوى الرجعية، خصوصا جماعة الإخوان المسلمين التى وقفت طوال تاريخها من القوى الرجعية المعادية للقضية الوطنية وللحرية .
امتد نشاط حدتو إلى كل الميادين، إلى المدارس والمعاهد الأزهر والجامعات والجيش والمناطق العمالية وإلى الريف ورفعت شعار "لأرض لمن يفلحها" كما طرحت شعار " الكفاح المسلح " لطرد الاستعمار البريطانى، وشاركت فى هذا الكفاح خلال 1951- 1952 بعد إلغاء حكومة الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا المعاهدة التى سبق للنحاس أن وقعها مع بريطانيا عام 1936، وفى عام 1956 قامت حدتو أيضا بتنظيم المقاومة الشعبية والمسلحة فى بورسعيد أثناء العدوان الثلاثى فى أعقاب تأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس.
ولم يقتصر دور حدتو آنذاك على أعمال الكفاح المسلح، فقد وجهت كل نشاطها لخدمة المعركة سواء فى 1951 أو فى 1956 وعملت جميع أجهزة الدعاية الخاصة بها السرية منها والعلنية فى هذا الاتجاه، ومن بينها على سبيل المثال دار الفكر للنشر " فى 1956وصحف حدتو العلنية أى الملايين والكاتب، وحملت صفحات الكاتب أعمالا إبداعية لكل من فؤاد حداد وصلاح جاهين .
 
عبد الناصر  وحدتو
لكن هل ارتبط عبد الناصر تنظيميا بالحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى «حدتو» الشيوعية؟ بعض اليسار يتنازع صلته بعبدالناصر بزعم أنه انضم لهذه الحركة قبل الثورة عن طريق القاضى «أحمد فؤاد» القيادى البارز بحدتو، يتحدث الدكتور «رفعت السعيد» فى كتابه «تاريخ الحركة الشيوعية» حول علاقة اليسار بثورة يوليو قائلا ( لقد انضم جميع الضباط المنتمين لحدتو إلى تنظيم الضباط الأحرار ليبلغوا نحو ثلث الأعضاء، وكان خالد محيى الدين عضو حدتو، هو من يحرر بياناتهم وهو من كتب أهداف الضباط الأحرار، كما لعب محيى الدين بقيادته لسلاح الفرسان ويوسف صديق باستيلائه على قيادة الأركان الدور الحاسم فى إنجاح الثورة)، لا أعتقد أن أحد ينكر دور شيوعيى حدتو فى مساعدة ودعم الضباط الأحرار وفى التمهيد للثورة ودعمها خصوصا فى المجال الفكرى، وكذلك المساعدات الفنية فى طباعة المنشورات وكتابة مادتها وتوزيعها، على أن ما ردده البعض حول انضمام عبدالناصر إلى تنظيم حدتو واتخاذه اسما حركيا هو » موريس» وأنه حمل رقم 17 فى التنظيم، فأعتقد أن تلك الادعاءات لم يقم عليها دليل سوى تناقلها شفاهة على بعض الألسنة دون توثيق.
 
بداية النهاية
فى مؤلفه "حدتو سيرة ذاتية لمنظمة شيوعية" يقول محمود الوردانى :
ولكن عقب إلحاق الهزيمة بالعدوان الثلاثي، لم يوافق ثوار يوليو على مواصلة العمل المشترك مع الشيوعيين المصريين، فجاء قرار منع المرشحين الشيوعيين من التقدم لانتخابات مجلس الأمة (البرلمان) عام 1957، وبدأ إحياء قضايا قديمة بحق الشيوعيين. ويستعجب الكاتب من رد فعل «حدتو» على هذه الإجراءات، حيث استمرت فى افتراض وجود انقسامات داخل السلطة، ما بين جناح رجعى وآخر تقدمى بزعامة الرئيس عبد الناصر، ورأت أن واجب الشيوعيين هو الدفاع عن الأخير، بل وجهت انتقاداتها للشيوعيين أنفسهم وانقساماتهم وعدم انضمامهم للاتحاد القومى (التنظيم السياسى الوحيد الذى خلف هيئة التحرير) و«تخويفهم» للبرجوازية الوطنية!
ومن المسائل التى يسرد لها المؤلف جزءًا فى كتابه موقف «حدتو» من الاتحاد القومي. فقد وافق شيوعيو «حدتو» على دخول الاتحاد القومى كتنظيم، وليس كأفراد باعتبار ذلك تجسيداً لفكرة الجبهة المشتركة التى تبنتها «حدتو».
ويخصص المؤلف جزءًا مهما من الكتاب لما يسميه «تجريدة» يناير 1959 ضد الشيوعيين المصريين، أو ما جرى على تسميته فى الأدبيات السياسية المعاصرة للشيوعيين المصريين بـ «المحنة الكبرى للشيوعيين». ويصدر حكماً بأن ما جرى للشيوعيين المصريين ما بين 1959 و1964 يشكل وصمة عار على جبين الناصرية، خصوصا أن الشيوعيين المصريين لم يحملوا السلاح ضد الحكم..
وبرغم حملة الاعتقالات لاحقاً، وبرغم تعرض معتقليها للتعذيب على حد قول الكاتب، استمرت «حدتو» فى تأييد الرئيس الراحل عبد الناصر وحكومته، بل أرسلت إليه خطاباً مفتوحاً فى سبتمبر 1959 تجدد تأييدها للثورة برغم الاعتقالات، وتبرر ذلك بأن «المصلحة الطبقية» للطبقة العاملة تحتم التحالف مع الحكومة القائمة، بل استمر هذا الموقف من «حدتو»، حتى بعد وفاة شهدى عطية الشافعى وغيره من الشيوعيين تحت وطأة التعذيب. 
وكان رد الحكومة ليس فقط رفض التحالف مع الشيوعيين بل السعى لتصفيتهم، ضمن جميع المخالفين لها. 
ويشيد المؤلف بما يسميه مقاومة المعتقلين الشيوعيين داخل المعتقلات والسجون، فقد واصلوا النقاش السياسى والتثقيف النظرى للشباب، وجعلوا ما يرد لهم من الخارج من أطعمة أو غير ذلك ملكية عامة تطبيقاً لمبادئهم، ونظموا ندوات ثقافية تناولت أعمالا روائية وكتبا فكرية.
 بل وفى معتقل الواحات طرح المعتقلون الشيوعيون فكرة استصلاح أراض محيطة بمعتقل الواحات وزراعتها، وهو ما قبلت به إدارة المعتقل وتحولت إلى واقع فعلى فيما يشبهه المؤلف بالمعجزة! 
وفى المعتقلات نظم شيوعيو «حدتو» فصولاً لتعليم اللغتين الإنجليزية والفرنسية والرياضيات للمسجونين العاديين، مما جعل العلاقات معهم جيدة، ورفض المسجونون الجنائيون مراراً، أن تستخدمهم إدارة المعتقلات ضد الشيوعيين بحجة أنهم «كفرة».
كما سعى الشيوعيون لمحو أمية السجانة من الجنود وضباط الصف. كما نظمت محاضرات عامة، وإن كانت منفصلة لكل تنظيم على حدة، وتم تقديم إنتاج فنى وبناء مسرح فى معتقل الواحات، والأهم أن الشيوعيين بنوا مسجداً فى المعتقل، بالرغم من أن الإخوان المسلمين كانوا معتقلين هناك من قبل ولم يبنوا مسجداً، على حد قول المؤلف.
ويكرس الكاتب فصلاً للحديث عن المعتقلات الشيوعيات، فيما يسميه أول حالة جماعية لاعتقال النساء لأسباب سياسية فى تاريخ مصر. وبخلاف الرجال، تمكنت الشيوعيات من العمل الجماعى داخل المعتقلات، برغم تباين الانتماءات التنظيمية، لمقاومة الإدارة عبر إضرابات الطعام وغيرها وبلورة مطالب مشتركة نجحن فى تحقيق معظمها عبر لجنة قيادية لهن وحسن إدارة معاركهن، بالرغم من ضغوط مارستها عليهن السلطات عبر أسرهن وأطفالهن لإجبارهن على الإدلاء باعترافات أو التعاون مع الأجهزة الأمنية. 
كما أقمن علاقات إنسانية جيدة بالمسجونات العاديات من خلال محو أميتهن، وشكلن فريق تمثيل وأعددن مجلة مسموعة. 
ومن داخل المعتقلات، واصلت «حدتو» التمسك بمواقفها المؤيدة لسياسات الرئيس عبد الناصر متهمة عناصر فى قمة السلطة مثل زكريا محيى الدين، وعبد اللطيف البغدادى، بوضع الخطوط العامة لتعذيب الشيوعيين بالتعاون مع رجال المخابرات المركزية الأمريكية مثل «مايلز كوبلاند». ولكن على الجانب الآخر كان هناك من قيادات يوليو كمال الدين رفعت، ولطفى واكد، وغيرهما ممن شهدوا لصالح الشيوعيين، خصوصا دورهم فى التصدى للعدوان الثلاثى عام 1956. 
 وكإثبات لحسن النيات، أخطر قياديون شيوعيون مسئولين رفيعى المستوى فى السلطة بمعلومات عن مؤامرة انقلابية متوقعة. بينما امتنع شيوعيو التنظيمات الأخرى داخل المعتقلات عن الهتاف بحياة عبد الناصر، فإن شيوعيى «حدتو» هتفوا بحياته. 
 ويتهم المؤلف الشيوعيين الذين التحقوا بالسلطة بـ «دفن» الحلقة الثانية للحركة الشيوعية المصرية، ويؤكد أن الحكم لم يقدم تنازلات حقيقية للشيوعيين بل مجرد ساحات تنفيس، مشيراً إلى أن دور الشيوعيين كان محدوداً ومقيداً ومفيداً للسلطة، ومع هذا كانت تعارضه أجهزة استبعدت أسماء الشيوعيين من الترشح فى انتخابات وحدات ولجان الاتحاد الاشتراكي. بل فرضت العزلة على معظم الشيوعيين المفرج عنهم عام 1964 ووضعت العراقيل أمام عودتهم لأعمالهم فى وقت كانت عائلاتهم فيه بلا مورد لمدة خمس سنوات، وذلك بدلاً من الترحيب بهم كطلائع للفكر الاشتراكى السائد.
 واتخذت «حدتو» قراراً بأن من ينضم للتنظيم الطليعى تتوقف عضويته فى «حدتو» إثباتاً لحسن النية ولتدعيم الحكم.
وفى عام 1965 تم حل الحركة وهو قرار اعترف يخطأه أعضاء حدتو فيما بعد .فى حين رأته السلطة اعترافاً من الشيوعيين بضعفهم وأخطائهم، وجزءًا من مؤامرة منهم لاختراق التنظيم السياسى، ممثلاً فى الاتحاد الاشتراكى والتنظيم الطليعى والسيطرة عليهما من الداخل، تمهيداً للانقضاض على الثورة، ويدلل التقرير على ذلك بأن الشيوعيين المصريين لم يكونوا يوماً موضع اعتراف داخل مصر أو موضع اعتراف الحركة الشيوعية الأممية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg