المجلة



عماد حمدى.. فتى الشاشة الأول والأخير.. غدر ووفاء

10-7-2017 | 01:47
ماهر زهدى

الفتى الأول يصاب بـ«جلطة فى المخ» بسبب الغدر وعدم الوفاء

 
يفقد بصره ويرفض الحياة بعد رحيل توأمه 
 
فتحية شريف تمد يدها لعماد و«الأربعين ضيفا» يحولون صحراءه إلى واحة 
 
عاش عماد حمدى تجربة الزواج ثلاث مرات، الأولى مع فتحية شريف عام 1946، والثانية مع شادية فى العام 1953، أما الثالثة والأخيرة فكانت مع نادية الجندى عام 1961، غير أنه لم يكن «مزواجا» كما اتهمه البعض، بدليل أنه لم يكن لديه أى علاقات نسائية دون زواج، بل كان يبحث عن الحب الحقيقى، ويسعى لعيش حياة أسرية مستقرة، فى كل تجربة، لم يجدها، ما جعله يهرب بعيدا عن الأعين بعد انفصاله عن شادية، غير أنه بعد انفصاله عن نادية الجندى لم يكن بحاجة للهروب أو الانزواء بعيداً عن عيون الآخرين، لسببٍ بسيط، وهو أنه لم يخرج من تجربة الزواج الثالث منهارا ولا نادما ولا حزينا، بل كان يؤمن إيمانا راسخا، بأن من يخسر المال أسعد من الذى يفقد نفسه وحريته، وربما كان ذلك نفس إحساس الجمهور والصحافة، فعندما انفصل عن شادية ظلت الصحف والمجلات تكتب لفترة طويلة وكان انفصالهما حدثًا مهما يستحق المناقشة والتفسيرات، حيث كان انفصالهما أشبه بالمفاجأة غير السارة التى صدمت الجميع، بل إن الجمهور العادى، كان كلما التقاه فى مناسبة سأله عن إمكانية عودة الحياة بينهما، لكنه عندما انفصل عن نادية الجندى، لم تكتب الصحف أكثر من خبر موجز عن واقعة الانفصال، ولم يندهش أحد، لما حدث، بل ربما اعتبره البعض تصحيحا لخطأ سابق، فساعده ذلك الاندماج بسرعة فى العمل وواصل رفض الأدوار التى لم تعد تناسب عمره، بل سعى لأن يقدم أدوار مرحلة النضج، غير أن أحدا من الكتاب أو المنتجين أو المخرجين، لم يلتفتوا إلى ذلك، ولم يهتم أى منهم بتقديم أدوار له تتناسب وخبرته ونضجه، كما يحدث فى الغرب. 
برغم كل ما حدث، لم تتركه الفنانة نادية الجندى ينعم بالهدوء، فعندما حاول أن يخلق حالة من الحب والسلام والأخوة بين ابنه الأكبر نادر، من زوجته الأولى فتحية شريف، وبين ابنه الأصغر هشام من نادية، قاومت ذلك بكل قوة، لم تترك هذه العلاقة تأخذ شكلها الطبيعى بين أى شقيقين، وأن يقتربا من بعضهما البعض، بل حرصت على أن تبتعد بابنها عن والده وشقيقه، وهو ما استوعبه نادر جيدا، وبرغم ذلك حاول قدر استطاعته أن يسترضى والده ويقترب من أخيه هشام، كما حرص على أن يتفرغ قدر استطاعته لرعاية والده، بعد أن فقد عماد الرغبة فى كل شىء، حتى سقط مريضا، ليتم نقله على الفور إلى المستشفى، وبعد الفحص والأشعة، تبين أنه أصيب بـ«جلطة فى المخ».
أثناء وجوده فى مستشفى المعادى للعلاج من جلطة المخ، لمس شهامة معتادة من زميلته الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا، التى كانت تعالج هناك من السمنة الزائدة التى أصيبت بها، بعد أن كانت أيضا نموذجا للجمال والرشاقة، فلم تتركه لحظة، ظلت إلى جواره تطعمه بيدها، وتتابع حالته الصحية لحظة بلحظة، وهو ما لم يكن جديدا عليها، بل تحرص على أن تفعل ذلك مع أى من الزملاء والأصدقاء، حتى فى أصعب ظروفها الصحية، فظلت إلى جواره، رغم عدم تحقيقها أى تقدم فى علاجها، فإنها قررت ألا تترك عماد قبل أن يتعافى، وهو ما حدث بالفعل، فلم تتركه إلا بعد أن اطمأنت أنه عاد إلى بيته معافى.
عاد عماد مجددا إلى شقته المتواضعة، عاد إلى وحدته، التى لم يكن ينهيها سوى نجله نادر، الذى يحرص على أن يطمئن عليه ويعطيه الدواء بيده قبل الذهاب إلى عمله، ثم الجلوس إلى جواره بعد عودته، ليقرأ له الصحف ويطلعه على أحوال الدنيا من حوله، ليس فقط دنيا الفن، التى لم يعد يطرب لسماع أخبارها، بل ليطلعه على كل شئون الحياة، حتى إنه أصبح كالطفل الذى ينتظر عودة والده من العمل، وقد أتى له ببعض الحلوى، وهو ما فعله نادر فى ذلك اليوم، حيث عاد إلى البيت وفى يده أجمل حلوى يمكن أن تسعد والده، عاد نادر من عمله فى ذلك اليوم وبصحبته والدته الفنانة فتحية شريف، التى ما إن شاهدها عماد حتى لم يتمالك نفسه، وانهار فى بكاء مرير، فبكت فتحية، وأخذت برأس عماد ووضعتها فوق كتفها، وظلا يبكيان:
* يااااه معقولة يا فتحية.. أنت هنا.
= أيوا يا عماد.. جاية مخصوص علشانك
* أنا مش قادر أصدق والله.
= أنا من زمان كان نفسى آجى.. بس كنت مترددة.. مش عارفة ممكن اللحظة دى تبقى عاملة إزاى.
* صدقينى دى أسعد لحظة مرت عليا من سنين طويلة.. ما تعرفيش أنت عملتى إيه فيا بزيارتك دى
= بجد يا عماد سعيد.
* كلمة سعيد مش كفاية.
= خلاص إن كان وجودى بيسعدك مش هاسيبك تانى من هنا ورايح.
لم يعد عماد يشعر بالوحدة، ووجد من يقدم لى كوباً من الماء، من يساعده على الوقوف ويحميه من الوقوع، من يخفف عنه آلامه، فلم تعد تفارقه زوجته الأولى الوفية فتحية شريف التى شهدت معه أيام نجاحه الأولى، عرفته، والأضواء تغمره، ثم جاءت لتقف إلى جواره بعد انحسار الأضواء وابتعاد الأصدقاء، تأتى كل يوم صباحا، ولا تغادر إلا بعد تناوله عشاءه ودخوله إلى سريره، بل إنها لم تنس يوم مولده، وفى يوم الخامس والعشرين من نوفمبر، فوجئ عماد بما لم يتوقعه، حيث وجد شقته المتواضعة، التى برغم صغرها، يشعر بأنها صحراء لا حدود لها لوجوده فيها بمفرده، وجد هذه الشقة لم يعد بها موضع لقدم، ففى هذا اليوم تدفق عليها أربعون ضيفا من أعز الأصدقاء والصديقات، وجوه لم يرها منذ سنوات، المنتج مطيع زايد، الكاتب لويس جريس وزوجته الفنانة سناء جميل، حسن يوسف، سهير رمزى ووالدتها درية أحمد، الفنانة زوزو نبيل، فريد شوقى، الكاتب أنور عبد الله وزوجته الفنانة سعاد حسين، يوسف شعبان، الصحفى مفيد فوزى، الذى جاء وفى يده جهاز تسجيل، ليسجل الحفل، ويدلى كل ضيف بكلمة له، كما يدلى عماد بكلمة للجميع، ثم أعقب دخول الضيوف الأربعين، أربعة رجال يحملون «تورتة» كبيرة وخروفا مشويا وأنواعاً أخرى عديدة من الأطعمة.
جلس الحضور على الأرض، التفوا حوله، بددوا وحدته، وأعادوا له ابتسامته، بعد أن كان الاحتفال قاصرا على أسرته الصغيرة، نادر وزوجته وابنيه عماد ومريم، ووالدة نادر فتحية شريف، حتى إن عماد أشفق على قلبه العليل من شدة المفاجأة، ومن انفعالاته التى لم ينجح فى إخفائها. ما أجملها تلك اللحظة التى يدق فيها باب إنسان وحيد وعندما ينفتح الباب يجد أمامه من كاد يسىء الظن بهم، من كان يتصور أنهم قد نسوه، فعندما أصبح غير قادر على الذهاب إليهم فجاءوا هم له ليشعروه أنه لا يزال على قيد الحياة، حيث امتدت سهرة «الأربعين» حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالى.
لم تغب تلك الليلة من ذاكرة عماد، لتضاف إلى المزيد من الذكريات الطويلة العديدة التى أصبح يعيش عليها فقط، حيث أصبح تمر أيام وأسابيع، دون أن يدق جرس الهاتف فى بيته، حتى بلغ به الأمر أن يكلم نفسه، لأنه لم يجد من يكلمه:
* أحسن حاجة أتصل بيهم.. وفيها إيه.. اتصل بأى حد أكلمه.. أيوا أنا هافتح نوتة التليفونات.. والاسم اللى هايطلع قدامى هاتصل بيه.
أيوا بس لو مش فاضى ممكن يحرجنى ويقول اتصل فى وقت تانى؟ لا لا أنا أصحابى مايعملوش كده؟
طب لما هم أصحابك وأنت عارف إنهم كويسين أوى كده.. ما بيسألوش عنك ليه؟
أيوا يا أخى ما أنت عارف أنهم ممكن يكونوا مشغولين ومش فاضيين.. ما أنت عارف الواحد ما بيصدق يرجع البيت بعد يوم تصوير وبيبقى مقتول عايز ينام ويرتاح بعد يوم تصوير اتناشر أو أربعتاشر ساعة.
عاد المخرجون يتذكرون عماد حمدى، ويسندون له العديد من الأدوار، غير أنه حاول قدر الإمكان، أن ينتقى ما يحفظ له اسمه وتاريخه، فشارك فى أفلام «أميرة حبى أنا، أبدا لن أعود، صابرين، امرأتان، بديعة مصابنى، المذنبون، الكرنك، الضحايا، سيدتى الجميلة» وغيرها من تلك النوعية من الأدوار التى يشارك فيها إلى جانب نجوم المرحلة الجدد أمثال نور الشريف، محمود ياسين، حسين فهمى، سمير صبرى، حيث اقتصرت مشاركته على الأدوار المساعدة للبطل، مثل رجل الأعمال الذى يشترى الحب بنفوذه وماله، أو الأب الثرى الذى يعشق فتاة فى مثل عمر أولاده، ويدخل فى منافسة غير متكافئة مع الشباب، ليسند إليه المخرج الأردنى «عباس أرناؤوط» دورا فى مسلسل «سليمان الحلبى» للكاتب محفوظ عبد الرحمن، ليعيده المسلسل إلى نوعية الأدوار التى تحتاج إلى تمثيل، ليقدم بعده دور «مدير مستشفى» فى مسلسل «لقيطة» تأليف محمد عبد الحليم عبد الله، وإخراج إبراهيم الشقنقيرى، ليسند إليه بعده المخرج على رضا دورا مختلفا فى فيلم «أسياد وعبيد» ليؤدى خلاله دور «موسيقى» أصيب بالشلل، وهو دور يحتم على من يؤديه أن يظل جالسا فوق مقعد متحرك، ليقدم كل مشاهده بالفيلم صامتاً جالسا فوق المقعد المتحرك لم يقل سوى ثلاث كلمات، وبرغم ذلك كان سعيداً بهذا الدور، لدرجة أنه فضله على أدوار البطولة المطلقة، من نوعية أفلام هذه المرحلة، حيث أتاح له فرصة التعبير بوجهه وعينيه، غير أن ذلك لم يشفع له عند المخرجين والمنتجين، حيث عاودوا إسناد النوعية نفسها السابقة، فى عدد من الأفلام، لم يكن عماد حمدى يرضى بأن يقدمها لولا عشقه للسينما، وربما كان هو السبب الذى جعله يوافق على أن يشارك فى فيلم «الباطنية» عندما أسند إليه المخرج حسام الدين مصطفى دور «المعلم الناعس» تاجر المخدرات، غير أنه تردد عندما علم أن الفيلم بطولة مطلقته الفنانة نادية الجندى، غير أن المخرج حسام الدين مصطفى أقنعه، مؤكدا له أنه لن تكون هناك مشاهد تجمع بينهما، فوافق على تقديم الدور برغم صغره، غير أنه ندم بعد مشاهدة الفيلم، لإحساسه بتعمد نادية الجندى أن يشارك فى الفيلم، ليتصدر اسمها عناوين الفيلم، فيما يأتى اسمه بعدها، بعد أن كان يحدث العكس من قبل!
المعلم سلطان
برغم صغر الأدوار التى بات المخرجون والمنتجون يسندونها للفنان عماد، فإنه لم يرفض، ليس فقط بسبب عشقه وحبه الجارف للسينما، لكن أيضا لإحساسه بأنه لا يزال لديه الكثير ليقدمه، حتى إن كانت صناعة السينما فى مصر، لا تعترف بكتابة أدوار خاصة للممثلين «كبار السن» لذا لم يرفض أيا من الأدوار التى تعرض عليه عشقا فى السينما، ليوافق بعدها على عدد من الأدوار الصغيرة التى لم يكن يرضى عنها بنسبة كبيرة، غير أنه وافق عليها للأسباب نفسها، حتى فوجئ بجرس الهاتف يدق فى بيته، بعد أن أصبح صوته عزيزا، لا يسمعه كثيرا:
= أستاذ عماد حمدى موجود.
* مين عايزه يا ابنى.
= أنا عاطف الطيب.. مخرج سينمائى.
* أهلا أهلا.. أزيك يا أستاذ.. تحت أمرك.
= حضرتك أستاذ عماد.
* إيه مش مصدق.. ولا صوتى مش واضح.
= لا مش القصد والله.. أنا بس مش مصدق .
* لا يا سيدى صدق هو بعينه.. تحت أمرك.
= أنا اللى تحت أمر حضرتك.. وأتمنى أنك توافق.
* مش بس لما أعرف هوافق على إيه.
= أنا بخرج أول فيلم ليا اسمه «سواق الأتوبيس».. وأنا عارف أن حضرتك طول عمرك بتقف جنب كل المخرجين الجداد اللى بدأوا مع حضرتك.. ويشرفنى جدا إنى أكون واحدا منهم.
* مقدرش أرفض طبعا وأنت بتتكلم بالطريقة الذوق دى.. بس أعرف إيه الموضوع والفيلم بيتكلم عن إيه؟
= أنا بس بستأذن حضرتك تشرفنى بكرة تاخد معايا فنجان قهوة.. ونتكلم فى الفيلم والدور كمان.
برغم أن دور «المعلم سلطان» صغير جدا، إلا أن عماد حمدى وافق عليه، لأكثر من سبب، ربما أهمها الوقوف إلى جوار مخرج جديد يبدأ حياته السينمائية، كما اعتاد طيلة رحلته الفنية، لكن السبب الثانى الذى لا يقل أهمية هو إعجابه بالفيلم وموضوعه، ودور الأب «المعلم سلطان» الذى سيؤديه، والمعنى الذى يؤكده.
فى اليوم الأول للتصوير، كان عماد حمدى أول من يحضر إلى الاستديو، برغم حالته الصحية المتدهورة، لتصوير مشاهده برغم قصرها وقلتها، غير أنه عندما حان وقت تصوير المشهد الذى يموت فيه الأب، انتابه إحساس غريب، بأن هذا المشهد من فيلم «سواق الأتوبيس» سيكون آخر مشهد سيظهر فيه على شاشة السينما، مشهد رجل يموت أسفاً على ضياع الوفاء وتحسراً على انهيار العلاقات الإنسانية من انشغال الناس بجمع المال لدرجة الجنون، وبرغم هذا الإحساس رشحه بعده المخرج على عبد الخالق للمشاركة فى فيلم «العار» الذى أعجبته فكرته وموضوعه، وبرغم إحساس عماد بالوهن والاكتئاب، تحامل على نفسه وذهب إلى الاستديو، وتماسك بقدر الإمكان، خصوصا بعد تلك المعاملة الرائعة التى عامله بها صناع العمل، وتحديدا المخرج على عبد الخالق، والمؤلف محمود أبو زيد، حيث حرص الأخير على أن يقوم بتوصيله من الاستوديو إلى بيته والعكس، بسبب التدهور الواضح على صحة عماد حمدى، ليمر أول يوم تصوير بسلام برغم حالته الصحية، حيث أدى المطلوب منه تماما، لكنه فى اليوم التالى صدم، كما صدم الجميع بمفاجأة غير سارة:
* خبر إيه اللى مش حلو على الصبح يا أستاذ على؟
= أنا آسف.. المشاهد اللى صورناها إمبارح.. اللى حضرتك فيها اتحرقت فى المعمل.
* اتحرقت.. قصدك إنى أنا اتحرقت.
= لا لا.. ألف بعد الشر عليك يا أستاذنا.. هما بس الكام مشهد دول اللى اتحرقوا.
* وبعدين.. المفروض نعمل إيه دلوقت.
= أنا آسف يعنى هنضطر نعيد تصويرهم تاني.
* نعيدهم! الله يسامحك يا أستاذ.. دا أنا عملتهم بالعافية.
= للأسف ما قدماناش حل تاني.
* لا فى حل.
= الحقنى به.
* تشوف ممثل تانى يعمل الدور بدالي.
بالفعل تم اختيار الفنان عبد البديع العربى لتقديم دور والد الإخوة الثلاثة «نور الشريف، حسين فهمى، محمود عبد العزيز» بدلا من عماد حمدى، الذى انتابه إحساس غريب بعد هذه الواقعة، شعر بأنه «احترق» كممثل، ولم يعد له مكان على شاشة السينما. 
نهاية مبكرة
برغم مشاركة عماد حمدى بعده فى فيلمى «اعتداء» مع المخرج سعد عرفة، و«ضاع حبى هناك» مع المخرج على عبد الخالق، فإنه لم يشعر بوجوده فيهما مثلما شعر بفيلم «سواق الأتوبيس»، ما جعله يستسلم للأمر الواقع، وأنه لم يعد له مكان على شاشة السينما، فاكتفى بالجلوس فى صحبة توأمه عبد الرحمن.
بعد أن صدم عماد فى الكثيرين ممن حوله، خصوصا هؤلاء الذين كان سببا مباشرا فى ارتفاعهم ونجوميتهم، فإن القدر قرر ألا يكتفى بما وجهه له من سهام، كل منها كان كافيا لأن يقضى عليه تماما، لكنه ظل صامدا، فوجه له القدر سهما جديدا برحيل زوجته الأولى الوفية الفنانة القديرة فتحية شريف، فى 16 نوفمبر 1982، ليدخل فى دوامة جديدة من الأحزان والاكتئاب، غير أنه قبل أن يفيق من صدمته وأحزانه، وجهت الأقدار سهمها الأخير تجاه قلبه، برحيل توأمه عبد الرحمن حمدى، بعد أقل من ستة أشهر من رحيل فتحية شريف، فجأة ودون مقدمات مرضية.
بعد رحيل «عبد الرحمن» شعر عماد بأن روحه سُلبت منه، رحل من كان يسأل عنه فى وحدته، من كان إذا مرض يمرض إلى جواره، ولا يشعر بالعافية إلا إذا شفى عماد، يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، لم يخالفه فى شىء منذ أن خرجا إلى الدنيا، حيث سبقه عبد الرحمن بعدة دقائق، لم يخالفه سوى هذه المرة، عندما رحل وتركه يعانى آلام الفراق والوحدة، لذا أصبح غير متمسك بالحياة، ولا راغب فيها، لم يعد يستهويه شىء، لا سهرات ولا حفلات، ولا حتى حياة الاستوديوهات لم تعد تسعده وتشجيه كما كانت، أصبح يميل للوحدة والانطواء، يفضل الانفراد بنفسه ليجلس يشاهد بمفرد «فيلم حياته» عبر شريط الذكريات، وكلما شعر بالضيق والاختناق، جلس إلى مكتبه، يقرأ مذكرات توأمه، التى كانت أشبه بأدب الرحلات، حيث سجل فيها كل رحلاته وتجاربه الإنسانية، فى كل الدول التى زارها بحكم عمله الدبلوماسى، يقرأ ويبكى، ويذهب فى غيبوبة، يفيق منها، ليتذكر ما هو فيه، فيبكى مجددا، حتى وجد نفسه فجأة لا يرى، فزادت صدمته واكتئابه، بعد أن أكد له الأطباء أنه قد فقد بصره.
زاد الاكتئاب بشكل كبير، لم يعد هناك ما يبهج عماد حمدى، شعر بأنه يعيش فى دنيا غريبة عنه، لم يعرفها ولم تعرفه، خاصة مع ظهور جيل جديد ممن يطلقون على أنفسهم «علماء الدين» عادوا أخيراً من المملكة العربية السعودية، يحملون الفكر الوهابى، يحاول تكفير كل من يخالفهم فى الرأى، والاعتقاد، فكان من بين ما صرحوا به، تحريم التمثيل، وأن من يعملون به ليس لهم نصيب فى الآخرة، بل لاحظ اعتزال أكثر من فنانة، من بينهم الاعتزال المفاجئ لزوجته الثانية الفنانة الكبيرة شادية، التى جاء اعتزالها بعد شفائها من مرض أصيبت به.
اجتمع كل ذلك ليزيد من حالة اكتئاب عماد حمدى، فقرر فجأة أن يغلق بابه على نفسه، لا يتحدث حتى مع أقرب المقربين منه، ابنه أو أحفاده، لم يسمح لأحد بدخول حجرته، حتى إنه لم يعد يثق فى الأطباء أو علماء الدين، يرفض أن يستقبل أيا منهم، حتى نقل بعض المقربين منه حالته إلى الإمام محمد متولى الشعراوى، فما كان منه إلا أن قرر أن يذهب بنفسه إلى بيته.
ذهب الإمام الشعراوى إلى منزل عماد حمدى.. ووقف أمام باب شقته، وتمهل وهو يطرق الباب حتى لا يزعج الفنان. فأتاه صوت منهك يتقطع من خلف الباب:
* مين اللى بره.. أنا مش قلت مش عايز حد.. مش عايز أشوف حد
= أنا الشعراوى.. افتح يا عماد.
دون أن يجيبه، كأنما دبت الروح فى أوصاله، هم بفتح الباب، وقد سرت فرحة عارمة فى جسده ارتعشت يده وهو يفتح الباب ويعانق الإمام الشعراوى، استمر العناق فترة، تخللها بكاء جارف منه تبعه بكاء من الإمام الشعراوى وهو يقبل رأسه حتى جلسا معا، حاول الشعراوى خلال الجلسة بما أوتى من علم أن يخرج عماد حمدى من عزلته واكتئابه، ويصحح له العديد من المفاهيم المغلوطة حول الحرام والحلال، خصوصا تحريم الفن على إطلاقه. وغيرها من الأفكار التى تداعت على رأس الفنان، حتى هزمه الاكتئاب، ومع نهاية اللقاء كان هناك رجل مختلف عن ذلك الذى كان قبل عدة ساعات يعيش فى نفق مظلم صنعه الاكتئاب، والعديد من الأفكار والمفاهيم المغلوطة، حتى أصبح يتمنى أن يخرج من هذا النفق، حتى لو إلى الجحيم، تبدلت حالته، شعر بانشراح صدره، وبارتياح شديد، رضى بما آلت إليه حالته، وبما ناله من الدنيا، أدرك أن رحمة الله واسعة، ليلازمه ذلك الشعور حتى لقى ربه فى الثامن والعشرين من يناير 1984، بعد حياة فنية طويلة وحافلة، ربح كثيرا، ثم خسر كل شيء، ارتفع إلى قمة النجومية، بل من خلاله تبدلت معايير النجومية ومقاييس الفتى الأول، ليصبح عماد حمدى بالفعل فتى الشاشة الأول.. بل والأخير.. 
.. النهاية
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg