رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 11 ديسمبر 2017

مقالات



الاستقلال مرهون بوحدة العرب

22-7-2017 | 19:56
معن بشور

 
نشأت الجمعيات القومية العربية كعصبة عمل قومى.. وانطلقت من جبل لبنان عام 1930
 
حركة القوميين العرب تأسست فى بداية الخمسينيات على يد مجموعة من المثقفين الثوريين أبرزهم جورج حبش ووديع حداد
 
كان لبنان، كسائر بلاد الشام، موئلاً لانطلاق موجات من الحراك والفكر القومى العربى منذ أن بدأت سياسة التتريك تطغى على علاقة الدولة العثمانية بالولايات العربية يومها، كما بدأت هذه الاتجاهات تنمو مع انبعاث الفكرة القومية فى أوروبا وقيام الوحدتين الألمانية والإيطالية فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من أن لبنانيين كثراً من مفكرين وأدباء وشعراء وصحفيين داخل لبنان، وفى بلدان المهجر قد كتبوا عن أنتمائهم العربي، نثراَ وشعراَ، بلورة الفكر القومى العربى المعاصر فى لبنان وبلاد الشام تمت فى مواجهة الاستعمار الغربي، الفرنسى والإيطالى.
 
نشأت أحزاب وجمعيات وبينها جماعات قومية عربية كعصبة العمل القومى التى أنطلقت من جبل لبنان عام 1930 وكان مؤسسها على ناصر الدين ولفيف من الشخصيات اللبنانية والسورية، وكذلك جماعة الكتاب الأحمر التى عملت بشكل سرى لفترة غير طويلة بإشراف المفكر الراحل الدكتور قسطنطين زريق التى انبثقت عنها أحزاب وطنية ذات بعد قومى كحزب النداء القومى فى لبنان وعلى رأسه الأخوان تقى الدين الصلح، رئيس حكومة فى سبعينيات القرن الماضى وكاظم الصلح، نائب وسفير سابق، والمحامى والخطيب المفوه نصرى المعلوف والخبير فى القانون الدستورى أدمون رباط وكوكبة من المثقفين والمناضلين العروبيين، وكجماعة قادها الطبيب الوطنى المعروف عبد الرحمن الشهبندر فى سوريا وكحزب الاستقلال فى العراق بقيادة صديق شنشل.
 
فى تلك المرحلة برز اسم المفكر القومى المعروف ساطع الحصري، المولود فى حلب والوزير فى العراق، وصاحب التأثير الفكرى الواسع فى بلاد الشام عموماَ، بما فى ذلك لبنان.
 
بعد ذلك فى بداية أربعينيات القرن الماضي، بدأت تبرز أفكار تدعو لقيام تنظيم قومى عربى على مستوى الوطن الكبير وتصدر هذه الدعوة حزب البعث العربى ومؤسسوه ميشيل عفلق، صلاح البيطار، وجلال السيد وهم من المثقفين الكبار فى سوريا ومعهم جيل ثان من كبار المثقفين العرب كجمال الأتاسي، وسامى الدروبي، وعبد الكريم زهور، وعبد الله عبد الدائم وعبد الله الريماوى ومنيف الرزاز إلا أن عفلق تميّز عنهم بمستوى فكرى جعل البعض يسميه "بفيلسوف البعث" أو "الأستاذ"... وإذا كان المؤسسون الثلاثة، ومعهم شخصية أخرى لا يمكن إنكار دورها فى التهيئة لحركة البعث وهو زكى الأرسوزى ابن لواء إسكندرون السليب، قد بدأوا عملهم الفكرى فى سوريا فإن تأثيرهم امتد على مستوى الوطن العربى بما فيه لبنان، وقد برز فيه مفكرون قوميون متأثرون بفكر عفلق وأبرزهم دون شك المفكر منح الصلح وجيل واسع من الشباب الجامعي، المثقف الذى ما زالت لبعضه إطلالات فكرية وسياسية.
 
إثر تأسيس البعث رسمياَ فى 7 إبريل 1947، جرى فى الجامعة الأمريكية فى بيروت، وإثر نكبة فلسطين (1948) تأسيس حركة القوميين العرب فى بداية الخمسينيات على يد ثلة من المثقفين الثوريين أبرزهم جورج حبش ووديع حداد وصالح شبل والحكم دروزه من فلسطين ومحسن إبراهيم وعمر فاضل من لبنان، وحامد الجبورى وباسل الكبيسى من العراق، وقد كان لقضية فلسطين حضور بارز فى أفكارهم وحركتهم، ولكن ما كان يميّزهم عن البعث هو عدم تبنيهم فى المرحلة الأولى لشعار "الاشتراكية" التى كان البعثيون يركزون عليها كواحد من "ثالوثهم" العقائدى "وحدة حرية اشتراكية.
 
لقد نشأت إلى جانب هذه الأحزاب، وفى رحمها تنظيمات عديدة، وبرز مفكرون كبار منهم الدكتور نديم البيطار من عكار فى شمال لبنان، وكلوفيس مقصود من جبل لبنان، وجبران مجدلانى من بيروت، والعشرات غيرهم، وأتخذ العديد منها منحى ناصريا، لا سيما بعد بروز الدور التاريخى لثورة 23 يوليو بقيادة جمال عبد الناصر.
 
لقد كان هناك حرص كبير بانتصار الثورة المصرية عام 1952، وخوضها لمعارك تاريخية ضد الأستعمار والصهيونية، لا سيّما فى مواجهة العدوان الثلاثى 1956 وقيام الوحدة السورية – المصرية، وخطط التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية، فكانت الحركة القومية العربية فى لبنان خصوصا، وبلاد الشام عامة، حركة تواصل وتفاعل مع ثورة يوليو وقائدها على الصعد الفكرية (كتب ومحاضرات وندوات) والنضالية (مظاهرات، ومسيرات، وتطوع فى مواجهة العدوان)، وباتت الصلة وثيقة بين فكر قومى يحمله رواد فى بلاد الشام وممارسة عملية يقوم بها جمال عبد الناصر.
لا يمكن لأحد أن ينكر أن الفكر القومى قد تراجع فى الشارع العربى بعد رحيل جمال عبد الناصر والانعطافات السياسية الخطيرة التى شهدتها السياسات والأوضاع فى مصر والدول العربية المحورية، وقد أدى هذا التراجع فى مرحلة ما إلى تقدم للفكر الماركسى ثم الدينى على يد جماعات ومفكرين نجحت فى أن تربط الهزائم التى منيت بها الأمة بالفكر القومى العربى وقادته، وعلى رأسهم القائد الخالد جمال عبد الناصر.
 
لكننا هذه الأيام، وفى ضوء ما تمر به الأمة من زلازل متفجرة، وفوضى دموية مدمرة، نتلمس تصاعد الحاجة من جديد إلى الفكر القومى الجامع بعد أن ذاقت أمتنا الأمرين من شيوع الأفكار ذات النزعات الطائفية والمذهبية، فالعروبة، وهى الهوية التى تنطوى على مشروع نهوض، وعلى فكر متصل بالعصر ومتطلباته دون أن تفقد جذورها المرتبطة بالتراث الروحى للأمة، الذى سماه حزب البعث بالرسالة الخالدة أى الإسلام. باتت اليوم هى الرد على مشاريع التطرف والغلو والتوحش والتدمير التى تعانى منها المنطقة.
 
ومثلما يشكل الفكر القومى العربى حاجة لتعميق وحدة الأمة والمجتمعات العربية فى وجه التقسيم والانقسام، والتفتيت والتشظي، فهو أيضا حاجة لتحقيق تكامل اقتصادى عربى بات واضحا أن لا تنمية مستقلة دونه، كما أنه لتحقيق أمن قومى عربى لا يمكن لأى قطر عربى أن يصون أمنه الوطنى دونه، بل إن الفكر القومى العربي، هو الأقدر على صون استقلال بلداننا وأمتنا، كما إن إقامة وحدة شعبية واسعة تضم مئات الملايين تشكل الحصن الحقيقى لأى ديمقراطية حقيقية من الصعب قيامها فى ظل كيانات صغيرة أو ميكروسكوبية (مجهرية) يستطيع حكامها بالمال والسلطة أو بالاثنين معا أن يسكتوا أى رأى آخر.
 
طبعا لا يمكن أن يستعيد الفكر القومى العربى تألقه وريادته وطليعيته إذا لم يقم بمراجعة عميقة لتجربة حاملى لوائه على مدى العقود، وإذا لم يعتمد مشروعا نهضويا عربيا واضح المعالم يجتمع حوله كل نهضويى الأمة أيّاً كانت خلفياتهم العقائدية.
 
كل فكر، وكل حركة، لا يخضعان نفسيهما للمراجعة الدائمة بهدف تطوير الإيجابيات والتخلص من السلبيات، محكوم عليهما بالزوال.
 
إن نهوض الأمة ومواجهتها لمجمل التحديات، يحتاج إلى "مشروع نهضوى عربي" يلتقى حوله كل من يؤمن به ويعلن التزامه ببنوده.. وهذا ما جرى إعداده فعلاَ عبر سنوات عشر من الندوات الكبرى والحلقات النقاشية جمعت مفكرين وممارسين من التيارات الرئيسية فى الأمة.
 
إن تطبيق هذا المشروع يحتاج إلى بناء كتلة تاريخية تضم التيارات الرئيسية فى الأمة والمؤمنة بعناصره الستة، الوحدة العربية، الديمقراطية، الاستقلال الوطنى والقومي، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية، التجدد الحضارى بغض النظر عن خلفياتها المتصارعة.
 
وقد جرى تنفيذ خطوات مهمة فى هذا الطريق عبر مؤتمرات قومية عربية، وقومية إسلامية، وعبر ندوات فكرية متواصلة، لكن الخيبات التى رافقت ما يسمى "بالربيع العربي" ومع تراجع منطق التحالف أمام منطق التفرد، أرخت بظلالها السلبية على هذه التجارب التى ما زال القيمون عليها يناضلون من أجل تجاوز ما واجهته من سلبيات.
التأكيد على التلازم بين أهداف المشروع النهضوى العربى الستة ورفض مقايضة أى هدف منها لحساب هدف آخر مع التركيز بشكل خاص على رفض فكرة الإقصاء أو الأبعاد أو الاجتثاث لأى مكوّن إثنى أو اجتماعى أو سياسى أو دينى أو مذهبى من مكونات الامة.
 
التأكيد على أهمية الربط بين الثقافة والسياسة، فالسياسة دون ثقافة تغنى مضمونها وتوجه مسيرتها، طريقها الفشل الحتمي، والثقافة دون سياسة تحدد انشغالاتها وهمومها وتحقق اتصالها بالمجتمع هى عملية ترف فكرى لا جذور له ولا آفاق.
 
التأكيد على ضرورة إعطاء المضمون الاقتصادى الاجتماعى الديمقراطى للفكر القومى حقه فى الجهد الفكرى والعملى للحركة القومية العربية، لأن حرية الوطن لا تكتمل إلا بحرية المواطن، وحرية المواطن لا تكتمل إلى إذا تحصنت بعدالة اجتماعية تحول دون إعادة إنتاج العلاقات الاقتصادية الاحتكارية التى تعانى منها مجتمعاتنا.
 
التأكيد على التجديد فى صيغ العمل القومى العربى وأطره من خلال الاستفادة من التطور الهائل فى وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث تعطى العلاقات الشبكية ما تستحقه من اهتمام فى التوعية والتعبئة والعمل المشترك، كما من خلال التركيز على التواصل على الشباب باعتبارهم "نصف الحاضر وكل المستقبل" كما قال جمال عبد الناصر.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg