الملفات



بعد «صفر» الجودة.. التعليم فى مصر إلى أين؟ «ملف خاص»

31-7-2017 | 01:25
سهير عبد الحميد

لا أعرف إن كنا نحن أبناء جيل السبعينيات أكثر حظا لأننا لحقنا بآخر عربة في قطار التعليم كمنظومة حقيقية تبنى الإنسان. أم أننا أسوأ حظا لأننا أضحينا نتحسر على تلك المنظومة ، ونحن نعانى الأمرين مع أبنائنا كي ينالوا بعض ما نلناه في زمن كانت فلسفته أن التعليم كالماء والهواء.
 
زمن كان للمدرس هيبته ومكانته المستمدة من اقتداره مهنيا ومن إحساسه بقيمته ومكانته ومن إيماننا بأن المعلم كاد أن يكون رسولا.كانت أجسادنا تقشعر ونحن نسمع أبيات شوقي «قم للمعلم وفه التبجيلا».. لم يكن من الممكن أن نسمع أن طالبا اعتدى على معلمه أو أن معلما ضرب تلميذا فتسبب له في عاهة بدنية أو نفسية.. لم يكن المعلم يقرأ من كتاب ويردد على مسامعنا كلمات جوفاء .بل كان يشرح لنا ما وقر فى ذهنه وجدانه ، وهو يتفحصنا ليتأكد أننا نستوعب ما يقول.
 
ما زلت أتذكر أنني تعلمت لأول مرة معنى كلمة «وثيقة» وأهميتها وأنا في الصف الثالث الثانوي على يد أستاذ التاريخ محمد رشاد ، وهو يروى لنا كيف استعادت مصر أرض طابا عن طريق التحكيم الدولي.. ولا أستطيع أن أنسي تلك الطريقة الساحرة التي قرأ لنا بها مدرس اللغة العربية رواية «غادة رشيد» لعلى الجارم ونحن في المرحلة الإعدادية، حتى إن سطورها ما زالت محفورة فى مخيلتي.
 
زمن كانت المدرسة واحة وباحة نحلق من خلالها إلى عنان السماء ونحن نتعلم كل يوم شيئا جديدا.. نقرأ فتتفتح مسام عقولنا ونتطلع إلى الغد حين نترك أسوار المدرسة ليمارس كل منا دوره في الحياة الذي طالما تقمصه فى الفصل حين كان يدور النقاش عن أمل كل منا فى المستقبل وتصوره عن ذاته.
 
زمن كنا نلهو فيه ونتعلم في آن واحد.. كنا نرى  الدروس الخصوصية عيبا وعلامة على الفشل.. كانت الهوايات مقدسة ما بين حصة الزراعة والموسيقى والتدبير المنزلي وحصة الألعاب.. كنا نتبارى من أجل المسابقات الدورية بين المدارس على مستوى الإدارات التعليمية.. كانت غرفة الموسيقى بمثابة عالم سحري ننتظر موعد دخوله أسبوعيا.. ثم يأخذنا الشغف إلى حصة الزراعة لنرى تلك البذور الصغيرة وقد أنبتت نباتا طيبا.. كنا نعود إلى منازلنا فرحين برسمة جديدة تعلمناها أو بما أتقناه من أعمال الإبرة أو الكروشيه أو الحفر على الخشب.
ما الذي جرى ولماذا حدثت تلك الفجوة الواقعية برغم عدم وجود هوة زمنية كبيرة! 
 
ليست تلك السطور مجرد رغبة في البكاء على اللبن المسكوب أو بكائية ومرثية على أحوال التعليم المصري وليست محاولة للتنظير. لكنها محاولة للإجابة عن العديد من الأسئلة  التي تبدأ من : «لماذا» حصلنا على صفر الجودة وتنتهي بالإجابة عن السؤال الأهم «كيف» نعود إلى قائمة التصنيف العالمي لجودة التعليم حتى نستطيع أن نتصدرها يوما؟
 
وستكون نقطة انطلاقنا من كون التعليم قضية أمن قومي وعلينا أن نؤمن بذلك  وعلى الدولة أن تهيىء من أجلها كل ما يمكن وكل ما يتاح لأنها الأمل في مصر الجديدة. وكل الدول التى أرادت بناء نهضتها الحديثة اهتمت بالتعليم بدءا من محمد على ونهاية بمهاتير محمد. كانت الجودة العنوان العريض الذي اهتمت به الدول التي حققت طفرة في التعليم سواء فى المنهج أم المعلم أم المكان الذي تتم فيه العملية التعليمية ..هذا ما فعلته فنلندا واليابان وسنغافورة فحققت نظم التعليم بها أعلى مؤشرات الجودة.
 
وكان الاهتمام باستخدام الوسائط التكنولوجية وسيلة النهوض بالتعليم كما حدث في ماليزيا وفى الإمارات.
 
وجاء تصميم المناهج فى سنغافورة ليجعل طلابها يتفوقون فى الرياضيات على كل طلاب العالم مما دفع أمريكا لدراسة التجربة.
 
وفى فنلندا اهتموا بمنح الطلاب وقتا أطول للاستكشاف خارج أسوار المدرسة فى رحلات تعليمية ومن خلال أنشطة تكتشف المهارات.
 
أما اليابان فحققت شعار «التربية والتعليم» حين صبت اهتمامها على تعليم الطفل القيم الأساسية في مراحل عمره المبكرة.
 
هي إذن الجودة كمنظومة متكاملة تهتم بالفلسفة والإنسان والوسيلة.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg