مقالات



صراع الهويات أضر بالعالم العربى

22-7-2017 | 20:08
توفيق شومان

 
الإسلاميون والقوميون جاهدوا لتحديد مفهوم «الأمة» !!
 
هيكل والحافظ حددا الانطلاقة الجديدة للإسلاميين بعد حرب 1967.. ومحفوظ يرى أن الطائفية عادت بعد ثورة 1952
 
أعادت السنوات العجاف الضاربة في عمق العالم العربي وعرضه منذ العام 2011، إشكالية العلاقة بين القوميين العرب والإسلاميين، إلى واجهة الأسئلة الباحثة عن إجابات طموح، تفترض حلولا لتعقيدات العلاقة بين الطرفين، التي تناهز حديتها وخصومتها ودمويتها، ما يتجاوز القرن، وبالتحديد منذ تاه العرب في طرق البحث عن الذات والهوية، قبيل هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وإذا كان سقوط السلطنة مدويا بعد الحرب المذكورة، فإن سؤال “الأنا” بدأ يشق طريقه المتعرج والمعقد، ليحل مكان إجابة “الأنا” العثمانية التي شكلت الهوية الجامعة لشعوب السلطنة منذ معركة مرج دابق في العام 1516.
 
مع كل احتفاء بالذكرى السنوية لثورة يوليو 1952، التي قادها الرئيس جمال عبد الناصر، تعيد الأسئلة إياها، فرض وجودها وذاتها  في فضاء قلق، مستحضرة معها مناخات الصراعات التي طبعت العلاقات بين القوميين والإسلاميين، منذ انفتاحهم على سؤال “الأنا” ما بعد العثمانية، وعلى ما يُظهر  واقع الحال،  أن  هذا السؤال ما زال مطروحا بحدته وسخونته، وترافقه أسئلة متولدة من تعقيداته على شاكلة: هل يمكن التوفيق بين التيارين؟ أم أنه من العسر التقاء الساكنين كما يقال في قواعد اللغة؟
 
مثلما اختلف القوميون العرب حول مفهوم الأمة حتى على جغرافيتها، ثم تنازعوا حول القطرية وحدودها، فشل الإسلاميون في تحديد مفهوم الأمة، فالقرآن  الكريم  لم  يقيد معنى الأمة  بمحدد مفهومي واحد، فمفردة  الأمة في القرآن الكريم وردت عشرات المرات، وكل مفردة منها تأخذ معناها من الآية  الواردة فيها، كقوله تعالى “إن إبراهيم كان أمة”  أو “ووجد عليه أمة من الناس يسقون” ، أو “إن هذه أمتكم أمة واحدة”، مما عنى  استصعاب التأويل  وعسره في توحيد المعنى وإسقاطه على مفهوم الأمة بمعناها المعاصر، ولذلك استمسك الإسلاميون بالتاريخ فتأرجحوا حول ما كانت عليه الدولة الأموية، ثم العباسية، وصولا إلى العثمانية، من دون الإدراك أن تلك التجارب البشرية ـ السياسية هي وليدة  العصور السياسية الإمبراطورية، مثلما كان ماضي الإمبراطوريات الرومانية أو الفارسية أو الإغريقية التي سبقت الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة، أو الإنجليزية والفرنسية التي  أعقبتها.
 
تلك إشكالية أولى، في قائمة الجدران المرتفعة والفاصلة بين القوميين والإسلاميين، ناتجة بصورة أساسية عن رغبة ظنية وغير واقعية لدى الإسلاميين  باستدعاء  الماضي،  غير مدركين أن الأفكار التي شيدت الماضي، لو كانت صالحة لاستمر الماضي واقعا ولم يتحول إلى تاريخ.
 
الإشكالية الثانية تكمن في النماذج السلبية التي استمزجها القوميون في السلطة والحكم، وعكفوا على ممارستها لعقود، إذ لم يتبوأ فريق قومي، مقاليد السلطة إلا عن طريق القوة، مما جعل هواجس الثورات المضادة تحتل أولوية القوميين، فأفرطوا في الأمن حتى أسقطوه، فحل الرعب مكانه، وأكثر من ذلك، فإن انتشار مظاهر التدين المتطرف  وانتعاش  النزعات  العشائرية والقبلية في الأقطار التي انتهجت النماذج القومية على أنواعها، تستحق التأمل والتألم، فالنظر إلى  الأوضاع الحالية في ليبيا وسوريا والعراق، وإلى حدود أقل في مصر، تستدعي مساءلة الحقبة القومية عن الحصاد المر لعقود من سلطاتها، وعن الأسباب التي أعادت إنتاج “العربي القديم” ، على خلاف “العربي الجديد” الذي وعد القوميون بإنتاجه، وعلى الأغلب أن المفكر ياسين الحافظ، كان سباقا في الإجابة عن ذلك، في كتابه “الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة” حين لاحظ كيفية إعادة استنبات الطائفية والعشائرية في المناهج التربوية والثقافية  في “الأقطار التقدمية”، وهذا ما ينسحب على الممارسة السياسية، حيث راح قوميو  السلطة إلى عقد تحالفات مع رؤوس القبائل والعشائر  على ما جرت الوقائع  والحقائق في ليبيا والعراق، وإذا كان ياسين الحافظ ومعه محمد حسنين هيكل، ذهبا إلى  تحديد ميلاد الإنطلاقة الجديدة للإسلاميين بعد حرب يونيو، حزيران 1967 فإن نجيب محفوظ يعود إلى ما قبل ذلك بكثير، إذ يرى أن الطائفية عادت بعد ثورة 1952، لأن قبطيا واحدا لم يكن من بين الضباط الأحرار، وذاك مما يخيف الأقليات، ولا يبتعد لويس عوض عن ذلك حين يتحدث عن شائعات سرت في العام 1965 ، “حول وجود حركة نشطة لكسب المسيحيين إلى الإسلام برعاية حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية ، المعروف بتدينه”، وكان الرئيس عبد الناصر قد اتهم حزب “البعث”  السوري  بالطائفية بعد  انفصال سوريا عن “الجمهورية العربية المتحدة” في العام 1961.
 
خلاصة المعنى هنا، أن تجارب السلطات القومية العربية، أسهمت في إعادة إحياء الأنماط التقليدية للمجتمعات العربية القائمة على ثنائية الفقه الديني الموروث والقبيلة الموروثة، من دون إيلاء الاهتمام لتطوير الفقه وتحديث التقاليد والعادات الاجتماعية، والدفع نحو إخراج الأجيال الجديدة من الولاءات الفرعية إلى الولاءات الجامعة، وهي السقطة التاريخية نفسها، التي يمعن الإسلاميون في المراوحة عليها، إذ يعج خطابهم بأثقال الفقه المتوارث، من جهة، وباستنصار القبيلة أو العشيرة إذا ما اقتربت الصعاب منهم أو طالتهم الأخطار، وبهذا المعنى، فإن الطائفية أو العشائرية، تشكلان “الولاء الاحتياطي المضمر” لدى القوميين والإسلاميين، يخرجانه إلى حيز العمل والممارسة، حين تعصف بهم الأقدار، أو حين يبتغون تجنيد المريدين، وهذا ما فعله الرئيس صدام حسين في العام 1991، عقب حرب تحرير الكويت، حين خط بيده على العلم العراقي عبارة “الله أكبر”، بينما العقيد معمر القذافي، خلع على نفسه صفة “إمام المسلمين” في قمة جامعة الدول العربية المنعقدة في الدوحة في العام 2009 .
 
وأما وجه الشبه الآخر، فيكمن في انعدام القدرة على إدارة التنوع والركون إلى العقلية النزاعية والخصومية، الأمر الذي يؤدي حكما إلى شيوع العداء، فيعمد القوميون إلى «التخوين» ، ويلجأ الإسلاميون إلى «التكفير»، حتى داخل أصنافهم وأجناسهم وأحزابهم، فحروب  الناصريين والبعثيين لا تحتاج إلى شواهد، ونوازل البعثيين  بالبعثيين، عراقيين وسوريين، غنية عن التعريف والإحاطة، وعلى المساحة الصراعية ذاتها يقف الإسلاميون، فأبو الأعلى المودودي يرى “أن المطالبة بالحكومة الإسلامية والدستور الإسلامي، تنبع من الشعور الأكيد بأن المسلم إذا لم يتبع قانون الله، كان ادعاؤه  الإسلام باطلا لا معنى له” كما يؤكد في كتابه “الحكومة الإسلامية».
 
من هذه الزاوية بالتحديد، يمكن فتح نوافذ المراجعة التاريخية، لهذا الطرف أو ذاك، فالأمة، كما ذهب إلى تعريفها الفكر السياسي الأوروبي في القرن التاسع عشر، واستنسخها المفكرون العرب، وفق معادلة الجنس والصفاء القومي، ثبتت عطالتها، وثبتت عطالة أسبقية القومية على الدولة، فالراجح في الفكر السياسي الحديث أسبقية الدولة، وهي الصانعة للأمة وليس نقيض ذلك، كما أن النماذج الأمريكية والكندية والإنجليزية والهندية  والأسترالية، فضلا عن نماذج أمريكا اللاتينية، وكلها متعددة القوميات والأديان، أفلحت في بلورة مفهوم “الأمة النفعية” التي تضبط جماعاتها معادلة المصالح المشتركة وأحكام القانون.
 
إن السؤال المطروح بعد كل ذلك، هل يمكن إلقاء التحية بين القوميين والإسلاميين؟ ربما بالإمكان أن يحصل بين الطرفين أكثر من إلقاء التحية، لو ذهب القوميون إلى حسم القناعة بالديمقراطية، ولو ذهب الإسلاميون إلى حسم قناعتهم بالديمقراطية والهوية الوطنية، ولعل الرئيس جمال عبد الناصر أول من سعى إلى الإجابة  العملية عن هذا السؤال، حين قرر مجلس قيادة “الضباط الأحرار” إعطاء وزارتين لجماعة الإخوان المسلمين، كما يقول عبد اللطيف البغدادي في مذكراته، فعين أحمد الباقوري وزيرا للأوقاف، وأحمد حسني وزيرا للعدل، فإن الجماعة عارضت وطالبت بأربع وزارات، ثم عملت على فصل الباقوري من مكتب الإرشاد، فليتهم لم يعارضوا.. وليتهم لم يفصلوا الباقورى.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg