حلقات الكوتش



أم علّوم.. براند شعبي

7-6-2017 | 01:32
عماد أنور

يارب ياساتر.. استأذن المنادي لإخطار أهل البيت بوجود زائر، وحتى لا يخدش حرمة من بالداخل، ترك بينه وبين باب الشقة مسافة عدة درجات سلم، وأطل برأسه من خلف "الدرابزين"، مناديا: يابيكا.

ظهور جزء من شنبه الغليظ، كان كافيا لأن تكتشف أم بيكا عبر الباب الموارب أن المنادي هو «مطافي»، فقالت بصوت منخفض: "يافتاح يا عليم يارزاق يا كريم، مش هـ نخلص من الموضوع ده"، وهرولت لإيقاظ زوجها المستلقي على الأرض خلف باب الشقة، كي ينعم بنسمة هواء تخفف عنه حر العصاري.

"قوم ياراجل، أنا مش عارفة أيه كيفك في النوم بالفانلة واللباس في سكة الرايح والجاي، أفرض حد غريب جه يقول علينا أيه؟".

بصوت يملأه النعاس أجاب: "خير الدنيا اتهدت؟"

- لأ ياخويا الدنيا لسه متهدتش، بس سي بيبو بتاع المحروس أبنك واقف ع الباب.

- طيب خشي هاتيلي الجلابية من جوه.

أرتدى جلبابه ودعا «مطافي» للدخول وجلسا على كنبة بلدي في الصالة بمواجهة باب الشقة، وبينما تعد ربة المنزل الشاي للضيف، تبادل «مطافي» الحوار مع الأب في محاولة لإقناعه بأن يلعب بيكا في نادي المقاولون، وقدم له الإغرءات حتى ينطق لسانه بالموافقة.

- الواد مش هـ يكلفك حاجة خالص، ده في النادي هـ يهتموا بيه ويدوله لبس وفلوس ووجبة أكل كمان، أنا رأيي تسيبه يشق طريقه طالما هو غاوي وييجي منه، ويمكن ربنا يكرمه ويبقى زي الخطيب ولا حسن شحاته.

-- الخطيب، أهو الخطيب بطل كورة تقدر تقولي بيعمل أيه؟ سيب الواد يتعلم ويشتغل شغلانة تنفعه، بدل ما تبقى شغلانته الجري ورا حتة جلد، ( طبعا لو كان عاش لحد النهاردة وشاف بيبو والمعلم، كان ساب ابنه يجري ورا حتة الجلد دي، وكان جري معاه كمان).

دخلت أم بيكا بصينية الشاي وعز عليها الانصراف دون توبيخ الضيف: "بقولك أيه يا «مطافي» متبوظليش حتة العيل اللي حيلتي".

الحوار دائر، بينما يجلس بيكا في غرفته، يتنصت من خلف بابها كفتاة تنتظر موافقة الأب على قبول حبيبها، الذي حضر أخيرا لطلب يدها، بعد علاقة استمرت سنوات (من ورا الناس).

تناول مطافي رشفة من كوب الشاي، التي على ما يبدو أنها (جت في وقتها)، فرك بعدها شنبه من فرط الاستمتاع، ووضع قدما على الأخرى، بينما تعجبت الأم من منظر الشبشب أبو صباع في قدمه والتفتت قبل أن تبدى تعجبها بمصمصة شفاه حريمي "مسم".

- يا حاج الواد زي ابني وأنا عاوز مصلحته، ده كفاية أنه هـ يدخل فرقة الناشئين على طول من غير اختبارات، طيب سيبهولي شهر واحد بس.

-- جرى أيه يا «مطافي»، أسيبهولك إزاي ياجدع هو احنا هانبيع ضنانا.

- بيع أيه يا عم الحاج متكبرش الموضوع.

-- لأ يا عم الواد داخل على ثانوية عامة، وكفاية المجموع الزفت اللي جابه في إعدادي بسبب الكورة.

حظ بيكا دايما وحش.. الحديث لم يكتمل، وقد قطعه في هذه المرة صوت جدة مروان "بيكا" وأنفاسها العالية: "تعالى يا واد خد أيد ستك، خلاص مبقتش قادرة أطلع السلم".

جرى بيكا مسرعا إلى حضن جدته، ليس لفرحته بحضورها فقط، ولكن لمآرب أخرى في نفسه.

- وحشتيني يا تيتا قوي، هـ تباتي معانا النهاردة؟

-- براحة عليّ يا عين ستك هـ توقعني من ع السلم.

هرول الأب مسرعا تجاه الباب، بعد أن استأذن من «مطافي»: "نكمل كلامنا بعدين يا كابتن".

يا مية مرحب تعالي ياما خشي، قبّل يدها ثم أصطحبها إلى الداخل، لتجد «مطافي» وقد هم بالخروج فقالت: "أهلا يابني، أنتوا لسه مخلصتوش الموضوع الجملي ده".

ثم التفتت إلى الأب: "ماتسيب الواد يلعب ياخويا، أهو يمكن يفلح بدل ما يبقى زي أبوه، يرجع من الشغل يفضل نايم ملط في وش الرايح والجاي".

قفز بيكا في الحديث: "شفت أهي قالتلك سيب الواد يلعب".

تكلم «مطافي» مع لاعبه همسا: "لو نزلت بالليل عدي عليّ في البيت".

جلس بيكا بجوار جدته، وقبل يدها قائلا: "أنا بحبك قوي ياتيتا"، بينما يتدخل الأب: "سيب ستك ترتاح متبقاش غلس كده".. أخرجت الجدة "كيس" الفلوس ومنحت حفيدها جنيها واحدا، فنظر إليها وغمزها في يدها "ما تجيبي كمان واحد"، فأعطته.

هكذا ضمن بيكا ثمن فردة حذاء رياضي شمال، فقرر تحقيق مآربه من وجود الجدة في أن يستغلها لإقناع والده بالخروج من المنزل، "والنبي خلّي بابا يسيبني أنزل ألعب شوية".

نزل بيكا بعد أن أملت الجدة فرمانها، "سيب الواد ينزل يلعب مع أصحابه، خليه يطلع مدردح، وبلاش تحبسه في البيت"، ومر بيكا على منزل صديقه "أحمد توشيبا"، وقد أطلق عليه أفراد الشلة هذا الاسم، لأن والده يعمل موظفا في شركة توشيبا للأجهزة الكهربائية، وهو ما يفسر أيضا ارتداء أحمد "تي شيرت" يحمل علامة الشركة.

 - يالا بينا نروح نجيب الفردة الشمال من عند أم علّوم وبعدين نلحق الماتش بتاع المساكن، وأنا لبست بنطلون جينز وفانلة بكم عشان وقعت الأسفلت بفورة.

أمام أحد المنازل القديمة في حارة ضيقة، تجلس أم علوم على كرسي خشبي، إمرأة قاربت الستين من عمرها، تتوشح دائما بالسواد حزنا على وفاة زوجها عم زين (بائع أنابيب الغاز)، الذي توفي وترك لها اسم النبي حارسه "علّوم".

لم تتحرك السيدة من مكانها المفضل لساعات طويلة على مدار اليوم، وربما تسترجع مشهد زوجها (طول بعرض)، وهو مستقل دراجته (نصر، شبه بتاعت اللبانين)، مرتديا فانلة حملات وبنطلون بيجامه، أحكم في خلفية الدرجة ربط أنبوبتين بوتجاز، ليجول بهما شوارع المنطقة "أنابيييييييب".

دخل بيكا مع أحمد على السيدة "أزيك يا خالتي أم علّوم"، كانت أي سيدة كبيرة تحمل لقب خالتي.

- أزيك يا بيكا

- عاوز فردة باتا شمال

- أدخل يا حبيبي دور على المقاس اللي أنت عاوزه

داخل بيتها المكون من طابقين، خصصت غرفة لبضاعتها، وتعمل الأرملة العجوز في بيع الأحذية الرياضية المستعملة، أغلبها أحذية باتا "الكاوتش الأبيض"، أما سعيد الحظ من بين الزبائن، هو من يوقعه الحظ في "فردة مستوردة".

غرفة واسعة ذات سقف عالي تتوسطها أكوام من الأحذية ملقاه بعشوائية فوق بعضها البعض، ما يجعل مهمة البحث عن المقاس أمرا بالغ الصعوبة، أما المستحيل هو أن ينجح أحدهما في العثور على فردتين من نفس المقاس.

الأمانة هي عنوان المعاملة بين أم علّوم وزبائنها.. تترك لهم حرية الاختيار دون مراقبة أو حتى ترك كرسيها، وتكتفي بتحصيل الثمن بعد أن تطلع على جودة البضاعة المباعة (كل فردة وليها سعر حسب حالتها)، لكن هذه الأمانة تطبق من طرف واحد، حيث يستغل بعض الأشقياء غياب المرأة ويخفون الأحذية بين ملابسهم، وقد يتعمد بعضهم إرتداء جاكت ترينج في عز الصيف كي يداري فيه غنيمته.

خرج بيكا حاملا فردة حذاء وضعها بين يدي أم علّوم لتثمنها.

- هات اتنين جنيه وخلاص عشان أنت حبيبي.

-- ليه يا خالتي ما أنتي بتبعيها بجنيه ونص.

- مش دي، أنت واخد فردة جديدة، أم جنيه ونص دي اللي الأسفلت واكلها

استسلم بيكا ومنحها الجنيهين، ودوي في الحارة صوت سارينة سيارة، نظر بيكا إلى صاحبه وقال: يلا نخلع بسرعة من الناحية التانية، علّوم جه وهايشبط يلعب معانا.

علّوم شاب عشريني يعمل سائقا على سيارة ربع نقل (كأنها بتاعته بالظبط)، يستعين به «مطافي» كثيرا في نقل اللاعبين إلى أي مباراة خارج ملعبهم، كما أنه يتقمص دور الحارس الخاص للفريق وبالأخص بيكا اللي (بيحبه لله في لله)، وهو أحد بلطجية المنطقة لايفارق السلاح الأبيض حزام بنطلونه.

- أبيجا أبيجا

بتلك الطريقة كان ينطق اسم بيكا (لسانه تقيل على طول).. لمح بيكا ونادي عليه قبل خروجه من الحارة، فتسمر مكانه وعاد مجيبا

-- أزيك يا علّوم

- أنت رايع تلعب كورة ومش عايز تاخدني معاك ياصاعبي.

-- لأ مش رايح ألعب، ده أنا نازل بالعافية أشتري كاوتش

- أنت بتضعك عليّ، أنا عارف أنك رايع تلاعب العيال بتوع المساكن.

-- يا عم مساكن أيه بقولك مروّح.

- بص أبيجا، العيال بتوع المساكن دول عوق ومش ولاد المنطقة وأنا لازم أجي أحميك ياصاحبي.

-- بس يا علّوم

- مفيج بس، عارف هاتقول مبعرفج ألعب، بقولك أيه أنا جاي جاي، وعالعب يعني عالعب، والعيال دي لو عد فيهم فتح بقه هو حر. 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg