حلقات الكوتش



حلاقة ميري

30-5-2017 | 00:45
عماد أنور

ما إن رأى فانلات الكرة ترفرف على أحبال الغسيل، حتى بدأ في البحث عن حجة مناسبة للخروج من المنزل يوم الجمعة، فالأمر لم يعد سهلا بعد نفاد رصيده من الحجج، لأن أغلبها مكررة وليست مقنعة لأبيه، (نازل أكلم واحد صاحبي قدام الباب وطالع على طول).

اعتاد أيضا على أخذ نصيبه من التوبيخ، كلما حاول الاستئذان للخروج يوم الإجازة، وهو اليوم الوحيد الذي تجتمع فيه الأسرة على وليمة الإفطار، (بتروح فين كل جمعة يا بيه.. أنت فاكرني أهبل وبصدق ألاعيبك.. خد بالك أنا بعديلك بمزاجي).

لكن الأمر انتهى وحتما لابد من البحث عن حجة لخروج، فظهور فانلات الكرة "البيضاء أم كم أزرق"، على حبل الغسيل في نافذة الكابتن مطافي، مساء يوم الخميس، هو برهان على خوض مباراة في صباح اليوم التالي، مع أحد فرق مراكز الشباب من المناطق المجاورة.

مطافي هو مدرب مركز الشباب بالمنطقة، ولا شيء يؤرقه أكثر من الاحتفاظ بزي الفريق الرسمي في مكان آمن عقب كل مباراة، لذلك يفضل اصطحابه إلى البيت وربما غرفة نومه، وإلا تعرض للسرقة، لأن فانلة الكرة تعتبر غنيمة ثمينة لبعض عناصر الفريق ممن يؤدون التدريبات غالبا بالفانلات الداخلية، فإذا ما حدث وتمكن أحدهم من تسريب واحدة دون علم المدرب، لن يتواني عن اتخاذ قرار بإنهاء حياته الكروية وعدم الاقتراب من باب مركز الشباب مرة أخرى.

عشر فانلات فقط من دون سراويل هي عهدة المدرب، أما حارس المرمى – اللي هو نص الفريق - ليس له من الملابس نصيب، وعليه تدبير أمره في الحصول على فانلة الجون (المبطنة من عند الكوع)، لأنه وفقا لإدارة مركز الشباب "مفيش لبس جون"، يكفي أن فانلات العهدة يتم تدويرها بين اللاعبين الأساسيين والاحتياطيين، فـ مثلا عند إجراء التبديل، يسلم اللاعب المغادر فانلته، بعرقها، إلى زميله الذي يرتديها بالمقلوب.

كرة القدم هي معشوقة مروان، طالب الإعدادي، الشهير بـ "بيكا" بين فرق الكرة بالمنطقة، ويعيش الصبي معاناة كبيرة، يعيشها أغلب أبناء جيله، حيث تتعارض رغبته في أن يصبح لاعبا مشهورا، مع رغبة والده الذي دائما ما يردد على مسامعه: "ذاكر أنت شهادة السنة دي، خليك تطلع حاجة محترمة وعليها القيمة، بدل الكورة والتنطيط في الشوارع".

(ليه ما أطلعش زي إبراهيم حسن، أخو حسام حسن).

بيكا يراوده هذا الحلم في أن يصبح "باك يمين" منتخب مصر، لكن الحلم لن يتحقق إلا مع الانتقال إلى الأهلي أو الزمالك، بغض النظر عن عشقه للفانلة الحمراء، لأن أي نادي كبير سيحقق له أمنيات أخرى، أهمها الحصول على حذاء كرة أصلي "من أبو بزوز"، ومعه طاقم ملابس ملكا له وحده، ليس معطرا بعرق لاعبين آخرين، يرتديه دون سماع شروط مدربه: "خدوا بالكم من الفانلات وأوعى حد يشدكم منها، دي عهده".

المشاركة في مباراة الجمعة، فرصة ذهبية أمامه لإثبات الذات والخروج من جحيم دورات مياه وملاعب مراكز الشباب، فسوف يحضرها أحد كشافي المواهب بنادي المقاولون العرب، وتربطه علاقة نسب بمدرب الفريق (جوز أخت الكابتن مطافي)، وحتما فإن هذه العلاقة ستسهل كثيرا في اختيار لاعب في موهبة بيكا، الذي يعتمد عليه مدربه في أهم المباريات: "خد بالك من الواد ده، جسمه صغير بس عليه سرو مالهوش حل".

بين جدران غرفته، جلس يفكر مرة أخرى في كيفية إقناع والده بالذهاب إلى النادي (هو مش نادي قوي.. بس لازم يعيش الجو)، وذلك دون اللجوء إلى كذبة جديدة، في أثناء التفكير مر بعينيه على صور نجوم الكرة، جيرانه في الغرفة، هل يأتي اليوم الذي توضع فيه صورته بجوار هؤلاء؟

لا إراديا وضع يديه على شعره، عندما وقعت عينيه على صورة فرانك ريكارد (نجم منتخب هولندا في التسعينيات أبو شعر طويل ومضفر)، وهذا اللاعب تحديدا يتمنى مروان أن يحلق شعره على نفس طريقته، لعلها تكون البداية، لكنه مع الأسف لا يملك حرية التصرف في دماغه، أمام أوامر الوالد المستديمة للحلاق: "لما يجيلك الواد أحلق له شعره ميري".

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg