رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

مقالات



ودخل محمد أنور السادات بغداد!

8-8-2017 | 23:19
مهدى مصطفى

تحلق ضباط حرس الحدود حول الفنان الذى هو( أنا). راح كبيرهم يقلب فى الحقيبة بنهم. أزاح الكتب المطبوعة جانبا. أمسك بمقال (إلى الأمام يا إمام) للسياسى المصرى المتمرد أحمد حسين، وفيه يخلع لقب الإمام على الخومينى!. كانت صفحة الجريدة مطوية فأفردها على المكتب. أعين الضباط تحملق بدهشة. قال الضابط: هذا الفنان المصرى لديه (أسرار). كانت أزياء نهاية السبعينيات المزركشة والبناطيل الشارلستون والشعر الطويل أدوات الفنانين فى ذلك الزمن.
كنت لا أعرف عمّا يتكلم هذا الكبير فى السن والرتبة. رفع عينيه ولا تزال يده ممسكة بصفحة جريدة الأخبار القاهرية التى ورد بها المقال. قال فى غيظ مكتوم: ما هذا؟ بالكاد استطعت الكلام، فالعطش كان يضرب أعماقى، وحلقى جف من الرعب، فخرج كلامى مهموسا: هذا مقال لسياسى مصرى أعجبنى فيه العنوان ( إلى الأمام يا إمام). قال بغيظ أكثر: هل تعرف خطورة من يحمل هذه الممنوعات؟ كدت أبتسم، قلت بتهكم: ممنوعات؟ أحسست بوخزة قوية من أحد الواقفين ورائى.
كانت الثلاجة فى آخر الغرفة المستطيلة. عيناى مصوبتان عليها بعمق. كنت أفكر فى الماء بضراوة، لكننى سمعت كبير حراس الحدود يقول لرفاقه: ما هذا اليوم، سادات وخومينى فى يوم واحد، وفنان مصرى يدعى ( المنتظر) ؟! لم أفهم المعنى الأخير.
كان المسافرون خارج الغرفة مسمرين، تقدح الشمس فى أجسامهم المتعبة، يضربهم العطش والخوف ، بينما كنت محظوظا فى غرفة مكيفة حتى لو كنت فى هلع لا نهاية له.
تشاغل عنى كبير الحراس، آمرا بعض رجاله بإجراء اتصالات لجهات مجهولة، ثم عاد يسألنى بإمعان مميت: عن سعدى يوسف، وعن الشعر، وعن الكتب، وعن الخومينى الدجال، وعن سر زيارتى للعراق. قلت له: لدىّ أصدقاء فى العراق تعرفت إليهم فى القاهرة، وجئت للبلد الذى يقول إنه يفتح أبوابه للعرب من المحيط إلى الخليج. قال بلهفة حازمة، وكأنه وجد ضالته: مَنْ هؤلاء الأصدقاء؟ قلت له: لدىّ صديق أديب يكتب القصة والرواية، وعضو اتحاد الأدباء والكتاب اسمه (ع. غ). وناولته ورقة بها الاسم والعنوان ورقم الهاتف. اختطفها من يدى، قرأ ما فيها: أدار قرص الهاتف الأحمر الموضوع على مكتبه: كان على الجانب الآخر من البصرة صوت صديقى (ع. غ). فأشرت إليه أن أكلمه بنفسى: قبل أن أقول مرحبا هتفت: يا فلان، أريد جرعة ماء. لا أريد شيئا من الوجود سوى جرعة ماء، قل لهم ، الله يخليك. ضحك جميع مَنْ فى المكتب المخيف، ثم تركت سماعة الهاتف تسقط من يدى، ركضت إلى الثلاجة الكامنة فى نهاية المكتب، ودون شعور تناولت زجاجة مثلجة، وتجرعتها بالكامل حتى خارت قواى.
نزل الماء في جوفى كأنه نزل إلى صحراء جرداء. أطفأ ظمأى، ولكننى شعرت بدوار هائل، زاغت عيناى، لم أعد أرى ما حولى، تلاشى الخوف قليلا. تمالكت قواى، تحركت إلى مكتب قائد المكتب. هذه المرة عاملنى بود واحترام. أمر بمقعد للجلوس. أخرج علبة السجائر السومر العراقية، دعانى للتدخين، اختطفت من يده السيجارة. أشعلتها، وسحبت الدخان بعمق، ضربنى دوار سريع بفعل النيكوتين.
 لا أدرى كم مر من الوقت ما بين إشعالى السيجارة التى انتهت بين أصابعى وبين ما قاله لى: هلا بك فى بلدك الثانى العراق. واعتذر عما جرى، لم أسأل ماذا قال له صديقى (ع. غ). ولا فكرت حتى فى استئناف الرحلة، لكننى سمعته يقول: لو سمحت لى هل يمكن أن تهدينى بعض هذه الكتب الشعرية والروايات، فأنا هنا لا أرى إلا وجوه المسافرين المتعبين. بينما كان يرجونى ، راح يشعل النار من قداحته فى مقال (إلى الأمام يا إمام)، هامسا: هذا الرجل الدجال ممنوع فى العراق. قلت له: كان مجرد مقال أعجبنى عنوانه ونسيته فى جوف ديوان سعدى يوسف. قال: أظنه من البصرة، فأنا بصراوى، وصديقك (ع) بصراوى، أنت محظوظ اليوم.
 انفض رفاقه من الحراس إلا واحد، بدا لى أنه الرجل الثانى، راح يشرح لى الممنوعات فى العراق، قلت له: الناس خارج المكتب فى صيف أغسطس، وجميعهم من العمال المساكين، ليتك تساعدهم على صعود الحافلة، قال: وليشربوا الماء أيضا، آمرا حارس مكتبه بحمل الماء إليهم، كادوا يقعون من الإعياء، ثم رجوته أن يدخل معنا محمد أنور السادات، قال: وليكن، وصاح عاليا: نادوا على الأخ السادات. وجاء الطالب المسكين هائل الجسد. وأعطوه الماء وبعض الزاد. وأنهوا تأشيرات الدخول سريعا، قلت له: ستواجهنا نفس المعضلة فى نقاط التفتيش بسبب الأخ السادات. ضحك عاليا، وقال: هذا السادات سيكون جواز المرور فى نقاط التفتيش بعد خروجكم من نقطة الرطبة الحصينة، وسترى!
صعدنا إلى الحافلة والأعين مصوبة ناحيتى بفخر وامتنان، وناحية السادات بغيظ مكتوم. لكنهم استراحوا من العناء، ودخلوا فى نوم عميق، بينما ظللت يقظان، وصحا الجميع على توقف مفاجىء لعجلات الحافلة. كانت تلك أول نقاط التفتيش فى الطريق الطويل. صعد ضابط ذو رتبة صغيرة. انتبهنا. قال ضاحكا: أين الأخ محمد أنور السادات. قال السادات: أفندم طويلة، دخل الجميع فى نوبة ضحكة هيستيرية حزينة، وتذكروا ما جرى فى نهار الرطبة الحارق. سرت همهمات قطعها الضبط المبتسم:» الله يساعدكم ويساعد السادات والأخ الفنان الفيلسوف». تنفس المسافرون واستراحوا وهم يلوحون للضابط ذى للرتبة الصغيرة فى انتظار نقطة تفتيش جديدة. جرى نفس السيناريو فى كل توقف للحافلة، ما إن يظهر ضابط التفتيش إلا ويهتف عاليا: ودخل السادات بغداد!

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg