رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

المجلة



بعد مرور 77 شهرا على تدشين سد النهضة.. مطلوب وسيط دولى محايد.. لفض الاشتباك

15-8-2017 | 17:17
د. على نور الدين إسماعيل

تقديرات شركة «سالينى» الإيطالية المنفذة للسد غير دقيقة هندسيا وجيولوجيا وماليا

سد النهضة نموذج لأزمة دولية متعددة الأبعاد فنيا وهندسيا وعلميا وأطرافها الثلاثة تشكل المنبع والمسار والمصب
 
فى الثانى من إبريل عام 2011 م. تم تدشين السد تحت إشراف – ميليس زيناوى – رئيس وزراء إثيوبيا السابق تحت مسمى «سد الألفية « . أعقب ذلك فى الخامس عشر من الشهر ذاته اعادة تسمية السد ليصبح « سد إثيوبيا العظيم المبتعث من جديد «وهى تسمية ذات دلالات سياسية واضحة. ومن ثم عرف إعلاميا بـ «سد النهضة». يقع السد على بعد 20 كيلومترا من شرق الحدود السودانية - الإثيوبية فى مسار النيل الأزرق فى منطقة بنى شنقول – وهى أرض سودانية فى إقليم أوروميا احتُلت من قِبل إثيوبيا بعد هزيمة الثورة المهدية فى أواخر القرن التاسع عشر.
 
تم توقيع عقد المشروع بين الحكومة الإثيوبية وشركة سالينى الإيطالية بتكلفة تقدر ب (4.8) مليار دولار أمريكى موزعة على أساس (3) مليارات دولار أمريكى للإنشاءات و(1.8) مليار دولار أمريكى قيمة التوربينات وفترة إنجاز مدتها (76) شهراً. وشركة سالينى معروفة دولياً وسبق لها العمل فى إثيوبيا لعدة عقود مضت وأنجزت العديد من السدود الصغيرة سواء على النيل الأزرق (سدود منشا وكاروبى ... وغيرها ) أو على نهر عطبرة (سد تاكيزى) أو على نهر أومو (سدود جيب الثلاثة) وأسند إليها الأعمال الهندسية لسد النهضة دون وجود مهندس استشارى لوضع التصميم الهندسى أو المتابعة أثناء التنفيذ. ومن الأهمية الإشارة إلى أن الطاقة التخزينية لبحيرة السد بعد التنفيذ النهائى تستوعب ( 74) مليار متر مكعب، وارتفاع السد يصل إلى 170 متراً مكعباً وبطول 1800 متر. وتبلغ الطاقة الكهربائية المولَدة من التوربينات المزمع تركيبها ( 16 توربينا) إلى (6000) ميجاوات، أى ما يعادل (29) مليون ميجاوات /ساعة/ سنة، يشكل بذلك واحدا من بين أكبر 10 سدود مائية مولدة للكهرباء على مستوى العالم. 
 
المتتبع لمراحل البرنامج الزمنى لتنفيذ السد منذ بداية المشروع فى إبريل 2011 م حتى يوليو 2017 يمكنه استخلاص عدة محطات مهمة تتطلب الوقوف والتحليل وهى موزعة على ثلاث مراحل:
 
المرحلة الأولى.. مرحلة التقييم الفنى للمشروع 
 
بعد 5 شهور كاملة من بدء بناء السد وبناء على طلب من مصر تم تشكيل لجنة ثلاثية من خبراء الرى فى الدول الثلاث (مصر، السودان، إثيوبيا)، إضاقة إلى خبراء دوليين (لجنة 3+1) لدراسة تأثير السد المزمع إقامته على دولتى المصب مصر والسودان، ورفع الأمر إلى وزراء الرى فى الدول الثلاث. وتم فعلا عقد الاجتماع الأول لهم فى الخرطوم فى أغسطس 2013 دون الوصول إلى نتيجة. وتم أيضاً رفع تقرير اللجنة الفنية على مستوى الخبراء فى مايو 2014 – أى بعد 20 شهر كاملة لاجتماع وزراء الرى. وعقد الاجتماع الأخير للجنة وتم إصدار توصيات عامة غير ملزمة؛ أشارت فيها إلى ضرورة الاستعانة بمكتب استشارى لإعداد الدراسات الخاصة بتداعيات السد، وعقب ذلك عقد الاجتماع الثلاثى والأخير لوزراء الرى للدول الثلاث.
 
المرحلة الثانية.. مرحلة تكثيف الدور الدبلوماسى 
 
كانت البداية حضور وزير خارجية إثيوبيا مراسم تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسى فى يونيو 2014، وتصريحه على أن يتم التعامل مع ملف السد بشفافية لصالح الطرفين وما أعقب ذلك من تشكيل اللجنة السداسية لوزراء الخارجية والرى لمتابعة أعمال السد. وبجهود دبلوماسية ناجحة وموفقة فى نفس الشهر، تم انتهاء تعليق عضوية مصر فى المجلس التنفيذى للاتحاد الإفريقى فى دورته الـ 25 المقامة فى العاصمة مالابو فى غينيا الاستوائية وزيارة الرئيس السيسى للعاصمة السودانية الخرطوم فى طريق عودته وعقد اجتماع ثنائى مع الرئيس البشير لمناقشة موضوع سد النهضة. 
وشهد مارس 2015 حدثاً مهما تمثل فى اجتماع قمة لرؤساء مصر والسودان وإثيوبيا فى الخرطوم، وتوقيع إعلان المبادىء العشر للتعامل مع أزمة سد النهضة، وهذا يعنى دبلوماسياً رفع مستوى اللجنة العليا لملف السد إلى المستوى الرئاسي، ومن أبرز ما ورد فى هذا الإعلان ما يتعلق بمبادىء: التعاون على أساس المنفعة المشتركة والقانون الدولي، عدم التسبب فى ضرر ذى شأن، الاستخدام المنصف للموارد المائية، والاتفاق على قواعد الملء للسد بالتوازى مع عملية البناء ومع استمرار إجراء الدراسات. 
 
وسجل شهر ديسمبر 2015 عقد الاجتماع الثالث للجنة السداسية من وزراء الرى والخارجية، وللأسف دون التوصل إلى إجابات واضحة لتساؤلات مصر حول تداعيات السد.
 
المرحلة الثالثة.. محاولة تفعيل المبادئ والأسس القانونية 
 
فى ظل استمرار إثيوبيا فى تنفيذ الأعمال الإنشائية للسد مع إغفال الجوانب التشريعية والدولية للتعامل مع التجارب المماثلة، وحتى بعد دخول اتفاقية الأمم المتحدة للاستخدامات غير الملاحية للأنهار الدولية حيز التنفيذ وأنها ملزمة لكل دول العالم بما فى ذلك دول حوض النيل. فقد كان لمصر رأى واضح يرى أهمية وضع حلول ممكنة لأزمة السد، وبعد مفاوضات مرهقة تم اختيار المكتبين الاستشاريين الفرنسيين (بى. آر. إل ) و(أرتليا) فى سبتمبر 2016 للقيام بالدراسات المطلوبة والخاصة بنمذجة ومحاكاة الموارد المائية وتأثير سد النهضة على عملية الفيضان ووصول المياه إلى السودان ومصر، وكذلك الدراسات الخاصة بالتقييم البيئى والاجتماعى والاقتصادى العابر للحدود على مستوى الحوض الثلاثة. على أن يتولى المكتب الإنجليزى (كوربت) اختصاصات الجوانب القانونية، المالية والإدارية. لقد قدرت فترة الدراسات بثمانية عشر شهر وبتكلفة إجمالية 4.5 مليون يورو، وتم فعلا تحويل الدفعة الأولى فى ديسمبر 2016.
 
كما شهدت هذه المرحلة أخيراً تطوراً محموداً من دولة أوغَندا، حيث تم فى مارس 2017 عقد اجتماع استثنائى لجميع وزراء الرى فى حوض نهر النيل لبحث مخاوف مصر من الاتفاقية الإطارية وإنهاء الخلافات التى تمنع مصر من المشاركة فى أنشطة مجلس الحوض. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تلك الاتفاقية تم عرضها منذ سبع سنوات مضت على جميع دول الحوض، ولم يتم توقيعها وقتها من قبل مصر والسودان ودولة الكونغو الديمقراطية، فيما وقعتها باقى دول الحوض الست الأخرى بما فيها إثيوبيا وأوغَندا . وكان عدم التوقيع بسبب إغفال العديد من الجوانب التى ترتبط بالمبادئ والأسس القانونية التى تحكم الاتفاقيات الدولية للمجارى المائية، نذكر منها عدم التعسف فى استخدام الحق، حماية الحقوق المكتسبة (الأمن المائى)، الإخطار المسبق للمشاريع المزمع تنفيذها، إضافة إلى أن ضرورة أن تكون قرارات المجلس بالإجماع وليس بالأغلبية. وأعقب هذا الاجتماع طلب أوغندا من دول الحوض عقد قمة للرؤساء لإحياء الاتفاقية الإطارية، وتم فعلاً بتاريخ 20 يونيو 2017 مشاركة من وزير الخارجية المصرى للتحضير للقمة ومشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى فَاعليات قمة الرؤساء وعقدت القمة فى منتجع (مونيوتو) القريب من (عنتيبى) عاصمة أوغندا فى 22 يونيو 2017، حيث شرح الرئيس فى خطابه وضع مصر المائى الحالى مقارنة بدول الحوض والدعوة إلى رؤية مشتركة، وأن نهر النيل هو شريان الحياة فى مصر، ولا بد من مراعاة الشواغل المصرية فى مياه النهر. وأشار الرئيس إلى أن هناك تجارب ناجحة لدول الأنهار الدولية المشتركة واختتم خطابه بضرورة دورية انعقاد القمة مع استعداد مصر لاستضافة القمة المقبلة فى القاهرة والمشاركة حسب المعايير الدولية. ومن أبرز إيجابيات القمة أنها شكلت بداية لتعزيز الثقة وتجاوز الخلافات على الرغم من عدم الخروج بأى نتائج أو توصيات وعدم الاتفاق على المعايير الدولية للتعاون، مع بقاء موقف الدول الموقعة على الاتفاقية بلا تغيير ومنها بالقطع إثيوبيا.
ويبقى السؤال؟ ماذا بعد مرور 76 شهرا كاملة على تدشين مشروع سد النهضة فى إبريل 2011 حتى الآن؟
الإجابة عن هذا السؤال تقتضى الوقوف على مجموعة من النقاط:
• النقطة الأولي: تزامن افتتاح السد مع حدثين مهمين ومؤثرين على مسيرة التنمية فى كل من مصر والسودان، وما صاحب ذلك من الأحداث اللاحقة لثورة 25 يناير 2011 فى مصر وانشغال مصر بالشأن الداخلى، انفصال السودان الجنوبى عن السودان الشمالى فى 9 يوليو 2011 وبالتالى قيام دولة متشاطئة جديدة فى منظومة حوض نهر النيل خارج معادلة سد النهضة. وشجع ذلك دولة إثيوبيا على تنفيذ مخططها والمضى قدماً فى الأعمال الإنشائية للسد دون أدنى مواجهة من دولتى المصب مصر والسودان .
•  النقطة الثانية: التقديرات الموضوعة من شركة سالينى الإيطالية لم تكن بالدقة المطلوبة لمثل هذا المشروع الكبير سواء من الناحية الهندسية وطبيعة الأرض جيولوجياً أو تقديرات الناحية المالية، حيث تشير الأخبار الواردة إلى أن الشركة قد رفعت التكلفة الرأسمالية للمشروع من 4.8 مليار دولار أمريكى إلى 6.4 مليار دولار أمريكى وبزيادة 33 % والنتيجة هى مد فترة البرنامج الزمنى للتنفيذ وعبء أكبر على ميزانية الدولة الإثيوبية .
•  النقطة الثالثة: الدراسات التى تتم حالياً بمعرفة المكتبين الاستشاريين الفرنسيين التى بدأت فى سبتمبر 2016 والمقرر الانتهاء منها فى فبراير 2018 لم تستكمل بعد، وهناك غموض فى الكشف عن محتوى (التقرير الاستهلالى) الذى تم تقديمه للأطراف الثلاثة مصر والسودان وإثيوبيا هذا الشهر. وإن عدم إتمام الدراسات فى الموعد المحدد سيكون له تأثير ضار على مصر.
•  النقطة الرابعة: الجوانب التشريعية والقانونية لم يتم الأخذ بها فى الاعتبار من خلال المناقشات التى تتم بين الأطراف الثلاثة المعنية بأزمة سد النهضة، سواءً فى اللجنة الفنية أم اللجنة الثلاثية لوزراء الرى أم اللجنة السداسية لوزراء الخارجية والرى . وهى جوانب مهمة ومؤثرة على مسيرة المشروع.
•  النقطة الخامسة: إن الجانب الإثيوبى أبدى فى أكثر من مناسبة على لسان المسئولين الحكوميين بأنه على استعداد لإمداد مصر والسودان بنحو 3000 ميجا وات من الكهرباء، أى نصف الطاقة المولدة بعد انتهاء تنفيذ السد وبسعر رخيص، وللأسف لم تترجم إلى واقع قابل للتنفيذ. حيث يتطلب ذلك هندسياً مد خطوط نقل تزيد على 1000 كيلومتر من موقع السد مع تجهيز شبكات التوزيع اللازمة فى المواقع المختارة. 
•  النقطة السادسة: مصر من جانبها لم تطالب إثيوبيا حتى تاريخه بتعويضات مالية أو حتى معنوية من جراء التداعيات والأضرار المتوقعة من جراء تنفيذ السد، والتى من أبرزها تقليل حصة مصر من المياه الواردة من النيل الأزرق إلى بحيرة السد العالى، وبالتالى نقص مستوى البحيرة وتخفيض الطاقة الكهربائية المولدة، ناهيك عن توقع تقليص الرقعة الزراعية. وعليه فإنه من الضرورى وضع «خطة عمل» ملزمة وقابلة للتنفيذ لمواجهة ذلك باشتراك كل الجهات المسئولة فى الوزارات والجهات ذات الصلة. بالإضافة أيضاً إلى وضع إستراتيجية طويلة المدى تكون بمثابة جرس إنذار لمصر يلزمها بضرورة إعادة النظر فى الميزان الوطنى المائى الذى يربط بين الموارد المائية المتاحة والطلب عليها لتلبية جميع الاحتياجات.
•  النقطة السابعة والأخيرة: ضرورة العمل على تأكيد استمرارية توثيق أواصر التعاون والأخوة الأزلية التاريخية بين مصر والسودان فى مواجهة طموحات الجانب الإثيوبى غير المبررة، وأن العلاقات بين البلدين كدولتى مصب لنهر النيل العظيم لن ولم تتأثر بهذه الأزمة الطارئة، والدليل على ذلك ما جاء فى المبادىء العشرة التى وقعت عليها الدول الثلاث واحتضنته العاصمة السودانية. 
فى الختام نشير إلى أن ملف سد النهضة هو نموذج لأزمة دولية متعددة الأبعاد، فهو من الناحية الفنية اختلاف فى تفسير وتحليل الجوانب الهندسية والعلمية فى ظل الوفرة المائية أوالشح المائى لدولة إثيوبيا كدولة منبع، والسودان كدولة مسار، ومصر كدولة مصب، وبالتالى يكون هناك رأى ورأى مخالف. 
أما من الناحية الاقتصادية فإن الأزمة تعنى اضطراباً فى التوازن من جراء وجود فجوة اقتصادية بين الأطراف الثلاثة المعنية، وهذا واضح تماماً فى حالة المقارنة بين إجمالى الدخل القومى ونسبة الديون إلى الدخل لكل من مصر من جهة وإثيوبيا والسودان من جهة أخرى . أما الأزمة تشريعياً فهى تعنى بالضرورة عدم الاعتراف أو عدم الاتفاق على الأسس والمبادئ القانونية التى تحكم الأنهار الدولية المشتركة. كما أن للأزمة جوانب أخرى فرعية مؤثرة: سياسية، تاريخية، دينية وثقافية وهذا غير واضح فى تعامل الدول الثلاث مع هذا الملف الساخن.  
إن الحل الممكن للمرحلة الحالية والمقبلة بعد هذه القراءة الهادئة لن يتم إلا باتفاق الأطراف الثلاثة (مصر – السودان – إثيوبيا ) على اختيار (وسيط) دولى محايد يتفهم أبعاد الأزمة من كافة جوانبها الرئيسية والفرعية، وله خبرة سابقة فى حل أزمات دولية مماثلة، وتكون أيضاً له القدرة على التعامل بشفافية لصالح الجميع. 
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg