المجلة



وكر التطرف فى القارة البيضاء.. كيف أصبحت «بلجيكا» القاعدة الخلفية لتنظيم داعش الإرهابي فى أوروبا؟

5-8-2017 | 02:50
عرض ـ مروان سطان

أرسلت العام الماضى 614 إرهابياً إلى سوريا والعراق بينهم 104 إناث
 
وجود بيئة إيجابية للمعارضة فى سوريا وراء سفر الشباب إلى هناك
 
 إذا كانت العمليات الإرهابية في أوروبا قد فجرت الكثير من الأسئلة، في الدول العربية والإسلامية، عن أسباب جنوح شبان مسلمين أوروبيين نحو التطرف، فإنها لا تزال تسبب صدمة عنيفة وعميقة في المجتمعات الأوروبية.
 
هذه الصدمة أعنف وأعمق في بلجيكا، التي باتت توصف بأنها باتت وكرا للتطرف ومفرخة للمتطرفين في أوروبا، خصوصا خلال السنوات الأخيرة.
 
خلال هذه السنوات، ظل نور الدين فريضي، مدير مكتب قناة «العربية» السعودية، في العاصمة البلجيكية بروكسل، يجمع الأدلة والشواهد والشهادات لتفسير أسباب الصدمة وكيفية التعامل معها، ثمأصدرها في كتاب سماه: «طريق مولنبيك الرقة: بلجيكا قاعدة داعش الخلفية».
 
ففي ضاحية مولنبيك، القريبة من وسط بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي، عاش عدد من المشاركين في عمليات إرهابية مروعة في فرنسا وبلجيكا.. ولذلك، فإن وسائل إعلام أوروبية وصفتها بأنها «تورا بورا»، ملاذ تنظيم القاعدة الجبلي في أفغانستان، و»الرقة» ، معقل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، في سوريا.
 
الكتاب محاولة جادة مفيدة للغاية للإجابة عن أسئلة كثيرة فى أوروبا وخصوصا بلجيكا: لماذا فعل هؤلاء المسلمون ذلك بنا؟ فيم أخطأنا؟ من المسئول؟ وما الحل؟
 
يقول فريضى: "واقع ضاحية مولنبيك يختزل مكونات الأزمة التى تطال عددا من المدن فى بلجيكا وتجسدت خلال سفر المئات من المقاتلين إلى سوريا".
 
فبلجيكا هى صاحبة "أعلى نسبة من المقاتلين مقارنة مع عدد سكانها (10 ملايين) ضمن الدول الأوروبية".
 
وينقل عن مركز الأزمات وتحليل المخاطر، وهو الجهة الرسمية البلجيكية التى تتجمع لديها بيانات هؤلاء المقاتلين، قوله إن هؤلاء المقاتلين "بلغ أواخر 2016 نحو 614 مقاتلا." ويشير المركز نفسه إلى أن من بين هؤلاء "104 من الإناث".
 
ويُعتقد بأن 30 فى المائة من هؤلاء عادوا من القتال فى سوريا والعراق.
لم يكن توافد المقاتلين البلجيكيين على هذين البلدين سوى الموجة الرابعة.
أما الموجات الثلاث الأولى، حسب الكتاب، فهي: مرحلة الجهاد الأفغانى التى دعمتها دول عربية ثرية وإسلامية وأوروبية، فضلا عن أمريكا، لإخراج السوفييت الملحدين من أفغانستان. 
وبدأت المرحلة الثانية بعد عودة هؤلاء من "الجهاد" فى أفغانستان، واستخدم أسامة بن لادن بعضهم فى تنفيذ هجمات سبتمبر 2001 فى نيويورك وواشنطن. وكان الغزو الأمريكى للعراق عام 2003 بداية المرحلة الثالثة.
 
ويشير الكتاب إلى أن الموجة الثالثة "تميزت بارتفاع نسبة المقاتلين الأوروبيين من أصول مهاجرة من الذين ولدوا وترعرعوا فى أوروبا. ويختلفون عن مقاتلى الموجة الأولى فى أفغانستان، فى أن المقاتلين الأوروبيين فى العراق ينحدرون من أوساط شعبية تسكن الأحياء الفقيرة فى باريس وأمستردام (هولندا) وبروكسل ولندن وغيرها، ولا يتملكون زادا دراسيا ولا يفهمون الكثير من الدين الإسلامى وأن بعضهم من ذوى السوابق العدلية ( الجنائية)".
 
لماذا بدا أن المقاتلين الأوروبيين، ومنهم البلجيكيون، أكثر تحمسا للمشاركة فى صفوف الجماعات المسلحة فى سوريا ، فى الموجة الرابعة الحالية؟.
 يُرجع الكتاب ذلك إلى "وجود بيئة إيجابية تجاه المعارضة السورية فى أوروبا فى عام 2012 .. (دفعت) الشبان الأوروبيين وغير الأوروبيين إلى السفر لأغراض القتال فى سوريا نصرة لثورة شعبها".
 
إضافة إلى ذلك يكشف الكتاب عن أن أجهزة الأمن البلجيكية، وجدت فى الصراع فى سوريا والعراق "فرصة مواتية" للتخلص من الشبان المسلمين الذين اعتبروا مخالفين للقانون.
وينقل عن فيليب مورو، رئيس بلدية مولنبيك السابق قوله إن أحد مسئولى الأمن البلجيكيين أبلغه عقب اجتماع أمنى مصغر لبحث مشكلة سفر الشبان إلى سوريا بأنه "إذا أرادوا السفر إلى سوريا فنحن مستعدون لتزويدهم بالسلاح". وبناء على هذا التصريح فإنه "لا يستبعد أن تكون بعض الجهات الأمنية فى بلجيكا وربما خارجها أيضا، وجدت فى سفر هؤلاء إلى سوريا فرصة للتخلص من منحرفين ومجرمين صغار، وهو ما يفسر إلى حد ما أسباب الرفض الذى واجتهه بعض العائلات، عندما شكت إلى الجهات الأمنية رصدها مخاطر سفر أبنائها لأغراض القتال فى سوريا، ولم تجد آذانا صاغية فى تلك الفترة."
 
وفيما يتعلق بمولنبيك، يقول فريضى لـ "الأهرام العربي" إن تحقيقاته انتهت إلى استنتاجات منها، أن تدفق المهاجرين بكثافة إلى الضاحية تم فى الثمانينيات مع غياب سياسات اجتماعية مناسبة عدم الاستعداد للتعامل مع العواقب الأمنية الناجمة عن ارتفاع معدلات البطالة بين المهاجرين وغالبيتهم أتوا من المغرب.
 
ولا يعكس ذلك، كما يقول المؤلف، عدم دراية بثقافة الوافدين بل عدم مبالاة الطبقة السياسية إزاء مضاعفات تدفق المهاجرين فى وضع اقتصادى اتسم بالركود فى بلجيكا وأوروبا بشكل عام. 
 
ولهذا أسباب تاريخية أيضا لا يمكن إغفالها. فقد كانت هناك " حال من الجمود إزاء تسرب إسلام خارجي، خصوصا منذ مطلع الألفية، يختلف فى مظاهره وسلوكه عن الإسلام المغاربي. مظاهر النساء اللاتى تلبس النقاب والجلباب والقفازات السوداء، رفض السلام باليد على الذكور فى الشارع، فى الإدارة، المكتب. وكان الذكور يلبسون العباءة الأفغانية أو الخليجية. مجموعات من الدعاة كانوا يدعون فى مقاهى المسلمين إلى الالتزام بفرائض الدين. وهم كانوا يتسكعون بمثابة الشرطة الدينية. وأكبر دليل بارز لتنامى التطرف كانت مجموعة "الشريعة لبلجيكا"، وهى فى الحقيقة امتداد لتنظيم الشريعة فى الممكلة المتحدة بزعامة المحامى البريطانى أنجم شودرى. ولم تكن مجموعة هامشيين".
 
فى الشهورالأخيرة، تركزت الأضواء على فشل أو تقصير أجهزة الأمن فى مختلف أنحاء أوروبا فى رصد وتتبع المتطرفين والإرهابيين المحتملين. 
 
ليست بلجيكا استثناء، كما يكشف الكتاب عن "أخطاء قاتلة ارتكبتها بعض أجهزة الأمن فى بلدية مولنبيك وفى جهاز الأمن الفيدرالى لمكافحة الإرهاب". ويقول "مثلا، عندما اعتقل صلاح عبد السلام ( المتهم الرئيسى فى تفجيرات باريس فى نوفمبر 2015) فى ضاحيته مولنبيك فى شهر فبراير 2015 ، حجزت الشرطة هاتفه المحمول. لكن لم يتم استغلال ما توافر فيه من معلومات مدة عام كامل. لماذا؟ لأن الهاتف ظل تحت تكدس من الملفات فى مركز الشرطة فى مولنبيك. ولم يسلم الى جهاز مكافحة الإرهاب".
 
ويضيف أن: "قاضى التحقيق أمر بإقفال ملف صلاح عبد السلام فى منتصف العام 2015 لأن الأدلة لم تكن كافية. والحال أن صلاح، المعتقل اليوم فى باريس لأنه المتهم الرئيسى الوحيد المتبقى على قيد الحياة ضمن مجموعة الانتحاريين فى باريس فى 13 نوفمبر 2015، كان شقيق أحد الانتحاريين (إبراهيم) وصديق منسق اعتداءات باريس عبد الحميد أباعود. وكان صلاح وعبد الحميد وآخرون يسكنون فى ضاحية مولنبيك فى بيوت لا تبعد عن قصر البلدية".
 
ويتساءل: "هل يا ترى كان يمكن تفادى اعتداءات باريس أو بروكسل لو تم استغلال المعلومات التى ربما توفرت فى جهاز هاتف صلاح؟".
المسئول الآخر عن بلوغ الشبان البلجيكيين المسلمين هذا القدر من التطرف هو "دعاة الأفكار المتطرفة" الذين استغلوا الإهمال الاجتماعى وإخفاق الشبان مع حل أزمة الهوية، التى دفعت بهم إلى السجون التى أقنعوا فيها بأفكار التطرف.
 
وفى هذا السياق، يصل الكتاب إلى نتيجة أخرى مهمة تتعلق"بشخصية هؤلاء الذين ذهبوا إلى سوريا لأغراض القتال، وبعضهم عاد من الرقة، مركز جهاز العمليات الخارجية فى تنظيم داعش" . فقد عادوا "معبئين بالكراهية ضد المجتمع الغربي.  وهناك تم التخطيط للاعتداءات التى أدمت باريس وبروكسل. فهم يلتقون فى محدودية المستوى التعليمي، دخولهم أوساط الانحراف فى عمر المراهقة، ثم السجن حيث يتم التعرف إلى فئة من الدعاة المتشددين، تعاطى نشاطات التهريب، جرائم العنف، العيش فى هامش سوق العمل وانعدام الوظيفة المستمرة، عدم الإلمام بأدنى القيم الدينية، سهولة التأثير عليهم من قبل الدعاة. بعضهم كان مجرما صغيرا ووجد فى السفر إلى سوريا أو العراق فرصة الانتقال إلى صفة المجرم الكبير".
 
من الذى عبأ هؤلاء بكراهية المجتمع الغربي؟
تنظيم الشريعة فى بلجيكا كان هو البداية. فقد بدأ ينشط بوضوح عام 2012
ويشير الكتاب إلى أن "تنظيم الشريعة فى بلجيكا أكبر تعبير بارز عن التطرف الدينى فى البلاد فى السنوات التى سبقت سفر المقاتلين إلى سوريا, بدءا من عام 2012 وموجة الإرهاب فى عام 2015-2016" وهنا يرى فيليب مورو، رئيس بلدية مولبنيك السابق أن هذا التنظيم "يمثل انصهار أزمة الهوية لدى فئة من الشبان مع خطاب متشدد متنام".
غير أن التنظيم البلجيكي، حسبما كشفت التحقيقات، ليس مجرد مجموعة محلية بل "لها علاقات مع مجموعات شبيهة فى بريطانيا وهولندا، حيث تدعو إلى تطبيق الشريعة فى أوروبا وفق مسار تاريخي". 
 
ويشير الكتاب إلى أن حجم المجموعة فى بلجيكا ليس كبيرا، غير أنها تطرح، كما تفعل مثيلاتها فى بريطانيا وهولندا وإسبانيا، "مبادرات تلفت انتباه وسائل الإعلام وجزء من الرأى العام الأوروبي".
وهنا يتضح أن المجموعة البلجيكية تعلمت، ربما بحكم ارتباطها الفكرى بحزب التحرير الناشط بالأراضى البريطانية، من تجربة أقرانها فى بريطانيا. فهم فى بلجيكا "يحرصون بقدر من الحرفية على إبقاء تحركاتهم فى نطاق قوانين حرية التعبير والتجمع، فلا يدعون إلى تغيير الحكم بالقوة، وهم بذلك يتفادون الوقع تحت طائلة القانون الذى يحظر التحريض على العنف والتمرد على السلطة العامة".
وفى المجال الافتراضي، ينشط التنظيم بقوة "ويستخدم ومواقع التواصل الاجتماعى لنشر خطابه الدعائى ضد الانتخابات والاحتجاج ضد قوانين منع الحجاب فى الأماكن العامة ولبس النقاب فى الشارع. ولا يتردد عناصر التنظيم فى ارتجال المظاهرات فى بروكسل لأغراض الدعاية".
 
هل أدى هذا إلى تغييرات مهمة فى قوانين حقوق الإنسان والحريات، ومنها حرية التعبير لتضييق مساحات الدعاية المتاحة لأصحاب الفكر المتشدد؟ لم يلحظ المؤلف هذه التغييرات أو اتجاها لحدوثها.
غير أنه يقول "تم تمكين أجهزة مكافحة الإرهاب من القيام بعمليات المداهمة على مدار الساعة، وتسجيل المكالمات الهاتفية والاحتفاظ بالبيانات بإذن القضاة. كما صدق البرلمان على قانون تسجيل بيانات المسافرين. فى السابق، تم حظر لبس النقاب. ولكن نرى سيدات يلبسن النقاب وهن فى الأغلب سياح من دول عربية غنية".
 
وبرغم حرص أولياء أمور هؤلاء الشباب على تقويم أولادهم، فإنهم لم يلقوا أى مساعدة. ويتحدث الكتاب عن "العجز الذى أصيب به أهل الشبان المتشددين". فهم "كانوا ضحية دعاة ينشطون فى بعض الشقق فى الضواحى الشعبية. كانت أجهزة الأمن ترصدهم لكنها لم تجمع الأدلة المادية الكافية لاستباق تحركهم. أولياء هؤلاء يقولون بأنهم ذهبوا إلى مراكز الشرطة للإبلاغ عن ميولات أبنائهم المتطرفة، لكنهم لم يجدوا أية مساعدة، حسب ما أكدوا فى التحقيق وكذلك أمام المحاكم". 
 
وهنا يلفت عريضى النظر، ردا على تساؤلات "الأهرام العربي" إلى  ملاحظة يراها مهمة للغاية وهى أن "أولئك الذين يلتقون فى الصفات والسلوك مع المجموعة السابقة ( الذين ذهبوا للقتال فى سوريا) كثيرون فى المدن الأوروبية وفى ضواحيها الشعبية. وهم يمثلون قنابل موقوتة بالنسبة إلى مجتمعاتهم الأوروبية، دون ذهابهم إلى مناطق النزاعات." 
ولا يشك المؤلف فى أن السلطات البلجيكية قد استوعبت الدرس وتحاول الآن تدارك أخطائها. 
 
ويقول "تمكنت أجهزة مكافحة الإرهاب فى غضون العام 2016 من تفكيك شبكات للمتشددين. ويمكن القول إن المجموعة التى خططت لاعتداءات باريس وبروكسل قد اندثرت فى العمليات الانتحارية. وتم اعتقال من تبقى من المناصرين والأصدقاء والشركاء فى الإرهاب والجريمة المنظمة. وتزودت الشرطة بإمكانات لوجستية إضافية. وانتدبت الأجهزة المئات من أعوان الأمن والمخبرين، وبعضهم يتحدثون اللغة العربية. وأصبح فى إمكان جهاز مكافحة الإرهاب تنفيذ عمليات المداهمة على مدار الساعة. وتم على الصعيدين المحلى والأوروبى ربط ترسانة البيانات الأمنية المتصلة بالوثائق المزورة، نشاطات تهريب الأسلحة والمخدرات، والسرقة والمقاتلين الأجانب والعائدين من ساحات القتال".
 
ومع ذلك فإن تمويل الجماعات المتطرفة فى بلجيكا لا تزال مشكلة. ويستبعد عريضى أن تكون جهود وقف هذا التمويل شاملة "لأن كثيرين يستخدمون الهبات النقدية باسم مساعدة بعض الجمعيات أو المشاريع الخيرية. ويصعب التأكد من أن هذه التمويلات قد تمت مراقبتها".
 
ويعتبر المؤلف أن المشكلة الكبيرة الأخرى تتعلق ببرامج وقاية الشباب من التطرف. ويقول "أعلن عن العديد من البرامج فى ظل الزخم الذى أثارته الاعتداءات. لكن لاحقا، تحدثت تقارير عدة عن نقص الموارد المالية وعن ضبابية الرؤية، فى ضاحية مولنبيك نفسها، وهى مجرد مثل".      
 
كيف أثرت ظاهرة التطرف والإرهاب التى غرق فيهما بعض مسلمى بلجيكا على الوضع الاجتماعى فى البلاد؟
يتحدث الكتاب عن "خط الانكسار" الذى يحذر منه جيل كيبيل، أستاذ العلوم السياسية الفرنسى والمتخصص فى شئون العالم الإسلامي. ويقول إن هذا الخط "تجسَّد فى بلجيكا من خلال اتساع الهوة بين البلجيكيين من أصل أوروبى والمهاجرين غير المسلمين من جهة و المواطنين المسلمين من جهة أخرى. ودلت نتائج تحقيق اجتماعى يشبه عملية تشريح فى صلب المجتمع البلجيكى أن 6 من كل 10 بلجيكيين يعتبرون الجالية المسلمة تهديدالهويَّة البلاد ، وأن ٪74 يرون أيضا أن الإسلام لا يقبل التعايش مع الديانات الأخرى. .. وهذا أهم تحقيق اجتماعى أفقى وعمودى أجرى فى بلجيكا منذ عقدين".
 
ويفرد الكتاب مساحة وافية لرأى الجيل الأول من المهاجرين، خصوصا المغاربة، فيما وصلت إليه الأمور؟
يقول فريضى: " لاحظت وآلمنى حزن بعض المتقاعدين من الجيل الأول من المهاجرين الذين أتوا من المغرب فى الستينيات والسبعينيات. وهم يشعرون بحزن شديد إزاء ما حدث فى هذه البلاد على يد أحفاد هذا الجيل".
 
ويضيف "لا أحد منهم يفهم "لماذا يفعل هؤلاء (الانتحاريون) ما فعلوا فى مجتمع احتضن أهلهم وساوى بينهم وبين مواطنيه".
وينقل الكتاب حوارا، ذا مغزى، مع بائع مسن فى سوق مولنبيك الأسبوعي. يقول البالغ إن هؤلاء (الانتحاريين) مدللون. وهو يعنى تسيب السلطات الأمنية وعدم استخدام القبضة الحديدية ضد المنحرفين. هذا الشعور منتشر فى صفوف المهاجرين".
 
وبرغم شيوع الإحساس بالتمييز لدى الشباب فى مولنبيك حتى إن بعضهم قال إنه سيغادر الضاحية، قال آخرون إنهم سيبقون يرابطون فيها ويدافعون عنها بعد أن ذاع صيتها واقترن بالانتحاريين والاعتداءات.
 
وبرغم قتامة الصورة، يلفت فريضى النظر إلى أن عددا من المثقفين الأوروبيين بدأ الاقتناع بأن المقاتلين الأوروبيين الذى ذهبوا إلى سوريا وعادوا منها معبئين بالكراهية والحقد لا تربطهم أية علاقة بالدين الإسلامي. وزادهم من الدين والثقافة الدينية ضعيف جدا سوى ما تعلموه فى منصات التواصل الاجتماعي.
 
وهذا يستدعى تفعيل برامج الوقاية من التطرف والتشدد واحتواء وإصلاح الشبان الذين انزلقوا إلى التطرف. 
 
فى لقاءات جمعتنى بعدد من مسؤولى الأمن والباحثين خلال زيارة لبروكسل فى شهر فبرايرالماضي، بدا أن هناك إجماعا على أن مواجهة كارثة التطرف التى تهدد المجتمعات الأوروبية تحتاج إلى نهج شامل متعدد الأبعاد تشمل: التعليم والتوعية ومكافحة العنصرية والتمييز وتوفير فرص العمل واليقظة الأمنية وفتح القنوات مع القواعد الأساسية فى الجاليات المسلمة. 
 
غير أن الواقع العملى يقول إن السلطات البلجيكية، كنظيراتها الأوروبية، لم تستوعب بعد درجة الخطر، وتقول إن ميزايناتها لا تتحمل توفير المخصصات اللازمة لمثل هذا النهج.
وفى نقاش مع الدكتور سعد العمراني، خبير مكافحة التطرف والإرهاب وكبير مفوضى شرطة بروكسل وعبر العمراني، عبر عن مرارة ناتجة عن إحباط بسبب افتقاد الدول الأوروبية إلى إستراتيجية واضحة تقوم على التشخيص الدقيق والكامل للظاهرة الخطيرة. وقال "نحن نضيع الوقت، فلم نصل بعد إلى مواجهة الواقع والتشخيص الكامل للمشكلة . ولن يمكن تحديد علاج ناجع حتى تنتهى من مرحلة التشخيص.. لكن للأسف الخسارة هائلة يوميا".
 
وهذا ما أبدى فريضى قلقه من عواقبه، قائلا:"فى الأثناء، سيظل المتطرفون يسعون فى شوارع بعض أهلها من الذين لفظتهم الدورة الاقتصادية والاجتماعية باكرا. وكل منهم قابل للتأثير عليه".

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg