رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 24 سبتمبر 2018

مقالات



الطلاق.. والحنان

3-10-2017 | 22:45
دينا توفيق

تلك الرائحة
دائما لدى إحساس بالمسئولية لا أستطيع تجاوزه حتى إن لم يكن الأمر يخصنى.. ولا أعرف مرجعية إحساسى وسلوكى المبنيين عليه، ولكن يبدو أن للتربية دورها.. ولقد تربيت فى مدرسة راهبات من مدارس الإرساليات العتيقة العريقة التى تحترم الآخر وأفكاره ومعتقداته ولا تزج بها فى النقاش ولا تحيل إليها الاختلاف فى الرأى. 
 
وهكذا تنامت داخلى ميول حقوق المواطنة المنزوعة النظرة للدين والعرق، كجزء أساسى من منظومة الوطن وخفايا الصدور وتلك الرائحة المنبعثة من روح مصر الجميلة الحقيقية، وذلك بناء على ما تربيت عليه نتيجة زمان ميلادى فى أواخر ستينيات القرن الماضى، والتحاقى بالمدارس التى احترمت المنوط به من تربية وتعليم.
 
أترحم على والدى ومديرة مدرستى «السيستر تيودورا» الأرمينية الشامية التى كانت ترى الانضباط لب حياة المرء، وترى التسامح زينته والالتزام شرعة يجب التوجه صوبها.
لقد كانت بمدرستنا كنيسة ومسجد.. دور عبادة نصلى بها وتنتهى علاقتنا بيقيننا الدينى داخل صدورنا وأمكنة العبادة ولا نفرضه على الآخرين.
تلك رائحة الاستقرار الذى تمتعت به أجيالنا قبل اختلاط الأمور وتحامقها للأسف.
 
كنت أكاد أكون طفلة بضفائر منزوعة الإحساس بالحنو والأمان.. كنت كطفلة عجوز. 
تم الطلاق العاصف بين أبى وأمى وأنا فى العاشرة.. الطلاق الذى سبقته أحاديث ومهاترات ذات شجون، كنت فى زمن ما لا أكاد أتذكرها حتى أشعر ببرودة كالصقيع تضرب أطرافى وقلبى، وأطلب لأجلها الأغطية حتى أتدفأ.. ثم أهدأ بعد أن أتصبب عرقا باردا من فرط التحول المفاجئ فى درجة حرارة جسدى وروحى.
 
أحكى لك وأنا من كنت أشعر بسخط شديد من العالم.. وأكاد أنادى بعلو صوتى.. «أحبكما ولكن لماذا فعلتما بى كل هذا الدمار بكل هذه الأنانية.. لماذا أنجبتما أطفالا عجائز.. أو بالأحرى.. لماذا أنجبتما كائنا مثلى رهيفا لدرجة التفتت؟!» .. شعرت أننى رخيصة حين ساوم أهل أمى أبى علينا أنا وأختى مقابل ألف جنيه ليتنازل عنا ولا تحق له حتى رؤيتنا!!
كيف طاوعتهم قلوبهم ليرتكبوا الجريمة الشنعاء تلك بلا رحمة أو شفقة.. لا أعرف.. هل لأجل المال؟
 
هل المال يساوى احتقارى لأداء أبى الحياتى الذى لاحقنى لسنوات طوال، ونفورى من كراهية أمى له، ورغبتها الجامحة فى تنفيرنا منه وأنانيتها وصلف عائلتها الإقطاعية الكبيرة وسطوتها التاريخية.
صديقتى.. عشت فى وسط عائلة أمى ومعها غريبة تخيم على رأسى ويستشعر وجدانى كل تلك الأداءات المتعجرفة والنزوع إلى التعالى على عائلة أبى الأقل مالا ووجاهة اجتماعية، على الرغم من أننى كنت كطفلة ذكية إلى حد ما ومراهقة ثم صبية تميل للقراءة والثقافة أشعر أنهم قليلو الثقافة، ولا يمتلكون الهمة التى تؤهلهم لحياة باذخة يحلمون بها، لأنهم فى التصنيف يعدون فلاحين، فالجدود يرتدون الجلباب والأبناء تحرروا ولكنهم لا يزال برأس كل منهم فلاح عنيد.
 
عشت فى حالة انفصال ذهنى عنهم.. أتفاعل مع كتبى وأوراقى، وبرغم تحرر أمى ظاهريا كنت أفتقد لغة الحوار معها.. أشعر بازدواجيتها وأنا الصغيرة التى منحها الله قدرا من الشفافية والنباهة مع مسئولية فى الروح عميقة.
هكذا يا سيدتى عشت فى اشتياق متلهف للحنان.. وبعدما مررت بالتجارب اكتشفت حماقتى وتسرعى .. فلقد تزوجت فى العشرين هروبا من حسم أمى وتسلطها، ولكننى كنت ألتمس لها الأعذار لاحقا، حيث تحملت ما لا طاقة لها به لتربيتنا، ودفعنا معها أنا وأختى ثمن حريتها.. ولو كنت أكبر قليلا فى حينها لساعدتها بشكل أكبر، لأننى بعد أن نضجت اكتشفت أن التخلص من شريك يعيق الحرية أمر  مهم وضرورى لاستكمال الحياة  ولو حتى بجودة أقل من المعتاد فى المظاهر.. وخصوصا مظهر المطلقة الممجوج فى مجتمعاتنا الازدواجية.
 
وعودة لحماقتى أننى تزوجت رجلا أكبر منى بربع قرن.. ولم أندم لأنه أكبر لأنى لا أعترف بالفارق العمرى فى الزوج، ولكن قررت الخروج من الخية أو الفخ لأنه لم يستوعبنى، ولم يمنحنى ذلك الأمان الذى ظننت أن رجلا فى عمر أبى سيمنحنى إياه.
 
سيدتى لا أطلب حلا لمشكلة وأنا أعيش الآن فى ألمانيا مع أبنائى فى هناء وسعادة، بعد أن كرست عمرى وروحى لإسعادهم وتربيتهم بمنطق آخر غير الذى تعامل به أهلى معى، بل إننى أصررت على توسيع مداركهم وتحسين أداءاتهم الحياتية ومواهبهم.. كما أننى أعمل الآن بمنصب مرموق.. وأقر بأن أهلى لم يخلفوا لى عقدة سلبية، ولكن عقدة تمرد وفكاك من كل ما يعوقنى أو أن يفرض أحد على ما لا أرغبه.
إنها فضفضة يا سيدتى وتعبير عما أخفيه بصدرى منذ زمن  يليق بك أن أفضى إليك به.
 
زين عتمان - ألمانيا
 
**********
فهمت رسالتك تماما وأعجبنى منطقك للغاية.. فليس دائما من يتعرضون للظلم صغارا ينشأون بعقد وأمراض نفسية، ولقد قرأتك بروح منشرحة ولم يضق صدرى برسالتك، وإنما لمحت قلبا نابضا بالمحبة برغم الألم.
لقد مرت  تلك السنوات المحشوة بمقاومة القهر والإحباط.. وقد عانيت بها من الأهل والمجتمع وصممت بشراسة وقوة أن تظلى رافعة الرأس.. وأصبح بالتالى الشىء الوحيد الذى تعتزين به هو روحك النابهة التقدمية، التى جعلت منك امرأة مميزة بسلوكك.. يحترمها الجميع لشأنها وهيبتها، ولذلك لم تندمى على حكايات شعرت فيها ببعض السعادة، وحملت منها ذكريات.. حتى الطلاق العاصف  بين أبيك وأمك، لم يمنع طلاقك الذى كان مهما ليمنع تشتت الأبناء.
إننا نتاج ما تعلمناه.. نتاج تجاربنا الجيدة وقبلها السيئة.. نعم عشت كطفلة عجوز وزوجة تعيسة كجزء من الحكاية.. ولكن المهم كيف استطعت إعادة تدويرها لصالحك وصالح مستقبلك حتى الحماقات منها.. حتى لو كانت اشتياقا أحمق للحنان كلفك سنوات من عمرك، ولكنه فى النهاية أنتج أبناء عرفت كيف تجعلين منهم أكفاء وزهورا يانعة فى حدائق الحياة.. هنيئا لك.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg