المجلة



المعلم والمنهج كلمة السر.. خبراء يوضحون لـ«الأهرام العربي» الأساليب الحديثة لرفع جودة التعليم فى مصر

31-7-2017 | 01:29
صلاح غراب

 
د. محمود كامل الناقة: تفعيل الوسائل التكنولوجية من رياض الأطفال وحتى الجامعة
 
د. شيرين صلاح: كثافة الفصول وغياب التدريب في المعامل والاعتماد على الملازم أهم السلبيات 
 
ما زالت أصداء صدمة المجتمع بعد إعلان خروج مصر من التصنيف العالمي لجودة التعليم، وفقا لما أعلنته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تلقي بظلالها على كل المناقشات حول مستقبل مصر الذي تشكل العملية التعليمية محور الارتكاز الرئيسي فيه، حيث أسفرت النتيجة عن خروج مصر من القائمة نهائيا، بعد ما كانت في المركز قبل الأخير عالميا.
وهو ما ينفيه أو ينكره وزير التربية والتعليم الحالي، حيث قال «نتفق أو نختلف مع تلك التصنيفات، لكن في النهاية المنتج المعرفي الذي نخرجه أعتقد أنه لا يرضى طموحاتنا، ولا أحلامنا، وهو دون المستوى المطلوب».
 
من خلال تلك السطور نحاول معرفة آراء الخبراء ومقترحاتهم كى يستعيد التعليم المصري هيبته.
 
فى البداية، يقول الدكتور محمود كامل الناقة، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية بجامعة عين شمس، رئيس الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس، لو طبقت مقاييس الجودة على التعليم المصري الآن كما كانت في الستينيات، لتصدرنا القائمة، حيث كانت الأعداد المقبلة على التعليم من الطلاب، في ذلك الوقت، أقل، وكان المعلم يقظ الضمير، وكانت المدرسة مليئة بالأنشطة، مؤكدا أن حال التعليم في مصر لن تنصلح إلا بتغيير جذرى، لا مجرد تحسين أو تطوير، فثوب التعليم مهلهل، ونحتاج إلى ثوب جديد، وهذا يتطلب أن يتكاتف جميع خبراء التعليم، والاقتصاد، والسياسة، والاجتماع للبدء في خطوات عملية لبناء نظام تعليمي يتأسس على  فكرة المواطنة التي تكفل لكل مواطن تعليما راقيا.
 
ويقترح الدكتور الناقة عدة أمور لإصلاح حال التعليم، منها استبدال المناهج التقليدية بمناهج عصرية قيمة تعتمد على وسائل التكنولوجيا التي يجب تفعيلها بداية من رياض الأطفال، وانتهاء بمرحلة الثانوية العامة. 
 
الأمر الثاني يختص بإعداد المعلم، فهو أخطر شخصية في منظومة بناء البشر، كما أنه العمود الفقري لبناء دولة عصرية. الأمر الثالث الإمكانات التي تتمثل في المباني المدرسية، والفصول الدراسية، والمعامل، والمختبرات العلمية، والتعليم الإلكتروني. والبيئة المدرسية النشطة، وبرامج التطبيق الفعلي للعملية التعليمية، ثم يأتي دور القيادات التربوية، ومحاولة إشراكها في أساليب وأشكال التخطيط التعليمية، ومتابعة التنفيذ، وتطوير المناهج العلمية، وتحسين أداء المعلمين. الأمر الرابع الحلقة التمويلية، أو الموارد الاقتصادية اللازمة لعملية التطوير. الأمر الأخير ضرورة أن يكون لدينا مجلس أعلى للتعليم ما قبل الجامعي، يشكل على أسس علمية من إعلاميين، واجتماعيين، وفلاسفة، واقتصاديين، وخبراء، وتكون وظيفتهم، تطوير التعليم، ووضع خطة للإنقاذ السريع. ويساند هذا المجلس ويحاسبه المجلس النيابي والتشريعي، والذي لا يقوم بواجبه يستقيل، ونعطيه الوقت الكافي للتخطيط. 
 
القوة الناعمة
 
يتفق مع الرأي السابق الدكتور جمال الدهشان، أستاذ أصول التربية، عميد كلية التربية بجامعة المنوفية، مضيفا أن المدارس والمؤسسات التعليمية بكل أنواعها ومراحلها تحولت إلى مجرد دور للالتقاء الاجتماعي والتجاري، وعقد الاتفاقات على الدروس الخصوصية بين المدرسين، والطلبة، أو أولياء أمورهم، إضافة إلى فقدان الأمان الوظيفي لدى المدرس، وهو ما انعكس بالقطع على سلوكياته التعليمية، فبدا مهتزا مثيرا للرثاء، الأمر الذى حول التعليم من منتج له مردود أخلاقي واجتماعي بنّاء إلى سلعة تباع وتشترى، تصلح معها الفلسفة السوقية المصرية التي تلخصها لفظة «الفهلوة»، مما فاقم من ظاهرة الغش، وأوجد خريجي جامعات لم ينالوا حتى الحد الأدنى من مقومات التعليم لدرجة الجهل بالقراءة والكتابة، لاسيما من خريجي الكليات الأدبية.
 
وللخروج من تلك الأزمة، ووضع التعليم المصرى فى المكانة اللائقة به، يقترح الدكتور الدهشان مجموعة من الحلول، منها الإيمان المطلق سياسيا ومجتمعيا بأن التعليم هو مشروع الأمن القومى المصرى بحسبانه إحدى ركائز القوة الناعمة للمجتمع،  ولا يقل عن ذلك فى الأهمية عن الأمن الخارجى أو الأمن الداخلى ووضع فلسفة ورؤية وأهداف للتعليم فى مصر تتسم بالثبات، والمرونة، والتوافق مع متغيرات العصر وتحدياته، وضرورة الربط الدائم بين مخرجات النظام التعليمي واحتياجات سوق العمل، والتركيز على إعداد الطالب لمواجهة متطلبات سوق العمل، من خلال التعليم الريادى، وحضانات الأعمال، وإعادة النظر فى طرق التدريس والتقويم، بما يجعلها لا تركز فقط على جانب الحفظ والتلقين، وإنما تمتد إلى تنمية وقياس جوانب التعلم المختلفة المعرفية، والوجدانية، والمهارية.
 
الإبداع لا درجة النجاح
 
وتضيف الدكتور سرية صدقى، أستاذ المناهج وطرق تدريس التربية الفنية بكلية التربية الفنية بجامعة حلوان، إلى أسباب خروج مصر من التصنيف العالمى للتعليم، أن نظام التعليم لا يولى أدنى اهتمام بقيمة مهمة هي ثقافة العمل والاتصال غير اللفظي والمفاهيم العليا، والعمل الجماعي، حيث تكرس المدرسة والأسرة للحفظ والنجاح، والحصول على مجموع، وهو هدف قصير المدى، دون التدريب على مهارات العمل التطبيقية والاقتصادية، ومن ثم تم تهميش مقررات تدريس الفنون الإبداعية وتطبيقاتها العملية، التي كانت توفر المتعة بالعمل والتعبير الحر، والاكتشاف، والإبداع، والإنتاج والقدرة على العمل في فريق، حيث كان التلاميذ ينتجون أعمالا فنية، ويمثلون، ويلقون الأشعار، ويعزفون على الآلات، ويغنون فرادى ومجموعات، وكانوا يواجهون الجمهور، ويتفاعلون معه، فيكتسبون الثقة، والاعتداد بالذات، وحب العمل.
 
وتشير إلى أن تجاهل المهارات الإبداعية ومتعة العمل، يجعل التلاميذ بعد التخرج من الجامعة غير مؤهلين لمعترك البحث عن العمل، وإثبات الكفاءة المؤهلة لهم.
وتوضح أن الممارسات التقليدية للتعليم المصرى في حاجة حاسمة إلى تطور انقلابي، لا يعتمد فقط، كما يشاع على ميزانيات التعليم المتدنية، والإمكانات الفقيرة مع وجاهتها. فالتعليم عمل عقلي ذهني عملي، و مسئولية التعامل معه تتطلب إعدادا خاصا متقدما للمعلمين، وأصحاب القرارات في هذا الشأن، تشاركهم بالضرورة عناصر أخرى فاعلة في المجتمع حريصة على تقدمه عن حق اقتناع وإرادة.
 
وتقول الدكتورة شيرين صلاح عبد الحكيم أحمد، أستاذ المناهج وطرق تدريس الرياضيات بكلية البنات بجامعة عين شمس، مدارسنا تعانى من الكثافة الطلابية بالفصول،  مما يصعب معه تنفيذ الأنشطة المختلفة، والافتقار إلى التدريبات العملية في المعامل،وانتشار ظاهرة الكتب الخارجية والملازم والمذكرات التي تدرب الطالب الإجابة على أسئلة امتحانات بطريقة آلية روتينية بعيدة كل البعد عن إعمال العقل والتفكير بأنواعه، علاوة على عدم قدرة المعلمين على مواكبة متغيرات العصر ، مما يستدعي ضرورة تطوير كليات التربية بما يساعد على إعداد معلم قادر على التعامل مع تحديات الواقع وتطلعات المستقبل.
 
تستيف أوراق
 
ويشير الدكتور صلاح الدين عرفة، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية بجامعة حلوان، إلى أننا لم نلتزم بالمعايير الدولية في البيئة التعليمية، وتصميم المنهج الدراسي الذي يبحث عماذا ندرس، وليس لماذا ندرس، فضلا عن إهمال المعلم، والنظر إليه ليس كموضع إجلال، ولكن بريبة وشك، علاوة على تجاهل تنميته المهنية.
 
ويضيف أنه إلى جانب كل ذلك، لا تعد اختبارات الطلاب المصريين في مستوى من الاختبارات الدولية التي يعتد بها في التصنيف العالمي والجودة في التعليم. بالإضافة إلى ذلك، فالجودة في التعليم المصري ليست أكثر من «تستيف» الأوراق، بينما في الدول الراقية تهتم بالأداء المدرسي، والبيئة، والعملية التعليمية، والبرامج المدرسية.
 
الدكتور محمد حسن جمعة، أستاذ أصول التربية المساعد بكلية التربية بجامعة دمياط، يرى أن التعليم المصري قبل الجامعي  لن يحلق في سماء الجودة، إلا من خلال رؤية إستراتيجية جيدة تقوم على عناصر مهمة، أهمها: التخطيط الإستراتيجي  الجيد المحدد بالزمن للمهام والمسئوليات وآليات التنفيذ، والانتقال بالجودة من إطار الممارسات النظرية الوهمية إلى واقع عملى ممارس ملموس، وتفعيل المحاسبة والمساءلة المستمرة لجميع مؤسسات التعليم قبل الجامعى فى إطار الشفافية والعدالة، وتحفيز هذه المدارس بالمكافآت والميزات الأخرى التى تؤهلها وتدعمها للسعى الجاد نحو الجودة والاعتماد، وبناء آلية جديدة للتدريب المقنن الممنهج الذى يعتمد على كوادر مؤهلة مدربة وفق أسس ومعايير عالمية للتدريب، كى تقود قادرة التنمية البشرية بعيدا عن فوضى المدربين حاليا فى التعليم المصرى الذين يرون الأمر سبوبة و»شو» ليس إلا، وربط التعليم بسوق العمل .
 
تطويركليات التربية
 
من جانبها، توضح الدكتورة نهلة جمال محمد، أمين مركز تعليم الكبار بجامعة عين شمس، أن تدفق المشكلات المجتمعية من تطرف فكرى، وإرهاب، وانحسار للموارد المادية، وارتفاع معدلات الفقر، وضعف للبنية الثقافية، والاختراق القيمي، كل ذلك ألقى بظلاله على حالة مؤسساتنا التعليمية التي تعد لسان حال المجتمع. بالإضافة إلى قصور إداري صريح في احتواء ومعالجة الأزمات، مما جعل اختياراتنا تميل نحو الأقل تكلفة، والأقصر زمنا، بغض النظر عن مردودها الفعلي ، ومنها نهج تعليم التلميذ الذي يهيمن المعلم عليه، ويركز على استدعاء المعلومات بدلا من التفكير الإبداعي الابتكاري.
 
وترى الدكتورة نهلة جمال أن محاولة العلاج لهذه المشكلات تتطلب رفع جودة التعليم الأساسي، بالتوازي مع جهود الحد من مشكلة الأمية عبر آليات متعددة منها: تصميم دليل شخصي لكل معلم وفق تخصصه يشمل المؤهلات السابقة، وتحليل أداء واحتياجات المعلم وفق إطار خطة المادة، وتصميم الخطط التدريبية بناء على هذه الأدلة في إطار الاتجاهات الحديثة للتدريب، وبناء خطة التدريب وفق نظرية تكاملية لبناء القدرات المعرفية العامة، والتثقيفية، والمهارات التربوية، والحياتية، من خلال التنسيق بين مختلف مؤسسات التدريب والتعليم، وعدم اقتصارها على الجوانب التعليمية والإدارية، وتطوير دور كليات التربية في إعداد المعلم وتدريبه، وأن يتم اختيار المعلم وفق اختبارات ومقاييس نوعية، ويتم التعاقد معه بنظام سنوي يتم التجديد له وفقا لتقارير أدائه وإنجازه ومدى تنميته لذاته عبر صقل قدراته بالخبرات التدريبية والتعليمية المعتمدة. 
 
وتضيف إلى ما سبق تصميم برامج قياس الأثر للتدريب توضح انعكاس التدريب على واقع الأداء بالمدرسة المصرية، وعلى تنمية المعلم واتجاهه للتعلم الذاتي المستمر، وصياغة وحدات مشتركة بين المناهج العلمية والأدبية تعمل على الربط بين مهارات التفكير، والبحث، واكتساب المعارف، وربط المهارات المعرفية والمعلومات بأمثلة تطبيقية وتحليلية واقعية من البيئة المحيطة، وتأكيد قيم الانتماء، والتسامح، والتذوق الجمالي في كل المناهج من خلال إدماجها بالمحتوى الدراسي، والتنوع بين الأنشطة الصفية واللاصفية، وفق خطة محددة لكل وحدة بالمنهج، على أن يتم تصميمها بمرونة وفق خصائص البيئة المحلية، وتتيح مساحة لإبداع المعلم، مع تخصيص نسبة للتكليفات البحثية دعما لفلسفة التعلم الذاتي مدى الحياة، وإضافة محتوى تثقيفي عن البرمجة والتفاعل على المواقع الافتراضية وأخلاقياته لبناء جيل صانع للبرمجة مستقبلا.
 
وتطالب بتمكين الإدارة الذاتية للمدارس والتمكين الإداري للعاملين بها لتحقيق الإبداع التنظيمي لها، وتيسير العملية التعليمية، وانطلاق جهود محو الأمية من فلسفة تنمية الذات، وعدم اقتصارها على محو الأمية الهجائية، عبر برامج متكاملة تقدمها الجامعات بمراكز تعليم الكبار وخدمة المجتمع بها، مع التنسيق مع منظمات المجتمع المدنى، والتشبيك بينها في مشروعات دمج هؤلاء الدارسين ببرامج تنموية واقتصادية لهم، بالإضافة إلى انتقال الخدمات للمناطق الأكثر احتياجا عبر مشروع تنموي لمهارات جودة الحياة، بالتعاون مع مختلف مؤسسات المجتمع الرسمية وغير الرسمية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg