رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 22 سبتمبر 2018

المجلة



تبرع بها المواطنون لعلاج الفقراء فى المستشفيات.. هل ضاعت أموال التبرعات «فى الهوا»؟

11-7-2017 | 16:32
تحقيق - هبة عادل

مدير مستشفى سرطان الأطفال: ما ننفقه على الإعلانات لا يتعدى 9 % من الدخل ونحصل على تخفيضات كبيرة من القنوات

 
جاءت حملات الإعلان التى نظمتها مستشفيات علاج السرطان والقلب والكبد وغيرها عبر شاشات التليفزيون خلال شهر رمضان الماضى، لحث المواطنين على التبرع لها، كبيرة جدًا ولافتة للنظر بشكل أكبر للمشاهدين، كما شكلت كثرة هذه الحملات استفزازًا لبعض المشاهدين، ودافع استفزازهم أن ما يتبرعون به مخصص لعلاج المرضى وليس لصرفه على هذا الكم الكبير من الإعلانات الذى يلتهم بالتأكيد جزءا كبيرا من تبرعاتهم، قليل منها يكفى لجمع نفس التبرعات، وتوجيه الجزء الأكبر من الأموال التى تصلهم لعلاج عدد أكبر من المرضى وتقليل أعداد المرضى المسجلين على قوائم الانتظار. ويزيد الأمر غرابة مع ما كشفه تقرير لشركة «أبسوس» لأبحاث نسب المشاهدة، يقول إن هذه المستشفيات قامت بصرف نحو 250 مليون جنيه على الإعلانات فى أول عشرة أيام من شهر رمضان الماضى. فى هذا التحقيق ننقل اعتراضات البعض على هذه الكم الكبير من الإعلانات إلى المسئولين عن تلك المستشفيات لمعرفة الحقيقة، وهل بالفعل يتقاضون من بعض الحالات مقابلا ماديا لعلاجهم؟
 

د.شريف أبو النجا
 
بداية يقول الدكتور شريف أبوالنجا مدير مؤسسة مستشفى سرطان الأطفال 57357، رداً على تكلفه الإعلانات قائلا: لدينا فريق عمل كامل متميز بداخل المستشفى يقوم بتصوير وإخراج الإعلانات التى يتم بثها على القنوات، وكل ما ننفقه على الإعلانات لا يتعدى 9 % من الدخل الخاص بنا، وهناك تخفيضات ومزايا كبيرة نحصل عليها من بعض القنوات، ومشاركة الفنانين فى تلك الإعلانات مجانية، ومن الطبيعى جدًا فى أى مؤسسة ناجحة أن تعلن عما حققته من إنجازات. وبالتالى فإن ما أثير عن إنفاق المستشفى لجزء كبير من أموال التبرعات على الإعلانات مرده إلى أشخاص يريدون تعطيل مسيرتنا وتشويه صورتنا والتشكيك فيما نقوم به.
 

 
وعما يتردد عن أن المستشفى لا يقبل إلا الحالات التى فى بداية إصابتها بالمرض، حتى تكون نسبة الشفاء أكبر بالمستشفى، وحالات أخرى تدخل للعلاج بالمحسوبية دون انتظار على القوائم، أكد الدكتور أبوالنجا قائلا: نحن المكان الوحيد فى مصر الذى لا توجد به محسوبية، ورفضنا حالات كثيرة أتى بها مسئولين كبار بالدولة، وهذا الكيان متاح للجميع والفقير قبل الغنى.
 

 
وعلى حد قول مدير الدكتور أبوالنجا، هناك بعض الشروط التى يضعها المستشفى لقبول المريض وتلقى ومن أهمها، ألا يكون قد تلقى جرعات من قبل جرعات علاج كيماوى أو إشعاعى، وأن يكون لديه ملف طبى يوضح حالته، وألا يتجاوز عمره الـ 18 عامًا، وغير المستوفى لهذه الشروط هو ما نرفض دخوله وسبب رفضنا هو أن أدوية السرطان أدوية سامة يستمر تأثيرها بالجسم مدى الحياة، وهناك حالات يعود إليها المرض مرة أخرى تحتاج إلى أدوية تجربية - ونحن لا نجرى تجارب إكلينيكية- والمستشفيات الجامعية فقط هى التى تقوم بتلك التجارب، غير ذلك المريض الذين يأتى إلى قسم العيادات الخارجية بالمستشفى يتم فحص حالته وتشخيص نوع السرطان الذى أصابه، وعلى الفور يتم فتح ملف طبى بحالته والمعلومات الكاملة عنه وعن أسرته.
 

علا غبور
 
حال مستشفى 57357 لعلاج سرطان الأطفال هو نفس حال جميع مستشفيات مصر التى تعانى من ارتفاع أسعار الأدوية، التى أدت إلى تضاعف تكاليف العلاج، كما يقول د. أبوالنجا، لكن فى نفس الوقت فجميع الأطباء العاملين بها أساتذة فى علاج الأورام، اشترطنا عليهم أن يغلقوا عياداتهم الخاصة ويتفرغوا لعلاج المرضى بالمستشفى، ونقوم بدفع أجور كبيرة لهم مقابل تفرغهم، ولدينا أفضل أطقم تمريض. ويضيف د. أبوالنجا قائلا: العيادات الخارجية تقدم يوميا علاجا لنحو 500 حالة تأتى لتحصل على الجرعات المقررة لها، وتبلغ تكلفة علاج الحالة الواحدة حتى يتم شفاؤها نحو 400 ألف جنيه، فضلا عن علاج مريض سرطان الدم التى تبلغ تكلفة علاجه نحو 650 ألف جنيه، ويظل بالمستشفى نحو 120 يومًا، وفى بعض الحالات يحتاج إلى فترة أطول، وهناك قائمة انتظار لمرضى سرطان الكلى والكبد والرئة.
 

د.أنيسة حسونة
 
قلب أسوان
 
ومما لا شك فيه أن مستشفى مجدى يعقوب للقلب بأسوان أحد أهم الصروح الطبية المهم فى مصر والذى يقدم خدمات علاجية على مستوى، وكان له نصيب كبير فى حجم الإعلانات التى قامت بعرضها خلال شهر رمضان الماضى. حاولنا التواصل مع الدكتور محمد زكريا مدير مستشفى مجدى يعقوب بأسوان، لمعرفة حجم ما يتم إنفاقه على الإعلانات التى تم صرفها هذا العام، وما يحتاجه المستشفى للقضاء على قوائم انتظار المرضى لديها، ولم نستطع الوصول إليه.
 
 تحديثا مع أنيسة حسونة نائبة معينة بالبرلمان وباحثة سياسية، والمدير التنفيذى الأسبق لمؤسسة مجدى يعقوب للقلب بأسوان، التى قالت: إن الإعلان عن المستشفى وما تقدمه من خدمات وما تقوم به من مجهودات أمر ضرورى للحصول على التبرعات، التى تعتبر مصدر دخل رئيسياً للجمعيات والمؤسسات الخيرية بشكل عام، ويتم التركيز تحديداً عليها فى شهر رمضان والشهر الذى يسبقه، لكن لابد أن يكون هناك توازن بين تكلفة هذه الإعلانات والدخل الحقيقى، وأن يكون الصرف فى موضع صحيح وبشكل هادف، وأن يتم الحد من عمليه استفزاز المشاهد بكثرة إعادة بث هذه الإعلانات، الأمر الذى يدفعه فى كثير من الأحيان للسؤال: هل أموال التبرعات تصرف على الإعلانات وليس المرضى؟ وأن يكون هناك نوع من إحداث توازن، ففى أثناء فترة ولايتى مسئولية مستشفى الدكتور مجدى يعقوب، كانت هناك دائًما فكرة لتقديم كشف حساب لهذه المؤسسات، لكى تتحقق الشفافية والمصداقية وحتى لا يقال ماذا فعلوا بأموال التبرعات؟
 
وتؤكد أنيسة حسونة أنه من خلال خبرتها فى هذا المجال، فإن إعلانا مدته 30 ثانية أقل من تكلفة إعلان يتخطى الدقيقتين، فكلما طالت المدة قلت التكلفة، ومع تكرار الإعلان تقل التكلفة أكثر وتكون هناك خصومات أكبر. وتضيف أنيسة حسونة أنه خلال فترة عملها بالمؤسسة، كانت هناك مراقبة يومياً للحالات التى تأتى إلى المستشفى، والأولوية كانت لمن يأتون من الصعيد والحالات الحرجة، كما يستقبل المستشفى عدداً كبير من المرضى من محافظات مختلفة، وكانت هناك خطة مقدمة للتوسع، وتم تدبير الأموال لها حتى لا تكون هناك قوائم انتظار طويلة. 
 

 
بهية 
 
على الجانب الآخر يعد مستشفى «بهية»، الذى أسسته ورثة المرحومة بهية وهبى أخت الفنان الكبير الراحل يوسف وهبى، من الصروح الطبية المهمة فى مصر، والتى شاهدنا إعلاناتها الكثيرة خلال شهر رمضان. ويقول المهندس تامر شوقى، أمين مجلس أمناء مستشفى بهية، عن كيفية تكلفة نفقات تلك الإعلانات التى يقوم بها المستشفى، إنها تتم برعاية مجموعة من رجال الأعمال الذين يتحملون تكلفة بثها على القنوات دون أى مقابل، لكننا فى المستشفى قمنا بوضع أسمائهم بنهاية الإعلان تقديرًا وعرفانا بدورهم الخيرى.
 
وحول قائمة الانتظار الطويلة والأزمة التى يواجهها مستشفى «بهية» يقول المهندس تامر شوقى، إن الأزمة لدينا اليوم هى زيادة نسبة سرطان الثدى فى مصر كل عام على الذى يليه، فهناك نحو 22 ألف حالة تعانى من سرطان الثدى بين السيدات فى مصر، من سن 20 حتى 79 سنة، والملاحظ زيادة نسبة الإصابة بهذا المرض فى السنوات الخمس الأخيرة بين الفتيات الصغيرات، وحتى الآن لم نتوصل إلى معرفة إصابتهن، هل لأسباب وراثية أم نتيجة للتلوث أو عوامل أخرى.
 

المهندس تامر شوقى
 
ويضيف المهندس تامر شوقى: مستشفى «بهية» تعالج جميع المرضى دون تفرقة أو محسوبية، وجميع السيدات ترغب فى العلاج لدينا، ولكننا فى المستشفى لا نستطيع استيعاب كل هذه الحالات، فالإمكانات المالية لدينا لا تمكننا من استقبال كل الحالات. فعلى الرغم من أن القدرة الاستيعابية للمستشفى 3500 حالة، وتتوافر لدينا جميع الأجهزة والجراحين المهاريين، إلا أننا لا نستطيع استقبال أكبر من 1200 حالة فقط بسبب الإمكانات المادية، المشكلة الكبرى فى تكلفة العلاج الكيماوى الذى ارتفع من 10500 جنيه إلى 18 ألف جنيه، فنحن نستورد الأدوية وندفع الجمارك عليها كاملة، كما تقوم وزارة الصحة ومعهد الأورام بإرسال حالات للعلاج لدينا نتيجة الضغط الرهيب عليها، لكنها فى نفس الوقت لم تساعدنا فى تخفيض قيمة الجمارك على هذه الأدوية، ولكى يتم الحصول على إعفاء جمركى يجب أن يكون بقرار من رئيس الجمهورية.
 
تكلفة العلاج
 
وعما تتلقاه مستشفى بهية من مقابل مادى من المرضى، يؤكد المهندس شوقى أن بعض المريضات القادرات ماديًا ويرغبن فى العلاج لدينا، هن فقط من نأخذ منهن سعر تكلفة العلاج، ويتم توجيه هذا المبلغ لعلاج مريضة أخرى غير قادرة ماديا على تحمل نفقات العلاج، ويوجد لدينا نحو 2800 مريضة على قوائم انتظار العلاج يحتجن إلى نحو 90 مليون جنيه لعلاجهن، وهذا المبلغ غير متوافر لدينا.
 

بهية وهبى
 
ويضيف المهندش شوقى: ما بين 70 % إلى 80 % من حجم التبرعات الخاصة بالمستشفى يتم توجيه لشراء الأدوية، وتقدمنا باقتراح إلى وزارة الصحة لاستيراد الأدوية بكميات أكبر فى عبوات كبيرة، ولكنهم رفضوا لأن تلك العبوات غير متعارف عليها، فى حين أن الشركات المصدرة بالخارج وافقت بينما وزارة الصحة رفضت. ورغم ذلك استطعنا فى مستشفى بهية علاج نحو 3 آلاف مريضة وأجرينا 2280 عملية جراحية منذ عام 2015 حتى الآن، ونسبة الشفاء لدينا وصلت إلى 78 % ممن دخلوا مستشفى بهية، والكشف المبكر عن المرض يوفر الكثير وعلاجه سهل وبسيط.
 
وأخير يقول المهندس شوقى: نريد ممن يهاجمون بسبب كثرة الإعلانات أن يزوروا المستشفى أولا ويتعرفوا بأنفسهم على الحقيقة ويتحاوروا مع المرضى ويروا الصورة بأعينهم، وجميع الأطباء متفرغون تماماً للعمل لدينا وليست لديهم عيادات خاصة، ويحصلون على أجور مثل أسعار السوق تمامًا، وتأخذ الأجور نحو 7 % من دخل المستشفى، وكلما زاد عدد المرضى كلما قلت تكلفة الأجور، لأن طاقة العاملين ثابتة، والـ93 % الأخرى يتم صرفها على العلاج وشراء وصيانة الأجهزة.
 
صورة مشوهة
 
من ناحية أخرى أكدت الدكتورة عزة هيكل، عميد كلية اللغة والإعلام بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والكاتبة والناقدة الإعلامية، أن ما يحدث على شاشة الإعلام المصرى يسيء إلى الإعلام وإلى الحكومة وإلى المواطن، ولا يساعد على بناء وطن سليم على أسس اجتماعية محددة الملامح، وإنما يقدم المجتمع بصورة مشوهة ومتدنية مليئة بالفوضى فيفقد المواطن بوصلة التوجه إلى الخير وإلى المشاركة المجتمعية الجادة والبناءة التنموية، ولهذا فإن تلك الإعلانات وهذه المؤسسات صارت منفرة وطاردة حتى ولو كان الغناء جميلاً والموسيقى عظيمة والممثلون نجوماً ونجمات، رمضان ليس شهر الخير والزكاة والصدقة والملابس القطنية وشركات المحمول. وأشارت هيكل إلى أن تلك الإعلانات المسيئة للمصريين، التى تصور المجتمع بأنه مجتمع فقير عاجز، وأن حكومته غير قادرة على تلبية احتياجات مواطنيها وأن هناك انفصالاً تاماً بين المواطنين والحكومة والمجتمع المدنى والذى هو الوحيد القادر على إنقاذ المصريين من السرطان والحروق والأمراض وبناء المنازل وإطعام الفقراء وكسوتهم بالملابس وإمدادهم بالأوراق. 
 
 
وتساءلت د. عزة هيكل، هل يوجد فى العالم أجمع هذا النموذج المبكر من الإعلانات التى تدفع الناس دفعاً إلى التبرع باسم الدين وباسم الفريضة وباسم ركن من أركان الإسلام، ألا وهى الزكاة والصدقة حتى يكتمل الإيمان وحتى يؤدى المسلم ما له وما عليه من فرائض، حتى زكاة عيد الفطر أصبح لها إعلان.. هذه الأموال التى يجبرون المشاهدين على دفعها تحولت إلى سبوبة إعلانية ومهنة جديدة، تدخل فى دائرتها المؤسسات الخيرية الخاصة بالصحة وأخرى بالبناء وأخرى بالطعام والجديد والملابس والورق وتقوم شركات إعلانات بدراسة جدوى للمشروع والإعلان، وتضع فريق عمل كامل متكامل من منتجين ومصورين وممثلين ومغنين وملحنين وتسويق وتهريج وتهليب وكله باسم الدين وباسم الفريقين والدين واللعب على مشاعر البشر ونقاط ضعفهم، وهذه الهوجة الإعلانية منتشرة على القنوات الخاصة وعلى شبكات التواصل الاجتماعى والموبايل واقتحم عرينها كل المطربين والمطربات الذين يجدون فيها فرصة للظهور وبصورة أهل الخير والتقوى والرحمة، وكله من جيب الغلابة وباسم الغلابة وعلشان الغلابة، لكن فى النهاية ملايين الجنيهات تذهب للإعلانات والشركات وللمؤسسات التى أصبحت حكومة موازية لوزارة الصحة والتموين والإسكان.
 
دور مجلس الإعلام
 
 واستنكرت هيكل دور المجلس الأعلى للإعلام فيما حدث ويجرى، وهل هناك أى جهة رقابية على تلك الشركات الإعلانية؟ وما مدى المساحة المسموح بها والوقت المفترض لأى منتج على القنوات الخاصة والتى طغت على تليفزيون الدولة مثل الوحش الكاسر المفترس تلتهم الحصيلة الإعلانية وتلتهم الأموال ونسب المشاهدة وتدمر الواقع والسلوك والأخلاق التى لا يعرف لها رقيباً ولا حسيباً؟ أين وزارة الصحة مما يحدث وكل تلك المؤسسات الصحية تابعة بالإشراف الفعلى للوزارة؟ أم أن هذه المؤسسات هى البديل الجديد لدور الحكومة والتأمين الصحى والمستشفيات الحكومية والجامعية؟ تلك مشكلة كبرى تفتح أبواب الاستغلال والجشع والتربح وتقلل من هيبة ومكانة الدولة وتجعل المواطن يسأل لماذا الضرائب؟ ولماذا أصلا هناك وزارة للصحة؟ ولماذا تأمين صحى يستنزف موارد خزينة الدولة من مرتبات للموظفين لا تكفى قوت يومهم ومرتبات أطباء تهين مكانتهم العلمية وتدفعهم إلى سبل أخرى لكسب العيش، وقد تكون باباً خلفياً لتجارة بيع الأعضاء كل هذا لأنه ليست هناك سياسة واضحة للتأمين الصحى تطبق على جميع المصريين المواطنين لا فرق بين مسلم عليه زكاة أو صدقة أو مسيحى ليس عليه تلك الفريضة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg