مقالات



خطاب مفتوح إلى قادة الأمة العربية

20-7-2017 | 18:24
على محمد الشرفاء الحمادي

إن آمال الأمة العربية تدفعكم بكل الإخلاص، نحو البحث عن إستراتيجية شراكة حقيقية تحقق لكم المحافظة على الأمن العربى، بكل مجالاته السياسية والاقتصادية والجغرافية، ولكى تكون مرجعية واحدة يتم من خلالها التعامل مع الدول الصديقة من منطلق المصالح المشتركة، فلا طغيان طرف على طرف، ولا استغلال طرف لآخر يتحقق التوازن فى التعامل، خصوصا العلاقات التجارية التى أصبح الميزان التجارى دائما يصب فى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، دون أن تقابله وحدة موقف من أجل تحقيق توازن عادل فى الميزان التجارى بين الدول العربية والدول الصديقة. 
 
من واقع الأمانة والمسئولية القومية، وأنتم فى موقع القيادة حاملون على كاهلكم أحلام وآمال أمة، كان لها السبق فى قيادة الإنسانية على مدى قرون، وكانت تحمل مشاعل الإيمان والعلم والتقدم للعالم، واليوم ما يحدث لهذه الأمة من ظلم مستمر حين استبيحت أراضيها ودمرت مساجدها وصوامعها، واستمر الظالمون فى نهب ثرواتها فزرعوا جسما غريبا يفيض كراهية وإجراما وظلما على أرض فلسطين، شرد شعبها، واستباح مقدساتها وأبناءها فى شقاق وقيادات أمتنا العربية، فى صراع وخلاف ليس له ما يبرره، فاغتنم الطامعون فرصتهم. فإننى أخاطب فيكم إرادتكم لدرء الخطوب وأناشــد وعيكم لإصــلاح العيوب.
 
لقد تناول كثير من البيانات العربية والصحف فى مختلف الدول العربية منذ أكثر من ثلاثين عاما، مصطلحا جديدا على الساحة العربية السياسية، وهو ما يعرف باسم الأمن القومى العربي، ولا أعلم ماذا يعنى هذا الشعار، وعلى أى أساس استندت تلك المقولة، وما المقومات الموضوعية التى يمكن أن يؤسس عليها مفهوم الأمن القومى العربي، وفى رأيى المتواضع وحسب فهمى المحدود هو ما تعنيه قضية الأمن لأية مجموعة من الأقوام ومن الدول، على الرغم من اختلاف توجهاتهم أو دياناتهم أو لغاتهم، أن هناك مصلحة معينة يدركون أهميتها وآثارها على مجتمعاتهم، سواء كان ذلك من الناحية السياسية أم الاقتصادية ويستشعرون بما يمكن أن يهدد تلك المصالح، ويعلمون مدى الآثار السلبية على شعوبهم فيما لو تأثرت تلك المصلحة المشتركة والأخطار التى تترتب عليها فى جميع المجالات الحياتية، عندئذ يتجهون جميعا برؤية واحدة وعقيدة مشتركة للبحث عن منظومة أمنية يهيئون لها كل الإمكانات المتاحة لدى كل منهم، ويوفرون لها المناخ المناسب، ويجمعون كل القدرات المادية لبناء منظومة أمنية وفق إستراتيجية واحدة تحمى أمن الجميع دون استثناء، حيث إن رابط المصلحة المشتركة يفرض على تلك المنظومة العمل نحو حماية أمن دول المنظومة، لما وصلوا إليه من قناعة موضوعية بأن انهيار أى منها يهدد البقية، ويتمثل ذلك بكل الوضوح فى منظومة الحلف الأطلسي، حيث لا ينتمى عضو فيه للآخر سواء من حيث اللغة أم الثقافة أم التاريخ المشترك، بل ارتبطوا بمصلحة الأمن المشترك، بالإضافة إلى تحقيق مصالح اقتصادية مشتركة تستفيد منها شعوبهم وينتج عنها تكتل اقتصادى قادر على مواجهة العولمة.
 
وإننى أتساءل: هل هذه الصورة بكل أبعادها ووضوحها والتزاماتها موجودة على الساحة العربية؟! أريد هنا قبل أن أبدأ فى الإجابة عن السؤال أن أترك الأحداث تجيب، فهى أكثر قدرة على تأكيد الصورة، لأنها أحداث مادية حدثت فى زمن معين لا يمكن تزويره أو تبديله.
 
ومن هنا أتساءل:
ماذا يعنى مصطلح الأمن القومى العربي؟ .. هل ندرك معناه؟ .. وهل نعرف متطلباته؟.. هل نحن فعلا أمة واحدة تربطنا مصالح واضحة ومحددة؟..  هل نحن ندرك أن أى خطر يهدد أحدنا؟.. هو الخطر الذى يهدد الجميع؟..  هـل وظفنا قدراتنا الاقتصادية لخدمة مصالحنا المشتركة؟.. التى بالتالى تتطلب إيجاد منظومة أمنية تدافع عن مصالحنا المشتركة وتحمى دولنا مما يهددنا من أخطار.. هل يكفى أننا نتحدث اللغة العربية فقط، سبيلا لتكتلنا، خمسون عاما أو أكثر لم تستطع لغتنا الجميلة أن تبعث فينا العزيمة والإرادة، بل حتى لغتنا العربية بدأت تترنح تحت وطأة حركة التغيير والتطور.
 
إن القيادات العربية اليوم مدعوة إلى التفكير بعمق وموضوعية ورؤية جديدة تميز بين الشعار والعمل .. رؤية تدرك بأن الزمن أغلى شيء فى عمر الأمم، ولابد من استغلال الوقت كى لا تفوت الفرصة ويقع المحظور، فدول العالم فى سباق محموم وتنافس رهيب وصراع اقتصادى بدأ يأخذ أشكال تكتلات اقتصادية دولية وتكتلات شركات عالمية، لتكون لها القدرة على المنافسة، وعلى البقاء فى تأمين الحد الأدنى لشعوبها من عناصر الحياة والمدنية، فأين الأمة العربية من ذلك، ولديها كنوز وخيرات وثروات لم تستثمر وتوظف فى خدمة أبناء الأمة العربية؟ لذا فإن القيادات العربية يجب أن تدرك أن الأخطار تحيط بها من كل جانب، وأن وقوع إحدى الدول العربية تحت سيطرة العدوان لا يعنى أن بقية الدول العربية ستكون فى مأمن، وأن سياسة العولمة ستجر على شعوب الأمة العربية مآسى وكوارث، إذا لم يتحدد مفهوم جديد وروابط عميقة لأهمية العلاقات العربية والتزام واضح بين الدول العربية لبناء قاعدة جديدة تؤسس عليها مفاهيم جديدة أساسها العلاقات الاقتصادية لربط مصالح الشعوب العربية، لتصل عندئذ إلى الشعور بمسئولية الأمن المشترك من أجل البقاء، عندها ستدرك القيادات العربية أهمية إيجاد منظومة أمنية تحمى مصالحها، مما يهددها من قوانين وإجراءات قد تصل بعض الأحيان إلى فرض وصاية على أهم ثرواتها وهو البترول، حيث تستطيع القوة المتحكمة اقتصاديا فى العالم أن تفرض أوامرها على الدول المنتجة للبترول سعرا محددا أو تفرض مقاطعة على الدول التى لا تنصاع لقرارات أمريكا، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية على خطط التنمية وما يعقبها من مشاكل اجتماعية تؤثر على الجبهة الداخلية للدول العربية، لتكن وقفة يتم فيها تحكيم العقل والرؤية والحكمة لإعادة النظر فى مسيرة التضامن العربى الذى أصبح مجرد شعار خال من أية أسس واليات تدعم التمنيات وتحول قرارات مؤتمرات القمة إلى إجراءات عملية يكون لها نتائج مؤثرة على سير الأحداث.
 
ومن أجل الوصول إلى ذلك الهدف الإستراتيجى يتطلب ما يلي: 
أولا:  إعادة صياغة ميثاق الجامعة العربية بحيث يتضمن بكل الوضوح ما يلي:
• احترام خصوصيات كل دولة عربية فلكل منها طبيعة وثقافة وعادات على امتداد التاريخ يجرى فى عروق أبنائها جيلا بعد جيل.
• تلتزم الوسائل الإعلامية لكل الدول العربية بميثاق شرف يستهدف عدم التعريض لأية دولة شقيقة بالنقد أو بالتشهير لأى سبب من الأسباب.
(3) تلتزم الدول العربية وتؤمن بعقيدة راسخة بأن أمن أى دولة عربية هو من أمنها وكل ما يهدد أى دولة شقيقة سواء كان حصارا أم أى عمل مادى يمس أمن أى دولة يعتبر مساسا بأمن الدول العربية جميعا.
(4) تكلف القيادات العربية أمين عام الجامعة العربية باتخاذ الإجراءات التالية فورا:
أ- دعوة وزارة الدفاع ورؤساء الأركان، لإعداد إستراتيجية لإنشاء حلف دفاعى، يضع فى اعتباره المسئولية الأولى عن حماية كل قطر عربى عندما يتعرض أى منه للتهديد، على أن تعرض هذه الإستراتيجية فى أول اجتماع قمة عربى لإقرارها واعتماد الآليات التنفيذية لها وتأمين الالتزامات المالية.
 
ب- تكليف وزراء الخارجية لتقييم العلاقات العربية مع الولايات المتحدة الأمريكية على أساس مواقفها من مصالح الأمة العربية، وكيفية وضع أسس مشتركة تجعل الولايات المتحدة تحترم إرادة الأمة العربية وحقوقها، على أساس المعامـلة بالمثـل، واتخاذ ما يتطلب من وسائل لبناء علاقة متوازنة تحترم كل الأطراف حقوق الطرف الآخر.
 
ج - دعوة وزراء الاقتصاد والمالية والنفط، لإعداد خطة اقتصادية لبناء علاقة إستراتيجية مع أوروبا، وصولا بها إلى خلق شركات عملاقة مشتركة يتحقق بها مردود اقتصادى لصالح أوروبا والعالم العربى، وأن العلاقات التاريخية بين العالم العربى وأوروبا، وقربها الجغرافى من الوطن العربى، يحتمان علينا إعادة النظر فى تعميق العلاقات الاقتصادية، لتكون أوروبا الشريك الإستراتيجى للعالم العربى فى القرن الواحد والعشرين.
 
د - إن انهيار الاتحاد السوفيتى ترتب عليه تأثير خطير فى الموازين الدولية، مما أدى إلى تحكم القطب الواحد، ومن يتحكم فى إدارته كالعدو الصهيونى الذى يرضع كل يوم من تعاليم التلمود، ليوظف العالم كله فى خدمة مصالحه وتحقيق أهدافه ولكم وقوف الاتحاد السوفيتى مواقف تدعم الحق العربى وتساعده أيضا فى تأمين احتياجاته من السلاح، فلقد كان الصديق عند الشدة، واليوم فإن روسيا الاتحادية تنظر بكل الترحاب إلى الاستثمارات العربية، وما يمكن أن يؤدى تزاوج القدرات المالية العربية والإمكانات العلمية فى روسيا من تحقيق مصالح مشتركة، كما تضيف للأمة العربية رصيدا قويا يعينها فى أوقات الضرورة.
 
تلك أمنيات وخواطر صادقة مخلصة علها تصل إلى عقول أذن الله لها أن تعى ما يخبئه لنا المستقبل، وقلوب تستوعب مشاعر أبناء الشعب العربى وتتعايش معهم، ودعائى للبارئ أن تدرك قيادات الأمة العربية بأن الزمن ليس فى صالحنا، وأن النيات العدوانية المبيتة تم تنفيذها وفق مخططات تعتمد أساسا على التشتيت العربى، وعلى صراع الدول العربية بين بعضها على أدوارها، شبه إقليمية كانت أم دولية وقدرات مالية مكدسة فى وول ستريت، فى نيويورك أكبر مركز مالى عالمى للصهاينة، وقرارات عربية مضى عليها أكثر من خمسين عاما تنتظر التنفيذ، وكان الله فى عون أمتنا.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg