الملفات



واشنطن تحرق السجادة الإيرانية نووياً.. ساعة الحرب تقترب

26-10-2017 | 04:31
أسامة الدليل

واحدة من أبرز سلبيات استخدام السجادة، أنها تقطع الصلة (الطبيعية) ، ما بين الواقف من فوقها وعناصر الجغرافيا من تحتها، السجادة قد تمنح نفس الشعور باستواء الأرض تحت أقدام من يقف عليها، ولكن زخارفها وثراء نسيجها لا يمكن أن يعكسا حقيقة ما تحويه التربة من نفط وغاز وممرات بحرية حاكمة للتجارة الدولية، والأخطر، ذلك النفوذ الإستراتيجى الذى يتمدد فى الخفاء ببطء، لكن بثقة من أواسط آسيا والقوقاز إلى جنوب إفريقيا، مرورا بالشرق الأوسط «شبه جزيرة العرب وشمال إفريقيا»، ويكاد يهيمن على أوروبا، طبعا بخلاف الوجود «العملياتى» فىأنحاء متفرقة من قارة أمريكا اللاتينية.

ولأن الحقيقة التى لا يمكن تفاديها أن هناك عالما جديدا يتشكل وتوازنات إستراتيجية تتبدل وقوى دولية تصعد وأخرى تفقد انفردها بالعالم، فإن انقطاع الصلة ما بين القدرة والجغرافيا بفعل السجادة يشكل كارثة مروعة، لا للنظام العالمى الذى يتشكل فحسب، وإنما أيضا لكل قواعد التفاعل الدولى على سطح الكرة الأرضية، الأدهى والأمر: أن من يملك بسط السجادة تحت أقدام اللاعبين الدوليين يملك سحبها فى التوقيت الذى سيخدم مصالحه، وأن صاحب السجادة هو من يملك، تحديد أبعادها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وللأسف.. الإيرانيون هم أمهر صناع السجاد فى العالم.
اليوم ينقسم العالم بشأن قدرات طهران بعد سنوات من خداع الذات، بالمحصلة النهائية: إيران لم تخدع أحدا، كانت تضع الخيط فوق الخيط جهارا نهارا وصولا إلى الاتفاق النووى الذى تم توقيعه فى 14 يوليو 2015، ولم يكن هناك مجال لخداع أجهزة مخابرات الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين وروسيا وألمانيا، وحتى عندما تمكنت إيران من التحالف مع روسيا لدعم أرمينيا فى مواجهة أذربيجان، لتتمكن بذلك من بسط سيطرتها على القوقاز ومنع (باكو) من دعم أى حركة انفصالية يقوم بها الإيرانيون من أصول أذرية، وكذلك تخريب الصلة الاستخباراتية ما بين أذربيجان وإسرائيل، وأيضا عندما تمكنت من إبعاد تركيا عن واشنطن وعن حلف شمال الأطلنطى، وتخريب نظرية أردوغان فى إستراتيجية «العثمانية الجديدة»،  ، وعندما قلصت النفوذ الأمريكى فى أفغانستان والعراق، وهما الدولتان الملاصقتان لها من الشرق والغرب، والتحكم فى عالم إنتاج النفط والغاز الذى يدير الأرض، وصولا إلى قطر التى تتشاطرها مع تركيا على حساب أمن واستقرار كامل شبه الجزيرة العربية، كل ذلك لم يتم فى عتمة الليل.
 
السجادة الإيرانية التى يريد ترامب (تاجر العقارات المعروف) أن يحرقها من طرف واحد لا يظهر لنا من نقوشها إلا سطحها الأعلى فقط. ذلك التمدد الذى يرسم خطا يصل ما بين طهران والسواحل المشرفة على شرق حوض البحر المتوسط، حيث توجد أضخم احتياطات الغاز الطبيعى فى العالم، حيث النقاط الحاكمة لأهم بحار العالم فى التجارة الدولية، نحن فحسب نرى قوسا يربط طهران ببغداد وبدمشق فجنوب لبنان، وفى طرف آخر من السجادة نرى شرقا هيمنة إيران على كامل الساحل الشرقى للخليج العربى ومضيق هرمز، حيث يمر النفط للعالم، وجنوبا نرى نفوذا يطل على باب المندب من سواحل اليمن قادرا على إخراج كامل البحر الأحمر من معادلة الربط بين شرق العالم وغربه، ناهيك عن خنق قناة السويس، لكن كل هذا ليس سوى منظور خادع لحجم ومساحة سجادة النفوذ الإيرانى فى العالم، فطهران لا تريد مجرد أن تكون قوى إقليمية عظمى، وإنما تريد مقعدا رئيسيا لا يقل فخامة عن مقعد روسيا والصين فى النظام العالمى الجديد، وإذعاناً دولياً لا يقبل المساومة لمنطق الإسلام السياسى، وهو ما لم يعد مسموحا به فى القرن الجديد، وفقا للتعليمات المباشرة لنحو 30 مليون مصرى، اتخذوا قرارهم الإستراتيجى فى 30 يونيو 2013.
 
المثير للدهشة أن واشنطن قطعت زمنا طويلا قبل أن تكتشف، أن إيران ليست مجرد منافس إقليمى فى الشرق الأوسط، وإنما «غرفة ماكينات» تدير جغرافيا أضخم بكثير من المساحة التى طالب وزير الخارجية الأمريكى تلرسون إيران بالانسحاب الفورى منها، عندما صرح من الرياض الأحد الماضى بأن على الميليشيات الإيرانية أن تعود لبلادها، وأن يسمحوا للعراقيين بأن يسيطرو ا على أراضيهم، وقتها جاء رد وزير الخارجية الإيرانى محمد جواد ظريف عبر «تويتر» قائلا: عار على وزير خارجية أمريكا أن ينصاع لإملاءات البترودولار، وزير الخارجية الإيرانى كتب هذا التعليق وهو فى جنوب إفريقيا.
 
 حرق السجادة الإيرانية لن يتم إلا بالحرب، و الإيرانيون يعلمون ذلك، هم وكل تجار النفط فى العالم الذين يتوقعون أرباحا خيالية من وصول سعر البرميل الواحد إلى نحو مائة دولار فور اندلاع الشرار ة الأولى، وعلى الرغم من أن الرئيس ترامب قال فى مقابلة تليفزيونية الأحد الماضى، إنه لا يعترض على سعى فرنسا وألمانيا لجنى المال من إيران، فإن الموقف الفرنسى من الحرب الوشيكة على إيران يبدو مستندا لأبعد من مجرد الأرباح المتوقعة من التجارة مع طهران، ففى الصورة أظافر تريد أن تفرض رؤيتها على الأنياب.
 
وإذا كان الرئيس الأمريكى فى إستراتيجيته الجديدة تجاه إيران لم يوافق على الاتفاق النووى ولم يلغه قاذفا بالكرة فى ملعب الكونجرس، حيث يتربص بالجميع اللوبى الصهيونى، فإن ما صرح به الجنرال ديفيد جولد فاين، رئيس أركان القوات الجوية الأمريكية فجر الاثنين الماضى، قد يدفعنا لتعديل «نسج» السؤال من «كيف» ستقوم الحرب ضد إيران إلى «متى» تقوم هذه الحرب؟ الجنرال جولدفاين قال إن واشنطن «تنوى» وضع القاذفات النووية الإستراتيجية طراز B52 فى حالة استعداد فورى 24 ساعة فى اليوم، وهو إجراء تخلت عنه أمريكا منذ 26 سنة مع انتهاء الحرب الباردة، وقال إن الدافع وراء ذلك التطورات الجيوسياسية الدولية وترقب كوريا الشمالية وترسانتها وتعاظم القدرات النووية والصاروخية الروسية، ولم يأت على ذكر إيران من قريب أو بعيد، وعندما سأله الصحفيون فى قاعدة بارسكدال الجوية فى لويزيانا عما إذا كا ن هذا الإجراء من باب مجرد الردع.. أجاب من الصعب أن نقول ذلك.
 
إنها الحرب إذن.. تدق طبولها من واشنطن ليسمع من له أذنان، وليرى من له عينان فى هذه المنطقة الأكثر توترا فى العالم، من أجل حرق سجادة طهران التى تغطى حقائق الجغرافيا فى ثلث الكرة الأرضية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg